تمر علينا هذه الأيام ذكرى عزيزة وكلها شفافية وحنية على ملايين المهنيين في مصر!

فمنذ ثلاثة عشر عامًا بالتمام والكمال، تم تجميد النقابات في مصر، بفرض الحراسة البغيضة عليها، منها ما كان التجميد كليًّا.. مثل نقابة المهندسين والزراعيين، والآخر جزئيًّا.. مثل الأطباء وغيرها.

 

فبعد أن كانت هذه النقابات تقدم خدمات بلا حدود لأعضائها؛ من مشاريع إسكان ورعاية صحية "حقيقية" ومعارض سلع معمرة متميزة، قدمت سلعًا ضروريةً وهامةً لأعضائها بالتقسيط وبأقل نسب مرابحة، كذلك توفير السيارات والأثاث وتجهيز المشروعات الصغيرة للمهندسين، وتجهيز العيادات للأطباء أيضًا بالتقسيط، وعمل ندوات علمية، وورش عمل لقضايا كل مهنة، والعمل على النهوض بالمهنة وأصحابها، خلاف نشاط اجتماعي رائع من ندوات تغطِّي جميع مناحي الجوانب الاجتماعية للأعضاء، واهتمام مميَّز بأبناء الأعضاء في كل مهنة، وكذلك الزوجات التي تم تخصيص لجنة نشاط نسائي لهن، إلى رحلات تجوب محافظات مصر، وكذلك رحلات العمرة والحج، ورحلات للدول الأوروبية، ورحلات لحضور المؤتمرات العلمية خارج مصر، هذا بالإضافة إلى إنشاء نوادٍ اجتماعية نقابية رائدة للأعضاء ومصايف في الإسكندرية ومطروح.

 

ولا ننسى الدور الهامّ والفعَّال الذي حملته النقابات على عاتقها في الجانب السياسي بتبني قضايا بأكملها، وهل ننسى قضية البوسنة والهرسك وقضايا فلسطين وتفاعل النقابات الرائع معها وكذلك ملف العراق، والمجهودات الجبَّارة التي بُذلت في إرسال معونات وجمع تبرعات، بل ووصل الأمر إلى إرسال أطباء ومهندسين للمساهمة في الإعمار وفي تضميد الجراح؟!

 

فجأة.. انقلبت هذه الملحمة في عام 1996م وأُثير تمرير قانون 100 المشبوه للنقابات؛ الذي وضع شروطًا خياليةً وتعجيزيةً لإجراء الانتخابات في أي نقابة، وجعل من رئيس محكمة مسئولاً عن الدعوة لإجراء الانتخابات بدلاً من أعضائها!!.

 

وأفاق المهنيون أعضاء النقابات في طول مصر وعرضها على نقاباتهم، فوجدوها وقد دخلت نفقًا مظلمًا بغيضًا، لم تخرج منه حتى كتابة هذه السطور، فتقبَّلوا الأمر بمنتهى الهدوء، غير أن مجموعة قليلة منهم حاولت وتظاهرت وسعت لاستعادة النقابات من بين أيدي الحراسة البغيضة التي فُرضت عليها، فتكوَّنت هنا وهناك لجان ومجموعات ضد الحراسة ومن أجل التغيير، إلا أن عدد أعضائها كان محدودًا للغاية وإن كان أثرها والضجيج الذي أحدثته يستحق التقدير، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: أين ذهب ملايين الأعضاء النقابيين الذين كانوا ينهلون من خير نقاباتهم ويستفيدون من أنشطتها؟!

 

وهناك مَن كانت النقابة بالنسبة له قضية حياة، ومصدرًا للرزق في معاش توفِّره له، وكان في طور التطوير ومحل دراسات إكتوارية كانت تعد للقفز به عدة مرات، فإذا به بعد الحراسة لا يساوي ولا يكفي طعام أيام، أين ذهبوا؟!

 

يذكِّرني هذا المشهد بفيلم فرنسي كنت شاهدته من فترة، وأعجبتني فيه لقطة لا أستطيع محوها من ذاكرتي، فلقد كان هناك حفل كبير في أحد الفنادق، وكان الدخول بالملابس الرسمية، وكانت هناك فتاة تقف على باب القاعة معها مقص كبير، تقوم بقص رابطة العنق من المنتصف لكل ضيف مدعو للحفل، وكان هناك حالة استسلام من جميع المدعوين، فلم يعترض أحد أو حتى يبدي احتجاجه وامتعاضه، حتى بعد أن تغيَّرت هيئته وأناقته وأصبح "مسخًا"، فما دامت التعليمات بدخول الحفل كذلك فلا حرج!.

