انعقدت الجمعية العمومية لأطباء مصر يوم الجمعة الموافق 27 مارس 2009م، وكان موضوع كادر الأطباء على رأس الاهتمامات والموضوعات، وكان هناك توجس من طرفي اللقاء مجلس النقابة، وعلى رأسهم نقيب الأطباء الدكتور حمدي السيد والأطباء الغاضبون من تسويف الحكومة لحسم حقوق الأطباء المادية، وفي مقدمتهم جماعة "أطباء بلا حقوق".
وقد استشعرتُ الصراع قبل اللقاء، وحاولتُ أن أخفف من التربص ولا بأس من حرص كل طرف على إنهاء الجمعية بتوصيات ترضيه وتحقق له ما أراد!، وقد أعددت كلمة تقرب بين الفريقين، وللمساعدة في إنجاز تقدم في التوصيات التي يجب أن تتخذها الجمعية العمومية لتقوية فريق التفاوض من مجلس النقابة لمصلحة الأطباء لكن وما أصعب لكن!! لم أتمكن من إلقاء كلمتي، ولا أدري إن كان هذا عمدًا من منظمي اللقاء، أو لضيق الوقت كما صرح لي مدير اللقاء فيما بعد!.
المهم أني كنت في الجمعية الماضية في مارس 2008م، قد اقترحت اقتراحًا لتجميد عضوية وزير الصحة في النقابة لتسويفه، وعدم دعمه لحقوق الأطباء زملائه الذين يعيشون عيشة الهوان والحاجة! ورغم علمي بصعوبة ذلك، وأن هذا يخضع لإجراءات إدارية، وأن الوزير لا يعنيه عضويته في النقابة من عدمها؛ لأنه ليس في حاجة لها ولا لمساعدتها!! إلا أن رد فعل الأطباء كان حماسيًّا، ونال من التصفيق والتأييد ما جعل الدكتور حمدي السيد يغادر المنصة محتجًا على الاقتراح غير الممكن، وغير المقبول ثم عاد بعد التهدئة!.
وربما هذه المرة توقع مجلس النقابة أني سأطالب بعزل وزير الصحة وإقالته بعد أن وعد وأخلف وماطل ولم يصلح من حال الأطباء طوال عام سابق، في ظل تهديد بالإضراب وافقت عليه الجمعية العمومية، وألغاه مجلس النقابة حرصًا وخوفًا على مصالح الأطباء من العقوبات التي يمكن أن تتخذها الحكومة ضد المضربين!.
ورغم أني ممن لا يؤمنون بإقالة وزير ضعيف أو فاسد؛ لأن الحكومة- من وجهة نظري- والنظام الذي هو مسئول عنها كلهم يستحقون الإقالة، ثم المحاكمة العلنية أمام قاضيهم الطبيعي على الهواء مباشرة؛ كي يعلم الشعب المصري حجم الإجرام والظلم والنهب الذي مورس عليهم طوال فترة مسئولية هذا النظام!
على كل الأحوال كنت أريد أن أقول في هذه الجمعية إن التفاوض من منطق القوة غير التفاوض من منطق الاستجداء، والمحايلة مع نظام "يخاف ما يختشيش"!!
وكنت أريد أن يستفيد مجلس النقابة من زخم حضور الأطباء للجمعيات العمومية، وقبل أن ينفضّوا عنها باعتبارها لا تثمن ولا تغني من جوع، وتظل حالة الحراك، والتهديد باعتصامات، وحتى بالإضراب الذي لم يحاكم أو يعاقب مصريٌ واحدٌ ممن أضربوا لمصالحهم وهم بالألوف نتيجة إضرابهم! وهو ما حذرت منه في مقال سابق "يا كادر يا كريم ينصفنا من الظلمة"، وأوضحت فيه أن مجلس النقابة قد أحالنا جميعًا إلى ذباب ينطبق علينا المثل القائل "القانون كخيوط العنكبوت تقع فيه الحشرات الصغيرة وتعصف به الطيور الكبيرة"، فانشغلنا في قانونية حقنا في الإضراب من عدمه، وهو الإضراب الذي لن يؤثر على الخدمات الطارئة والعمليات الحرجة، وحالات العناية المركزة، وكل ما يمثل خطورةً على صحة المواطنين، وهنا ضاعت أو كادت تضيع فرص اتخاذ مواقف قوية تدعم مجلس النقابة في مفاوضاته مع مسئولين لا يملكون من أمرهم شيئًا!!
