إذا كانت وحدة الأمة شرط نهضتها وهويَّتها أساس تلك النهضة؛ إذن تكون عملية توحيد الأمة على مستوى الوعي والفعل والحركة ثم على مستوى عملية النهوض، وهي من أهم العناصر الأساسية في حركة الإصلاح الإسلامي.
ولأن حركة الإصلاح هي حركة نهوض حضاري؛ إذن تكون استعادة الأمة الإسلامية لهويَّتها الحضارية وتوحدها داخل إطار هذه الهوية هي الركيزة الأساسية لتحقيق مشروع الإصلاح والنهضة الحضارية الإسلامية.
والحركة الإسلامية هي الفاعل الرئيسي في عملية الإحياء الديني وعملية الإصلاح والتغيير؛ لذا تكون الحركة الإسلامية هي الفاعل الرئيسي في عملية توحيد الأمة.
ولكن تلك العملية تحتاج إلى توافر شروط موضوعية حتى تتحقق، كما أن الحركة الإسلامية عليها مسئولية أن توحد الأمة ولا تفرقها، ولا تكون سببًا في الفرقة والتناحر.
ورغم أن كل الحركات الإسلامية تعمل من أجل وحدة الأمة، إلا أن مواقف الحركات الإسلامية تتنوع بقدر يجعل دورها نحو توحيد الأمة يختلف؛ فبعض تلك الحركات- وهي التي تُسمَّى بحركات الغلو- دخلت في متاهة التناحر بين الفرق والمذاهب والجماعات، ودخلت أيضًا في مواجهات مع فئات من الأمة؛ مما جعلها لا تستطيع تحقيق وحدة الأمة؛ بل ربما عرقلت تلك الوحدة، وأيضًا نجد بعض الحركات الإسلامية قد رفعت خطابًا في وجه غير المسلمين من أبناء أمتنا، يشعرهم على الأقل أنهم غرباء على هذه الأمة، وليسوا جزءًا منها.
من هنا أصبحت الحاجة ملحةً لقيام حركة الإصلاح الإسلامي بدورها المنشود في توحيد الأمة، ومواجهة أسباب الفرقة التي تأتي من جانب بعض التيارات الإسلامية، وتلك التي تأتي من جانب النخب العلمانية والنظم الحاكمة والدول الغربية، وأيضًا تلك التي تأتي من بعض فئات الأمة، والتي ترفض الانتماء للأمة، وتحاول أن تحصر هويتها في إطار خاص بها، سواء على أساس العرْق أو الجنس أو الدين.
الوسطية هي الحل
والمعركة ليست سهلة؛ لأن الأطراف التي تعمل على تقويض وحدة الأمة متعددة، وبعضها يأتي من داخل بعض الفئات المكونة للأمة، ولكن معركة توحيد الأمة هي من لوازم مشروع نهضتها؛ ولذا فهي من المعارك الأساسية، وهنا يبرز دور الحركة الوسطية الإسلامية، والتي تحمل رسالة النهضة، فهي القادرة على توحيد الأمة، كما أن مشروعها يتوقف على وحدة الأمة، نقصد من ذلك أن الوسطية الحضارية الإسلامية؛ بوصفها تمثل تيارًا من تيارات الحضارة الإسلامية؛ هي القادرة على توحيد الأمة، وهي- بذلك- القادرة على القيام بمشروع الاستقلال والنهضة؛ ولذا نرى أن الحركات الإسلامية الوسطية هي التي تحمل المسئولية الأولى تجاه توحيد الأمة، ومن هنا يبرز دور تيار الإخوان المسلمين، بوصفه العمود الفقري للحركة الوسطية الإسلامية.
وإذا كان للوسطية العديد من التعريفات إلا أنها في النهاية هي الوسط بين إفراط وتفريط، وهي التوازن والتكامل والاعتدال، وهي الموازنة بين الثابت والمتغير، أي أنها نقطة التوازن بين الحفاظ على الثوابت الدينية والحضارية، وبين التجديد والاجتهاد، والتكيف والمرونة مع متغيرات الواقع؛ لذا يصبح منهج الوسطية في توحيد الأمة قائمًا على التوازن بين ثوابت الأمة الحضارية، وبين تنوعها الداخلي، فيصبح التنوع مصدرًا لثراء أمتنا، ولا يصبح مصدرًا للفرقة، وتصبح الثوابت مصدرًا لتوحيد الأمة، ولا تصبح مصدرًا لإقصاء فئة أو أخرى منها.
