ملاحظة أولية لا بد من تسجيلها تتعلق بمنهج معالجة الموضوع، وهي أن الكاتب العربي يستطيع أن يحدد صورة إيران التي يريدها العرب؛ دولة إسلامية تدعم القضايا الإسلامية، وتتعاون معنا في دعم القضايا العربية، ولا نلزمها بالميل نحو القومية العربية وأحلام الوحدة العربية، ونتحاور فيما ينشب بيننا من خلافات أو منازعات مع عدم مصادرة حق إيران في القضايا المشروعة حتى لو تعلَّق الأمر بصراعات مع غيرنا.

 

وهكذا يريد العرب إيران الجارة المسالمة المتعاونة التي لا تفرض موقفًا بشأن الجزر، ولا تنازع من حين لآخر في استقلال البحرين، ولا تتدخل بأي شكل في شئون الدول العربية، خاصةً تلك التي يكون الشيعة من مكونات شعبها.

 

أما صورة العرب كما تريدها إيران، فلا أظن أنها مستمدة من أدبيات وكتابات إيرانية بالقدر الكافي؛ لأن الصورة المتبادلة ليست واحدةً من الجانب العربي، كما أن صورة العرب الحالية والمثالية ليست واحدةً عند إيران، وإنما تتنوَّع بتعدد الدول العربية ومدى علاقاتها بإيران، وبخلاف هذا التحفُّظ العام على منهج المعالجة، فهناك قناعات عامة يعبر عنها الإيرانيون في صدد نظرتهم إلى العالم العربي.

 

وأول هذه القناعات هي أن التحالف السياسي الأمريكي مع الدول العربية هو- في نظر إيران-الذي يصادر حرية الدول العربية في التواصل مع إيران، وتطبيقًا لذلك تعتقد إيران أن عمق العلاقات المصرية الأمريكية و"الإسرائيلية" لا يسمح لمصر بإنشاء علاقات دبلوماسية مع إيران، كذلك تشعر إيران أن من حقِّها التعريف بالمذهب الشيعي ونشره؛ باعتباره فصيلاً متفردًا من مدارس الفقه والممارسات في الإسلام، ولا تجد إيران حرجًا بل إنه واجب وحق لكل مسلم أن يلمَّ بالمذهب الشيعي، ولولا عنصر الولاء السياسي في هذا القول لما أثار حفيظة بعض الدول العربية، ولذلك أبدت طهران دهشتها من قرار المغرب بقطع علاقاته الدبلوماسية معها لهذا السبب، بل إن هذا العامل هو الذي يعقِّد الموقف الأمني في بعض الدول العربية من إيران، ويخلط عادةً بينه وبين محاولات التجسُّس وتجنيد العملاء، وهو عمل مألوف في جميع بلاد العالم في كل العصور حتى بين الدول الحليفة والصديقة.

 

يبدو أن إيران تريد أن يقدِّر العالم العربي جميلها في دعم المقاومة العربية ضد "إسرائيل"، ولا تتعجل أن يقوم العرب بهذا الدور، أو تقوم الحكومات نفسها نيابةً عن المقاومة بذلك، مثلما تتمنى إيران أن تتخلَّص الدول العربية من النفوذ الأمريكي، وأن تملك إرادة التحدي لواشنطن مثلها، ما دامت واشنطن تدعم "إسرائيل" بشكل أعمى ضد المصالح العربية، ولا شك أن عدم دعم العرب للمقاومة، وتجريم هذا الدعم يضع إيران في دائرة الاستهداف، ويجعل اللقاء بين الطرفين حول المنطقة بحاجة إلى الحوار.