فالإضراب مهما كانت قوته لن يسقط الحكومة لكن ربما يستخلص الحقوق، وكنت أود أن ألفت نظر مجلس النقابة، وعلى رأسهم الدكتور حمدي السيد أنه كان يجب عليهم أن يقفوا موقفًا أقوى أمام الوزير الذي وعدهم، والتزم أمامهم بحلول مؤقتة لرفع دخول الأطباء، ولم ينفذ الوعد في كثير من الوحدات الصحية، وطوال شهور العام مما سبب لهم- مجلس النقابة- حرجًا بالغًا أمام زملائهم الأطباء بدلاً من الاجتماع اليوم وتوجيه الشكر لمجلس النقابة على ما بذلوه من جهد طوال العام الماضي، لكن مواقف الوزير وصاحبه بطرس أفسدت على المجلس إنجازه، وعلى الأطباء فرحتهم!
كنت أود أن أنبه أن الدولة التي خفضت موازنة الصحة هذا العام رغم كل المآسي الصحية التي يحياها المواطن المصري لم تنشغل بالعاملين بوزارة الصحة قدر اهتمامها بالعاملين بوزارة الداخلية أو الخارجية رغم أنهم في الوزارتين أذلوا وأهانوا المصريين في الداخل والخارج!، وكنا نود فقط أن نشارك في تنفيذ برنامج الرئيس المنفذ حاليًا، وذلك بتقديم المصري للإهانة أو الذبح، وهو موفور الصحة أي فول دسم!!!
كنت أود أن أستعرض على الأطباء زملائي بعضًا مما يعلموه من إهدار أموال الشعب عن طريق الحكومة ذاتها التي تتعلل بضيق ذات اليد، وأذكرهم بأن صفقة عمر أفندي ضاع فيها على مصر 600 مليون جنيه، وأن بيع الغاز الطبيعي للعدو الصهيوني- على خلاف ما جاء في اتفاقية كامب ديفيد من البيع بالسعر العالمي- تسبب في خسائر يومية لمصر 55 مليون جنيه بإجمالي 18 مليار جنيه سنويًّا كانت حلت مشاكل الأطباء، وأساتذة الجامعات والمعلمين!!
وأن بيع أراضي مصر بمعرفة رئيس مجلس الوزراء ووزير الإسكان والمرافق، والمجتمعات العمرانية لعضو لجنة السياسات في مشروع مدينتي- 8000 فدان- أضاع على مصر مبلغ 165 مليار جنيه في مقابل تخصيص نسبة عينية قدرها 7% من الوحدات المنشأة!!، هذا غير ما تم من بيع لعشرات من رجال الأعمال والوزراء بمبالغ رمزية أضاعت على مصر مبالغ إجماليها 189 مليار جنيه (من عينة وزير الداخلية السابق ومحمد أبو العينين وأحمد عز ومحمد فريد خميس ومجدي راسخ وحسن حمدي وجاسم الخرافي والوليد بن طلال ونجيب ساويرس ومجدي راضي وياسين منصور وسليمان الأشقر وغيرهم).
باختصار.. كنت أريد ألا نفصل بين النقابي والسياسي؛ لأن المتحكم في حياتنا النقابية هو السياسي الفاسد الظالم المستبد الذي يبيع الآن شركات الأدوية للأجانب ويضع عام 2012م لإنهاء ملكية مصر الدولة لأي شركة أدوية، وقد بدءوا بشركة "سِيد" التي لم تحقق خسائر بل كانت أرباحها تصل إلى 30 مليون جنيه سنويًّا، وقيمة أراضيها فقط 635 مليون ورغم ذلك قدرتها الشركة القابضة بـ205 ملايين جنيه.