التوازن بين الانتماءات
هناك دائمًا جدل حول دوائر الانتماء المختلفة، والتي تمتدّ من الانتماء الوطني مثل الانتماء المصري، إلى الانتماء القومي مثل الانتماء العربي، إلى الانتماء الحضاري وهو الانتماء للحضارة الإسلامية والأمة الواحدة، وهذا الجدل في الواقع كان نتاجًا لمحاولة تفكيك انتماء الأمة الواحدة، أي محاولة تفكيك الانتماء للحضارة الإسلامية؛ ولكن بعض الاتجاهات الإسلامية دخلت على هذا الجدل بموقفٍ معاكس، في محاولة لنفي الانتماءات الأولية أو الانتماءات الأصغر لصالح الانتماء الأكبر؛ بمعنى أن البعض حاول نفي الانتماء المصري لصالح الانتماء الإسلامي كانتماء وحيد.
وهنا يمكن أن نرسم الصورة على معيار الوسطية، فقَصْر انتماء الفرد على الانتماء الأضيق- وهو الانتماء الوطني- مثَّل اتجاه التفريط، والذي عمل على تغيير هوية الجماعات الوطنية وفك ارتباطها بالانتماء الحضاري الشامل، وهو الانتماء للحضارة الإسلامية، وفي مقابل التفريط يظهر الإفراط، والذي حاول نفي الانتماءات الوطنية باعتبارها نوعًا من التعصب، والتركيز على الانتماء الحضاري الإسلامي.
أما موقف الوسطية، والذي ظهر واضحًا في خطاب الإمام حسن البنا، ومن جاء بعده من أعمدة الوسطية مثل الشيخ محمد الغزالي والعلامة يوسف القرضاوي، فركّز على أهمية الانتماءات الوطنية والقومية والحضارية جميعًا، على أساس أنها لا تنفي بعضها البعض؛ بل على العكس من ذلك، تقوي بعضها البعض، وبهذا يكون الانتماء الوطني جزءًا من الانتماء القومي، والأخير جزءًا من الانتماء الحضاري للأمة الواحدة.
والحقيقة أن الموقف الوسطي كان الأكثر واقعيةً، فالانتماء للوطنية المصرية يمثِّل حلقة تعضد الانتماء للعروبة، والذي يمثل حلقة تعضد الانتماء الحضاري الأساسي للحضارة الإسلامية.
وفي الواقع، كما في الوعي الجمعي لجماهير الناس، لا يوجد تعارض بين هذه الانتماءات، كما أن قوة الانتماء للدائرة الأصغر لا يتعارض مع قوة الانتماء للدوائر التالية لها؛ بل على العكس من ذلك، فالتضامن داخل إطار الأسرة هو طريق يؤدي إلى التضامن بين أبناء العائلة الأكبر أو الجماعة الأكبر، ثم يؤدي إلى التضامن بين أبناء الوطن الواحد، ثم أبناء القومية الواحدة، ثم أبناء الأمة والحضارة الواحدة، المهم أن لا تكون دوائر الانتماء الأصغر جامعة مانعة؛ لأنها في هذه الحالة تفكك الانتماء للدائرة الأكبر، كما أن التعصب وربما أيضًا العنصرية، هي التي تتمثل في حصر الانتماء على الدائرة الأصغر، وعزل الجماعة الوطنية عن محيطها الحضاري الأوسع.
وأساس هذه الانتماءات المتتالية، هو أن أمتنا تنتمي لحضارة واحدة، وهي الحضارة الإسلامية، ونعني بذلك أن أمتنا تنتمي إلى منظومة قيم ونمط حضاري واجتماعي واحد، وأي محاولة لتفكيكها تتجاهل سيادة نمط حضاري مشترك لدى الأمة الإسلامية كلها، وهو النمط الحضاري الشرقي أو النمط الحضاري الوسطي، والذي يتميز بمركزية دور الدين والقيم الأسرية وقيم التضامن والتكافل الاجتماعي وقيمة العدل وغيرها.