 

هذا المشهد التمثيلي ورغم قسوته وجرأته ومباشرته، إلا أنه لا يختلف عما حدث ويحدث لعدة ملايين من أعضاء النقابات، فالتعليمات صدرت بتجميد النقابات وإن كان لفظ "تجميد" لفظًا غير دقيق، فالذي حدث هو تدمير النقابات، ونسف خدماتها ودورها كرافد مهم وداعم فعال لمنظمات المجتمع المدني في مصر، إلا أن رد فعل أصحاب البيت وأصحاب النقابة لم يكن بالقدر المناسب مع عظم الحدث وجلله.

 

فاليوم بعد ثلاثة عشر عامًا تعالوا لنرى ماذا خسر النقابيون بسلبيتهم من ضياع نقاباتهم؟

(1) ضياع موارد النقابات وعدم عمل ميزانيات عامة أو عقد جمعيات عمومية تراقب ما يحدث داخل هذه النقابات.

 

(2) توقف التواصل المهني مع النقابات العالمية المماثلة بعد شطب النقابات المصرية من المنظمات النقابية المحترمة؛ لعدم إجراء انتخابات منذ أكثر من عشر سنوات بها وكنوع من الاحتجاج النقابي الدولي على تجميد العمل النقابي داخل النقابات المصرية.

 

(3) إطلاق يد الدولة في إنشاء العديد من الجامعات الخاصة والمعاهد العليا وضم الخرِّيجين منها للنقابات المختلفة أدى إلى دخول آلاف العاطلين إلى سوق العمل؛ لعدم وجود نقابات حقيقية تدافع عن المهنة وعن حال سوق العمل بالنسبة لها، بل وعن طبيعة المنتسبين الجدد ومؤهلاتهم.

 

(4) لا أبالغ إن قلت إن أكبر ضرر قد وقع نتيجة تخريب النقابات وتجميدها قد انصبَّ على الخرِّيجين الجدد، فهناك عقد كامل من الزمن لا يعرف خرِّيجوه معنى كلمة "نقابة"، ولم يجدوا من يقف معهم في بداية ومقتبل حياتهم المهنية؟

 

(5) توقف معاشات النقابيين كما أسلفت من ثلاث عشرة سنة؛ بحيث أصبحت رقمًا من باب التندُّر وليس من باب المساعدة في توفير حياة لائقة لنقابي أفنى حياته في خدمة الوطن.

 

(6) توقف تام وشلل كامل لجميع اللجان النقابية والأنشطة المتنوعة، وما نسمعه من أنشطة تقوم بها بعض النقابات المفروض عليها الحراسة لا يغفل على عاقل ما الغرض الحقيقي والوحيد منها، في ظل عدم وجود رقابة الجمعية العمومية على الأنشطة المختلفة..

 

(7) أهم ضرر وقع من وجهة نظري هو الضرر الذي وقع على مصر، وهو تمرير عشرات المشاريع الوهمية، ومنها مشروع توشكى، دون تدخل الصوت والرأي الوطني والشعبي ممثلاً في النقابات، وكذلك خصخصة الشركات وبيعها وبيع مشاريع عملاقة دون وجود للنقابات تمثل الرأي الآخر.

 

(8) انتشار غول البطالة بين جميع شباب المهنيين، دون وجود من يفكر لهم أو يتبنَّى حلولاً جادةً من أجلهم.

 

(9) توقف الخدمات بمختلف أنواعها لجميع أعضاء النقابات في وقت هم في حاجة ضرورية لأي خدمة تقدَّم إليهم وتخفف عنهم نتيجة الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد.

 

(10) العقول المقيدة لا تبدع، فكيف نبحث عن مبدعين ومخترعين ومفكرين والنقابات التي كانت تمثل لهم حضانات قد أُغلقت بالشمع الأحمر؟!

 

وتبقى كلمة.. هل من أجل إقصاء التيار الإسلامي- ممثلاً في أعضاء مجالس النقابات المنتمين للإخوان المسلمين- يتم تدمير وتجميد عشرات النقابات الحيوية في مصر؛ التي تضم في عضويتها الملايين؟ وإلى متى؟ ألا يكفي عقاب ثلاثة عشر عامًا؟! وما هو المطلوب حتى تعود النقابات لدورها الرائد والفعَّال في الحياة المصرية؟!

 

وأهمس في أذن جميع المهنيين.. الحقوق لا تُطلب ولكن تُنتزَع، وهناك من يراهن على سلبيتك وضعفك وعدم اهتمامك، فلا تقف صامتًا هكذا، تحرَّك وابحث عن نقابتك، واسعَ لاستعادتها ولو بكلمة، فإيجابيتك تصنع نقابتك.