تشهد العلاقات الإيرانية مع بعض الدول العربية عددًا من الأزمات، كما تشهد مع بعضها الآخر عددًا من التقلُّبات؛ بحيث لا يمكن القول أن هناك أزمة في العلاقات الإيرانية العربية ما دام العالم العربي لا يتفق على موقف واحد في مواجهة إيران.
وقبل تحليل هذه الفرضية يجب أن نشير إلى عدد من الحقائق الهامة لمثل هذا التحليل:
الحقيقة الأولى
أن إيران جزءٌ من تركيب المنطقة الثقافي والاجتماعي، وأن صورتها في المنطقة العربية تأرجحت حسب بعض التطورات، سواءٌ في المنطقة العربية أو في إيران، ففي أيام المدِّ القومي العربي المناهض للهيمنة والانتقاص من الحقوق العربية كان هذا المدُّ موجَّهًا ضد الغرب وإسرائيل والدول المتحالفة معهما، وخاصةً إيران وبشكل أخص؛ لأن لإيران وجودًا تاريخيًّا في منطقة الخليج، ويفترض أن المد القومي يحافظ على الجسد العربي في مواجهة نقاط التماس غير العربية.
وهكذا كان العداء من جانب هذا المد القومي تقليديًّا ضد إيران وتركيا، ولكن لم يكن العالم العربي ينظر إلى إيران على أنها دولة شيعية؛ لأن المدَّ القومي كان يتسامح مع جميع التيارات الدينية والعرقية حتى يستوعب فكرة الوحدة العربية، ولكن عندما تولَّى السادات حكم مصر وتقارب مع الولايات المتحدة انتهى التناقض بين المد القومي- الذي ضُرِبَ عام 1967م- وبين إيران بشكلها السابق.
الحقيقة الثانية
أن الثورة الإسلامية في إيران ومواجهة الولايات المتحدة لها ودخول العالم العربي في تحالف مع واشنطن، قد خلقت حاجزًا نفسيًّا بين الدول العربية الحليفة لواشنطن وبين إيران، ولكن هذا الحاجز لم يرتفع إلى درجة العداء لإيران.
ولا شك أن الدعاية الأمريكية ضد الثورة الإسلامية في إيران قد أسهمت في توتر العلاقات بين إيران وبعض الدول الإسلامية العربية، مثل تونس وغيرها.
الحقيقة الثالثة
أن غياب العالم العربي- حتى عن قضاياه العربية في العراق وفلسطين ولبنان وفي مواجهة إسرائيل- قد دفع إيران وتركيا إلى ملء الفراغ، كلٌّ بأجندته الخاصة؛ مما أدَّى إلى الاحتكاك الذي نشهده اليوم بين بعض الدول العربية وإيران، مع ملاحظة أنه رغم تقدم تركيا هي الأخرى على حساب العالم العربي ولصالح القضايا العربية أيضًا؛ إلا أن الاحتكاك ظل قاصرًا على إيران وليس تركيا.
الحقيقة الرابعة
أن إيران تسعى لامتلاك وسائل القوة اللازمة لقوة إقليمية كبيرة، لها أوراق قوة في الإقليم وفي سياسات العالم، ويمكن القول أن إيران تمتلك اليوم أوراقًا في هذا القوس الواسع من أفغانستان حتى فلسطين، مرورًا بباكستان، وعلاقات وثيقة مع الصين والهند وروسيا ثم لبنان وفي فلسطين مرورًا بالعراق، وهذا هو الذي رشَّحها للتفاوض مع واشنطن لترتيب الأوضاع في المنطقة في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة.