التكامل بين هوية الدين والحضارة
أثير أيضًا قضية الانتماء الديني، أو العلاقة بين المسلم وغير المسلم، وعلاقة الأخير بالحضارة الإسلامية، ووجدنا اتجاه التفريط يميل إلى الزعم بأن الانتماء إلى الأمة الإسلامية، يعزل غير المسلم عن هذا الانتماء، وأن الحضارة الإسلامية لا تُعبِّر عن غير المسلم؛ ولهذا فالانتماء الوطني يصبح الانتماء الوحيد الذي يربط بين المسلم وغير المسلم في الوطن الواحد، وبدونه تتفكك الجماعة الوطنية، وكأن الانتماء للحضارة الإسلامية الواحدة، يفكك الأوطان ويمزقها، وفي المقابل وجدنا اتجاهات نحو الإفراط تحاول أن تجعل غير المسلم خارج إطار الأمة الإسلامية، وتجعله غريبًا عن المسلم، وتحاول رسم صورة تجعل غير المسلم الشريك في الوطن الواحد وكأنه ضيف أو وافد، مثله مثل الأجنبي.
وفي المقابل فإن موقف الوسطية كان مختلفًا، ومثَّل الموقف الذي يعضد الوحدة الوطنية، كما يعضد وحدة الأمة، ويجعل من وحدة الوطن ركيزةً لوحدة الأمة، وهذا الموقف يقوم أساسًا، على أن الانتماء الحضاري للمسلم وغير المسلم واحد في حقيقة الأمر، وبهذا يكون انتماء المسلم للحضارة الإسلامية هو انتماء للدين والحضارة، وانتماء المسيحي أو غير المسلم للحضارة الإسلامية هو انتماء للحضارة، والمقصود من هذا، أن النمط الحضاري والاجتماعي السائد في مصر مثلاً، يعبّر عن المسلم وغير المسلم، وهذا النمط الحضاري هو نفسه النمط الذي يجعل المسلم في مصر منتميًا للعروبة ومنتميًا للأمة الإسلامية؛ لأن النمط الحضاري والاجتماعي والثقافي السائد في مصر هو جزء من النمط الحضاري العربي، وجزء من النمط الحضاري الإسلامي، فالتجانس الواضح بين النمط الاجتماعي السائد في مصر بين المسلم وغير المسلم، مع التجانس الحضاري الذي يدركه وينادي به المسلم لكل الأمة الإسلامية، يعني في النهاية أن النمط الحضاري لغير المسلم في المنطقة الإسلامية هو جزء من الانتماء الحضاري الإسلامي، وهذا أمر منطقي وعلمي، ففي الوطن الواحد لا تنشأ حضارات متعددة، ومادمنا نلاحظ التجانس الاجتماعي والحضاري بين المسلم وغير المسلم في مصر، ونلاحظ التجانس بين المسلم المصري والمسلم العربي والمسلم غير العربي؛ إذن يمكنا تأكيد النمط الحضاري لكل أمتنا العربية والإسلامية.
وهنا يجب التأكيد أن أخوة الدين لا تتعارض مع أخوة الحضارة أو أخوة الوطن، ولا يوجد بينهما تنافس، ولا محل للصراع بينهما؛ لأنها كلها علاقات أخوة تتجاور ولا تتعارض، وتتكامل ولا تتنافس؛ فلا يمكن أن يكون المسلم مخيرًا بين الدفاع عن وطنه، أو الدفاع عن أمته، وبالتالي لن يكون مخيرًا بين الدفاع عن أخوته في الوطن وأخوته في الدين، فالوطن كيان داخل الأمة، وكل فئة من الجماعة الوطنية هي جزء من الأمة، وبالتالي فلا وجه للحديث عن حالة تلزم بالاختيار بين أخوة الدين وأخوة الوطن، وكل الأسئلة حول (مَن الأقرب، أو مَن الأهم؟) تفترض أن هناك نزاعًا ما، فإذا وجد هذا النزاع، فهذا أمر آخر؛ أما إذا تحقق تماسك الجماعة الوطنية، وتماسك الأمة ووحدتها، فلا مكان لافتراض أي نوعٍ من الصراع، ففي هذه الحالة تتكامل أخوة الدين وأخوة الحضارة؛ لتصنع وحدة الأمة وتماسكها.