المهم الحمد لله أني لم أتحدث لكني رسالتي كانت في منتهى البساطة لمجلس النقابة سيروا على بركة الله في مفاوضتكم، لكن اتركوا الأطباء يشكلون أدوات ضغط تخدم مصالحهم وتقوي ظهوركم، وعلى العموم التوصيات لا بأس بها إن تم الاهتمام بها من قبل النقابة لإجراء اعتصامات متعددة، ومتكررة أما بخصوص غلق العيادات الخاصة فأنا أول من سيغلق عيادته، لكن احذروا أن هناك ما هو قادم وأسوأ من وزارة المالية لإنهاء الربط الحكمي للأطباء وإلزامهم بإمساك دفاتر لمحاسبتهم ضريبيًّا! ووقتها ربما تغلق العيادات الخاصة في إضراب لا يحتاج لدراسة ولا جمعية عمومية ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
أما مؤتمر الأساتذة في نادي تدريس جامعة القاهرة الجمعه 3 أبريل 2009م، فقد تم تحت ذات الظروف من تربص بين مجلس إدارة النادي وبعض أعضاء جماعة 9 مارس المنافس بقائمته لقائمة مجلس الإدارة في انتخابات النادي أواخر هذا الشهر، كان هناك توجس من كلا الطرفين لاحتواء الآخر ورغم اتفاقهما على مصالح الأساتذة وهو ما لا شك فيه، إلا أن كل منهما له أسلوبه في التوصل لحقوق الأساتذة، ولو فطن كلاهما لقسموا الأدوار بينهما لجلب مزيد من المكاسب واستخلاص مزيد من الحقوق لأعضاء هيئات التدريس في الجامعات المصرية لكن وآهٍ من لكن، كان الإصرار من بعض أعضاء الجماعة للمعارضة العنيفة للنظام الذي أهدر ثروات مصر، وفقد القدرة على توفير الحياة الملائمة لملايين المصريين!.
وكنت أنا ضمن هؤلاء باعتبار أننا نتعامل مع نظام فعلاً "يخاف ما يختشيش"، ويحتاج لصوت عالٍ بينما المفاوضون ربنا يوفقهم يوظفون هذه الضغوط كي تساندهم في حوارهم مع المسئولين- الذين لا يملكون من أمرهم شيئًا!- وفي نفس الوقت كانت هناك رغبة في استخراج عقد المؤتمرات من يد نادي القاهرة ليمثل كل جامعات مصر.
وهنا حدث اللبس الذي كنت أحاول شرحه لبعض أعضاء مجلس إدارة النادي بعد تجربة مرة من لجنة المتابعة التي شكلت بعد المؤتمر الرابع، وظن البعض أنها تدخلت في شئون نادي القاهرة؛ مما أثار غضب أعضاء مجلس الإدارة الذين وجدوا أنفسهم أمام سلطة جديدة غير التي انتخبتهم من أعضاء هيئة تدريس جامعة القاهرة!.
والجديد الذي كنت أريد أن أنبههم إليه أن المطلوب لجنة أو أمانة لإدارة المؤتمرات يمثل بها كل الجامعات ولا علاقة لها بنادي القاهرة الذي سيصبح فقط مكانًا لعقد المؤتمرات بعد موافقة مجلس إدارته دون أي إجبار أو فرض وصاية، وهو كلام معقول ومقبول لتخفيف الضغط عن كاهل النادي فتصبح له الحرية في اتخاذ قراره بعيدًا عن المؤتمرات التي أصبحت تجمع أعضاء هيئات التدريس بمبادرة مشكورة من نادي القاهرة.
وكنت أود أن يقف الخلاف عند هذا الحد بدلاً من الكلام الجارح والتفسيرات المتعسفة المهينة للزملاء كراهية لاتجاه يمثله الإخوان المسلمين وما لهم من قاعدة وسط أعضاء هيئات التدريس فاختلط الخاص بالعام، وتأصلت التصرفات في تعليقات البعض على قواعد مخيفة تنذر بالشؤم على مصر كلها لو أن هؤلاء شاركوا في المسئولية!!، إلى هذا الحد رغم أن المنتمين لفكر الإخوان لم يتفردوا بأي مؤسسة دخلوها بانتخابات حرة نزيهة، بل وصل الاتهام بأن كل من حضروا من الإخوان أعضاء هيئة التدريس بل اتهمهم البعض بأنهم حشدوا أفرادًا لا علاقة لهم بالجامعات، إلى هذا الحد من التعسف والكراهية وصل الأمر.
وعلى كل الأحوال أخطأ الطرفان، والخاسر هو كل أساتذة مصر وسط مزايدات واتهامات متبادلة، وما حدث نذير شؤم؛ لأن فرقة أصحاب الهدف الواحد تطيل في عمر هذا النظام الفاسد المستبد الظالم، وتؤخر من ائتلاف الخير من أجل مصر فعلاً إذا كانت النفوس- في أعلى مستوياتها- تحمل كل هذا الغل وسوء الظن؛ فاللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت سبحانك خير من زكاها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
----------------
استشاري الحميات وأمراض الكبد وأستاذ م. مناعة الأمراض المتوطنة معهد البحوث الطبية- جامعة الإسكندرية