أما الدول التي يقع الاحتكاك بينها وبين إيران بشكل ظاهر فهي مصر والسعودية والمغرب؛ التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية بإيران، وتطارد ما تسمِّيه حركة التشيُّع في المغرب التي تراها مناقضةً للعقيدة السياسية والدينية للشعب المغربي، رغم أن الدولة الفاطمية الشيعية بدأت من المغرب واستقرت في مصر، وشيَّدت القاهرة والأزهر، ولكن المذهب الشيعي لم يلقَ رواجًا منذ القرن العاشر الميلادي حتى الآن في المنطقة العربية، وأن مساندة إيران للقضايا العربية- في ظل الغياب العربي- وصلابتها في مواجهة الولايات المتحدة في ظل التخاذل العربي، وتصدي حزب الله بقوة لإسرائيل في ظل التقهقر العربي.. رسم صورةً مثاليةً لإيران عند الرأي العام العربي، وتمنَّى أن يكون موقف الحكومات العربية من نفس النوع من الصمود والجسارة.
وربما ظن البعض أن تلك من خصائص المذهب الشيعي، خاصةً أن المواطن العربي متسامح بالنسبة للمذاهب الإسلامية، ولا يرى فرقًا بين المذهب المالكي أو الحنفي أو الشافعي أو الحنبلي، ويظن أن المذهب الشيعي هو أحد هذه المدارس، وأنه إذا كان المذهب الشيعي يعني التشيُّع لآل البيت فإن كل المسلمين متشيِّعون، وأنه لم يقُل أحد أن هناك علاقةً تاريخيةً بين إيران وآل البيت، وأن الرموز التي يقدِّرها الشيعة هي رموز محلّ احترام كل المسلمين.
من ناحية أخرى فإن المواطن العربي لا يفهم الفرق بين السنة والشيعة؛ طالما أن السنة هي الالتزام بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وأن الشيعة هي التشيُّع لآل البيت، فالمسلم شيعي وسني في وقت واحد، ولا يفهم المواطن العربي تلك التخريجات السياسية التي تأتي بها بعض التفسيرات الحكومية لاعتبارات سياسية، أو تلك التي يتبرَّع بها بعض فقهاء الشيعة والسنة وتُستغل في المعركة السياسية، وإلا ألم تكن إيران شيعيةً في عهد الشاه؛ فلماذا لم يقُل أحد بهذا الفرق الواسع بين عالم الشيعة وعالم السنة؟!، وهل مجرد إعلان الشاه أن إيران دولة علمانية- بينما تعلن الجمهورية الإسلامية أن نظامها إسلامي شيعي- هو الذي أدى إلى هذه المعركة المصطنعة؟ وما هو موقف هذه الدول العربية من قضية الشيعة إذا تم التوافق الإيراني الأمريكي، وصدرت الأضواء الخضراء من واشنطن للتقليل من أهمية هذه المصطلحات؟!
أما العلاقات بين مصر وإيران فهو ملف عرف التذبذب إلى أدنى درجات التدهور وإلى أعلى درجات الرضى والانسجام، بل إن بعض المسئولين في مصر يطلق التصريحات في الاتجاهين في أيام متعاقبة، ولذلك فإن هذا الملف له أوضاع خاصة، لا يمكن القول في ضوئها بأن موقف مصر نهائي من إيران.
وكذلك الموقف السعودي، وهو الأكثر توازنًا، في ظل وجود علاقات سعودية إيرانية وحوار إستراتيجي بين البلدين، وإدراك السعودية وزن إيران في المنطقة بشكل مباشر؛ لأنها تُواجَه معها مباشرةً في الخليج.
خلاصة القول أنه لا توجد أزمة في العلاقات الإيرانية العربية، وأن القلق من تزايد نفوذ إيران لا يمكن إزالته بمجرد التصريحات المعادية لإيران، وإنما يتم ترجمة هذا القلق من إيران ومن غيرها من الدول الإقليمية عن طريق امتلاك أوراق القوة، وظهور العالم العربي كلاعب رئيسي في الملفات الإقليمية، أما المسلك الحالي من الجانب العربي فإنه لا يليق بدول تدرك مبادئ العلاقات الدولية الصحيحة.