الاعتدال في فقه الواقع
إن إثارة مسألة أخوة الدين وأخوة الحضارة والوطن نتجت- في تصوري- من اتجاهات الغلو؛ فالبعض أراد أن تكون أخوة الوطن والانتماء للجماعة الوطنية بديلاً عن أخوة الدين، وكان هذا تفريطًا، فردّ عليه بإفراط لا يقل عنه غلوًّا؛ لتصبح أخوة الدين هي الأخوة الوحيدة؛ مما يؤدي إلى موقف عداء من غير المسلم؛ حتى وإن كان شريكًا مع المسلم في الوطن الواحد، ومن الطبيعي القول: إن غير المسلم الذي يعادي المسلم أو يعادي الأمة الإسلامية هو عدو، ولكن غير المسلم الذي يشارك المسلم في الوطن الواحد، هو ليس عدوًّا؛ بل هو شريك في الوطن، وشريك في أخوة الحضارة والوطن.
نقصد من هذا أن هناك أحكامًا أنزلت على الواقع، وهي لا تتوافق مع حقيقة هذا الواقع، فلا يمكن مثلاً إنزال حكم يخص العدو على فرد ليس عدوًّا؛ لأن العداء وقعة يجب أن تتحقق أولاً، وهنا تظهر أهمية فقه الواقع، أي الفهم الرشيد والدقيق لطبيعة الواقع، وهو الفهم الذي ظهر جليًّا لدى فقهاء الوسطية؛ حيث اهتموا ببيان طبيعة الواقع؛ حتى ينزل عليه الحكم المناسب، فعندما ننظر إلى أخوة الوطن من غير المسلمين سنجد أنهم جزء من نسيج اجتماعي يمثل جماعة وطنية واحدة، وبالطبع، يتأثر هذا النسيج سلبًا بحالات النزاع الديني والطائفي؛ ولكن معالجة ذلك لن تكون بتكريس الفُرقة؛ بل باستعادة وحدة الجماعة الوطنية.
بالطبع يجب أن نؤكد على أن غير المسلم الذي يرفض الانتماء الحضاري الإسلامي ويريد الاكتفاء بالانتماء الوطني؛ مَثَلُه في ذلك مثل العلماني الذي يريد تفكيك الأمة الإسلامية وتحويلها إلى أوطان متفرقة، وهو بهذا يحمل مشروعًا سياسيًّا يتعارض مع المشروع الإسلامي، والموقف الوسطي الإصلاحي يقوم أساسًا على الدعوة للمشروع الحضاري بين الناس، ومواجهة الفكر بالفكر والسياسة بالسياسة، فإذا غلب إدراك الأمة لوحدتها، أصبح ذلك دستورها الملزم للجميع، وانتصار المشروع الوسطي، سيتحقق أساسا؛ لأنه يعبر عن الجوهر الحضاري الغالب بين الناس في أرجاء الأمة الإسلامية؛ لذا فقوته الحقيقية تتمثل في إسناده الجماهيري.
مسئولية تيار الإخوان
تلك المعاني تحتاج للترجمة المستمرة على أرض الواقع؛ لتتحول إلى واقع مُعاش؛ هي بالطبع واقع معاش في الوقت الراهن وفي الماضي؛ ولكنَّ الكثير من النزاعات الداخلية قد أضرت بالتجربة الإيجابية للعيش المشترك داخل أمتنا، وضخمت من الصور السلبية التي مرّت بنا عبر التاريخ، وجعلتها الصورة الوحيدة التي يعاد إنتاجها، ومن هنا تبرز أهمية دور تيار الوسطية، خاصةً تيار الإخوان المسلمين؛ لأن التنظيمات الحركية هي المسئولة عن تحويل الفكر إلى واقع، وهي في النهاية التي تصنع الواقع وتشكل المستقبل، وكل عملية الإصلاح والنهضة تقع مسئوليتها في النهاية على الحركات الفاعلة، والتي تقوم بعملية البناء والإصلاح على أرض الواقع.
وتيار الإخوان بُني منذ اللحظة الأولى على الفكرة الوسطية الإسلامية، وهو التيار الأكثر انتشارًا؛ لذا يصبح عليه مسئولية حماية المشروع الحضاري من أي أزمات تعرقل مسيرته، فكل ما يمس وحدة الأمة يمثل عائقًا في طريق نهضتها؛ فمواجهة كل محاولات تفريق الأمة هي جزءٌ أصيلٌ من عملية إصلاح الأمة وإصلاح نظامها السياسي؛ تمهيدًا لتحقيق نهضتها.