فكرة استقلال الصحافة والإعلام فكرة مرنة ومتغيرة عندما نقصد الإعلام العربي؛ لأن الإعلام الأوروبي والأمريكي إعلام خاص وليست هناك وزارات للإعلام لكي تفرض وصاية الدولة على الإعلام حتى يسير في اتجاه ما تراه الدولة، وتنميط فكر المجتمع في نفس الاتجاه؛ ولذلك نشكك كثيرًا من أن يتم قياس استقلال الصحافة والإعلام الرسمي في العالم العربي.
ومن الطبيعي أن ينظر الغرب والمنظمات الأخرى، مثل "الاتحاد الدولي للصحفيين" و"صحفيون بلا حدود" والمنظمات العاملة في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلى الإعلام العربي نظرة تثير الخلاف؛ لأن هذه النظرة نسبية وتنطلق من معايير عامة نشأت بالقياس إلى المعايير الأوروبية، بينما نقطة البداية والمشكلة في العالم العربي هي محاولة الخارج توسيع مجال الحرية التي تسمح بها السلطة للمجتمع من خلال توسيع حرية الفكر والنشر والكتابة والقول، ورغم نبل هذا المقصد إلا أنه يعالج الموضوع معالجة جزئية غير منهجية.
مهمة هذه المقالة هي معالجة هذه الإشكالية على وجه التحديد؛ فقد لاحظت أن الحكومات العربية التي تشتبك دائمًا في منازعات مع بعضها تريد أن تحشد الشعب والإعلام مع موقفها ضد الدول الأخرى، فتؤدي إلى نتيجة سيئة وهي أن في الإعلام بعض العباقرة الذين يظنون أن الإمعان في مهاجمة الدولة الأخرى يعد قربى إلى نظام دولته، بل ادعى بعضهم أنه قمة الوطنية فما دامت الحكومة تعادي دولة عربية أخرى فلا بد أن تشعر الدولة الأخرى بأنها عدو بالنسبة للجميع، وأنه ليس من الأدب أو الوطنية ادعاء البعض للموضوعية والتلطف في مخاطبة الدولة "العدو".
وتكون المشكلة أن حكومة الدولة تقرر تغيير موقفها من الدولة الأخرى فتقع في مأزقين: الأول أن يسارع نفس العباقرة إلى تغيير مفردات الخطاب وفقًا للتعليمات الجديدة بطريقة فجة تسقط كل ادعاء لحرية الصحافة، والمأزق الآخر هو أن شدة العداء الإعلامي يؤدي إلى تقرحات في نفسية الدولة الأخرى؛ مما يجعل المصالحة معها مصالحة شكلية، لأن الخلافات بين الحكومات العربية مألوفة، فكيف يمكن أن نجعلها سطحية أي لا تمس نفسية وتوجهات الشعوب ومصالحها داخل الأسرة العربية الواحدة؟.
من ناحية أخرى، فإن هناك اتجاهًا خطيرًا للتنميط والتعميم داخل بعض الدول التي تتمتع صحافتها المستقلة ببعض الحرية إذا لم تنضم إلى جوقة المهاجمين للدولة العربية الأخرى، فتخصص جزءًا من صفحاتها للهجوم على الكتاب "المارقين غير الوطنيين والعملاء" للدولة العربية الأخرى.
وقد حدث ذلك في مصر عندما وجهت القيادات الصحفية في الصحف القومية إلى مهاجمة هؤلاء "المارقين العملاء" عندما يشتد العداء الرسمي المصري تجاه دول عربية أخرى، ولذلك أصبح واضحًا أن الصحافة الرسمية لا تتمتع بأي استقلال عن السلطة الحكومية ما دامت هي التي تعين هذه القيادات بمعايير لا علاقة لها بالمهنة، فلا بد أن تتوقع منها وفاءً وإخلاصًا بقطع النظر عن أن ذلك سبة في جبين الصحافة في هذا البلد، وأنه في نفس الوقت لا يمكن الدفاع عنه، بل إن ارتفاع نبرة العداء الصحفي الرسمي للدولة العربية الأخرى عن مستوى التوجيه السياسي الرسمي يؤدي إلى نتائج محرجة لا تستطيع الحكومة أن تدافع عنها.
ناهيك عن أن الأقلام المخالفة في الرأي لا تجد لها مكانًا في هذه الصحف الحكومية، فتنلقب إلى نشرات وإلى ساحة للصحافة الهابطة وإلى مدرسة الانحطاط الأخلاقي وبؤرة صديدية تنهش في قيم المجتمع.
والسؤال الكبير هو كيف يمكن الإقرار بدرجة من الموضوعية في التعامل مع الخلافات العربية عندما تكون الدولة العربية طرفًا فيها؛ لأنه من السهل أن تتحدث الصحف الرسمية عن مجمل الخلافات العربية، لكن إذا كانت الدولة طرفًا في هذه الخلافات فإنها تلتزم بالدفاع عن موقف الدولة.
وأذكر أنه عندما وقعت مصر اتفاقية السلام مع الكيان الصهيوني انقسم المجتمع المصري وكذلك الأساتذة في الجامعات، وصار كل أستاذ يرغم تلاميذه على موقفه دون اعتبار لمبادئ التعليم القانوني، بل إن كل معارض للاتفاقية اعتبر خائنًا لوطنه، ومتحالفًا مع معسكر الرفض العربي الذي نقل الجامعة العربية من مقرها الدائم في القاهرة إلى تونس.
إن القضية في ظني لا تتعلق بمدى الاستقلال الذي يمكن أن تتمتع به الصحافة عن الحكومة، ولكن القضية تتعلق بمستوى التخلف الذي تعيشه الدولة، واستحالة الفصل بين الدولة والحكومة أو النظام في العالم العربي، وهذا هو مربط الفرس في جميع المشاكل التي تعانيها المنطقة العربية، وكذلك أساس الارتباك بين نظرة الداخل ونظرة الخارج في العالم العربي إلى قضية حرية الصحافة، خاصة بعد أن سمح للصحفيين الحكوميين بالحرية التامة والتفويض المطلق في تمزيق ملابس المخالفين وتشويه سمعتهم.
وقد لفت نظري أن أحد مراكز دراسات حقوق الإنسان قد تخصص في قياس مستوى العنف في تناول مختلف القضايا في الصحف المصرية، وحبذا لو امتد اختصاصه ليشمل الصحافة العربية فلا فرق مطلقًا بين دولة وأخرى، اللهم إلا في الهامش المحدود الذي يُعطَى لبعض الصحف المستقلة اسمًا والمرتبطة تمويلاً وتوجيهًا، ويوم تصبح الحكومة قابلة للنقد والتقويم وأن يكون ذلك عملاً وطنيًّا لصالح الدولة فإن كل هذه القضايا سوف تجد طريقها إلى الحل في العالم العربي، ولا أظن أن هذا اليوم قريب على الأقل خلال هذا القرن.