 

تقدِّر إيران للعالم العربي إجماعَه على حقِّ إيران في حيازة الطاقة النووية للأغراض السلمية، ولكن الخليج بالذات يخشى من تحوُّل إيران إلى قوة نووية، فتجور عليه سياسيًّا وعسكريًّا، وتلجئه إلى مزيد من الارتباط بالغرب طلبًا للحماية، مثلما يتخوفون من الآثار البيئية للمشروع الإيراني، وعلى الرغم من ذلك أعلنت 13 دولة عربية عن عزمها على حيازة التكنولوجيا النووية، أيضًا تَأْمل إيران أن تتفهَّم الدول العربية تمسُّكها بالجزر الثلاث لاعتبارات تراها تاريخيةً وإستراتيجيةً، كما ترى أنها كانت ضمن صفقة مع بريطانيا، وهذا يتطلَّب حوارًا بين موقفين متناقضين تمامًا، كلٌّ مُصِرٌّ على حقه فيه.

 

يبدو أن إيران ترى أن ضعف الاتجاه القومي حاليًّا يساعد على الحوار والتلاحم بخلاف الحال عندما يشتدُّ المدُّ القومي الذي يتصادم مع بعض المواقع بالقومية الفارسية وتوجهاتها، وتشعر إيران بأنها ظلمت منذ قيام الثورة، وأن العرب تحالفوا مع أمريكا والعراق لقمع الثورة، وأنها تمدُّ الجسور لكنهم يتجاهلونها، وأن موقفهم منها تحكمه واشنطن وليس النظر المستقل إلى جوهر المصالح العربية.

 

بقيت معضلتان: الأولى تتعلق بموقف إيران في العراق، والثانية تتعلق بعلاقة إيران بالشيعة العرب، أما موقف إيران في العراق، فإيران تُظهر حرصَها على زوال الاحتلال، وأنها تريد أفضل العلاقات مع العراق، رغم اتهامها بأنها ساندت ميلشيات لتصفية السنة، ولكن إيران تريد أن يسلّم العرب بأنها تعرضت لعدوان صدام حسين، وأن من حقِّها أن تؤمِّن أراضيها من جهة العراق، وأن يسلِّم العالم العربي بأن مصير العراق- بسبب كل ما حدث- ترسُمه طهران وواشنطن ما دام العالم العربي ليس طرفًا في الساحة العراقية.

 

أما موقف الشيعة في العالم العربي فترى إيران أن العلاقة المذهبية حقيقة، لكنها تنفي أيّة تبعات سياسية بالتأكيد أحيانًا على هجر نظرية ولاية الفقيه التي تجعل زعيم الثورة في إيران زعيمًا سياسيًّا لكل شيعة العالم.

 

إن إيران تشعر بأن العالم العربي قد وقف مواقف سلبية أحيانًا ومعاديةً أحيانًا أخرى، فضلاً عن شعور الأقلية الطبيعي في العالم الإسلامي والشعور عند الشيعة بالمظلومية انطلاقًا من ظلم سيدنا الحسين بن علي سيد الشهداء وعترة آل البيت، كذلك فإن إيران تحمَّلت كافة أنواع الضغوط منذ ثورتها الإسلامية فزاد من قدرتها على الصمود وتطوير قواها الذاتية والثقة في قدراتها، وأخيرًا فإن إيران تستنهض التراث الحضاري لفارس عبر العصور، ومهما شابت النفسَ الإيرانيةَ عبر التاريخ بعضُ الأمور ضدَّ العرب؛ فالمحقق أن إيران تريد عالمًا عربيًّا متفهمًا لطموحاتها، ولكنها ربما لا تدرك أن ساحة حركتها هي نفسها الساحة التي تخلَّت عنها الدول العربية، ولهذا فإن الحوار له ما يبرره لتحديد مجالات الحركة، وأن توضع قواعد للحوار والعيش المشترك، وليس على أساس فرض واقع، وانطلاقًا من فرضيات القوة الجديدة، فإن حسن الجوار أكثر نفعًا لإيران من التعامل مع العالم العربي بمنطق حسابات القوة المعروفة في العلاقات الدولية.

 

هذه ورقة من أوراق الحوار، ولكن تأصيل قواعد الحوار ومؤشراته وموضوعاته الشاملة تتطلب معالجةً أخرى إذا تقرَّرت أهمية الحوار العربي الإيراني من الطرفين، وأبدى الطرفان حرصًا متبادلاً ومماثلاً على عَقْدِه وإنجاحه.