لست من الذين يعلقون الآمال الكبيرة على القمم العربية التي إذا حان موعدها لا تنعقد بإجماع أعضائها، وإذ انعقدت لا تصدر قرارات تُعبِّر عن الحدِّ الأدنى من تطلعات الشعوب، وإذا قررت لا تنشئ الآلياتِ المناسبة للتنفيذ، وإذا أنشأت هذه الآليات فلا تسعى إلى تشغيلها أو وضعها موضع الفعل.

 

وفي الوقت ذاته لستُ من دعاةِ اليأس من هذه القمم؛ لأن في يأس الشعوب من أنظمتها ما يعفي الأنظمة من الالتزام بالحدِّ الأدنى من المسئوليات تجاه قضايا الأمة، وما يدفع المواطنين إلى مهاوي التطرف الذي هو الوجه الآخر للتفريط طالما اتخذ من الخطاب المتطرف ذريعة للاندفاع بالاتجاه الآخر باسم "واقعية" كانت أقصر الطرق "للوقوع" في مخططات الأعداء.

 

لكن ما يجعلنا اليوم نخاطب القمة العربية الحادية والعشرين التي تنعقد غدًا الإثنين في الدوحة، هو شعورنا بأن جملة تطورات مهمة حاصلة تشكل فرصة لمَن رهن قراره للإملاءات الخارجية أن يتحرر، ولمن كان متحررًا نسبيًّا أن يجاهر بتحرره ويسير به قدمًا، ومن كان بين بين أن يمتلك قدرًا أكبر من الشجاعة لينحاز إلى حيث يريد منه شعبه أن يكون.

 

فالعلاقات الدولية بعد التطورات الإستراتيجية أصبحت أكثر توازنًا، والاستقطاب العالمي بات أكثر تعددًا، والقطبية الأحادية لم تعد أحادية، ولم تعد مهيمنة.

 

والمقاومة العربية في كل ساحاتها، لم تعد مجرد بؤرة محصورة يمكن تصفيتها، أو حالة معزولة يمكن إحكام الحصار عليها، أو مجموعات محدودة يسهل الإجهاز عليها، بل باتت رقمًا صعبًا في معادلة السياسة الإقليمية والدولية، وحقيقة فاعلة تحفر تداعياتها كل يوم في موازين القوى، وقد أخذت تتراجع أمام موازين الإرادة.

 

والمجتمع الصهيوني يشهر كل يوم تطرفه بوجه العالم كله، كما بوجه كل الذين راهنوا أو يراهنون على إنجاز "تسوية سلمية" له، بل إنه كلّما دخل مرحلة اليأس من السيطرة المطلقة على المنطقة، ازداد تطرفه واندفاعه في مغامرات غير محسوبة تشير إلى أننا أمام كيان عنصري إرهابي يخشى الحرب كما يخشى السلام.

 

والمصالحات العربية- العربية على هشاشتها تبقى مهددةً من قوى محلية وإقليمية ودولية متضررة من استكمالها، وخصوصًا من نجاحها في إطلاق نظام إقليمي عربي يعرف كيف يتفاعل مع دول الجوار الحضاري، كما يعرف كيف يستقل بقراره عمن استهان باستقلالنا واستسهل فرض الإملاءات علينا.

 

في ظلِّ هذه الظروف، كما التحديات، يبقى السؤال الواقعي المطروح أمام قمة الدوحة هو: هل تكون هذه القمة خطوة نحو استقلال القرار العربي، ونحو بناء مشروع صمود عربي هو وحده القادر على ملء الفراغ الرهيب الراهن الذي يغري القريب والبعيد بالتقدم لملئه؟.

 

وحين تجري مناقشة القضايا العربية الكبرى في فلسطين والعراق ولبنان والسودان والصومال، ويجري إنجاز المصالحات العربية المطلوبة، والتفاهمات العربية- الإسلامية الضرورية، والمشاركات الشعبية في القرارات المصيرية، تكون الأمة قد بدأت بالفعل رحلة الاستقلال الحقيقي، الذي هو ضمانة استقلالات الأقطار وهي تهتز، ورحلة صون الأمن القومي الحقيقي الذي وحده يصون أمن الكيانات المهدد بألف خطر وخطر، ورحلة بناء التنمية الحقيقية التي وحدها تواجه التعثر الذي يحاصر اقتصادات دولنا الغنية والفقيرة على حدٍّ سواء.

 

فهل تحمل قمّة الدوحة روح قمم استثنائية في حياة الأمة، كقمة الخرطوم عام 1967م، والتي يبدو أن السودان ما زال يدفع "ثمنها" منذ ذلك الحين.

نأمل أن يكون لتفاؤلنا بعض الحظ في النجاح.