يعلم القاصي والداني أن السودان وقع في دائرة الخطر، ويتعرض الآن لعدة مخاطر على جبهتَيْ الجنوب والغرب، والأحداث تتجه بقوة، وتدفعه إلى خطر الفسيفساء السودانية، وتفتت الدولة إلى دويلات هزيلة، وتقديري أن أزمة المحكمة الدولية، وقرار إحالة الرئيس البشير للتحقيق والمحاكمة فصل مهم لكسب الوقت، وإلهاء الرأي العام العالمي وخاصةً العربي؛ حتى يُفاجأ الجميع بكارثة انفصال الجنوب عن السودان، وبداية التحلل في كيان السودان الشقيق.
وإذا كان السودان في خطر فمصر ليست بعيدةً عنه؛ بل هي المستهدف الرئيسي من تلك الحروب الضروسة على السودان.

 

هناك أخطاء فادحة في السياسات الخارجية المصرية فيما يتعلق بالسودان، وغالبًا ما يأتي التحرك المصري متأخرًا أو ضعيفًا، أو بعد فوات الأوان؛ كما حدث في فترة مفاوضات الحكومة السودانية مع حركات التمرد في الجنوب، وما أسفرت عنه من توقيع اتفاقية نيفاشا لسلام السودان عام 2005م.

 

(اتفاقية السلام الشامل وُقِّعت في نيروبي في 9/1/2005م والتي أعطت أهل الجنوب حق تقرير المصير بنهاية الفترة الانتقالية في 2011م).

 

خطورة الانفصال

1- إنه سيكون مقدمة لسلسلة انقسامات وانفصالات تفتت السودان فيما يعرف بنظرية "الفسيفساء السودانية"، وهي تعني- وفقًا لمخططات غربية معروفة ومعلنة- تفتت السودان إلى 5 دويلات متحاربة، وما يحدث في دارفور يؤكد ذلك.

 

ما خطورة الانفصال هنا على مصر؟

لا شك أن هذا الانفصال يُعَرِّض الأمن القومي المصري لخطورةٍ بالغة، فالسودان كله؛ شماله وجنوبه؛ شرقه وغربه؛ عربه وزنوجه عمق إستراتيجي لمصر، ويشكل الجبهة الجنوبية المصرية، ولقد أدرك محمد علي باشا هذا الأمر منذ أكثر من مائتي عام فاتجه إلى الجنوب ليضم السودان لمصر في دولةٍ كبرى لا تقبل التجزئة، أدرك أن السودان عمق مصر الجنوبي، وأن مصر عمق الشمال السوداني.

 

2- إنه سيكون تجربةً ناجحةً لتفتيت الدول العربية، فإذا نجح الانفصال في السودان سيغري أعداء الأمة ويحمسهم أن يعيدوا تجربة سيناريو الانفصال الذي يستتبعه التقسيم في دول عربية أخرى، وفي مقدمتها مصر والجزائر، عن طريق بثِّ الفرقة بين أبناء الشعب الواحد وتغذية النعرات العرقية، أو الدينية، أو الطائفية لنكون أمام حالة من الصراع الداخلي والاقتتال الطائفي (فيما يُعرف بالفوضى الخلاقة)؛ للوصول إلى التدخل الدولي، وفرض سيناريو الانفصال ولا يخفى على عاقل خطورة هذا الجانب على مصر وأمنها القومي.

 

3- هذا الانفصال يُشكِّل خطورةً بالغةً على مصر، ويُعرِّض مواردها المائية الإستراتيجية للخطر، وسيصبح نهر النيل وحصة مصر المائية تتقاذفها أعاصير الخطر والفتن.

 

وهنا أشير إلى دور الكيان الصهيوني منذ عدة سنوات وتغلغلها في دول حوض النيل ودول القرن الإفريقي، وكذا دورها الرئيسي في إحداث الفتنة في السودان، وتغذيتها، ورعايتها للانفصاليين من أجل إحكام السيطرة على الموارد المائية للنيل شريان الحياة لمصر، وإيجاد تهديد حقيقي ومستمر لمصر.

 

الدور المصري

التحرك المصري كان بطيئًا وضعيفًا، وسمح لأطراف دولية أن تكون لها قوة وحضور فعَّال في إدارة الصراع بين الشمال والجنوب في السودان، ويكفي أن اتفاقية نيفاشا لسلام السودان تمت وأنجزت بعيدًا عن الدور المصري.

 

وها هي المباحثات والمفاوضات حول إقليم دارفور تجري هنا وهناك والدور المصري لا يُقارَن بما ينبغي أن يكون عليه.

 

إني أقدر التحرك الإيجابي الأخير للرئيس مبارك حين قام بزيارةٍ تُعَدّ هي الأولى له خلال حكمه- (كانت الزيارة يوم 10/11/2008 ).

 

فماذا أعدَّت الحكومة المصرية للمساهمة في وقف سيناريو الانفصال؟

وما الإجراءات التي تزمع اتخاذها في الفترة المتبقية قبل استفتاء تحديد المصير؟

الوقت يمضي بسرعة والمسرح مُعَدُّ لإنجاح حركة التمرد والانفصال والتقسيم فمتى تتحرك الحكومة المصرية في الوقت المناسب وقبل فوات الأوان؟

-------------

* عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين