غيَّرت فكرة هذا المقال الأسبوعي عدة مرات، فكَّرت أن أكتب عن المصالحة العربية قبل القمة المتوقَّعة اليوم في قطر، وفكَّرت أن أكتب عن ذكرى 30 سنة عن "كامب ديفيد" و"معاهدة السلام"؛ حيث مرَّت بنا ذكراها منذ أيام، وفكَّرت أن أكتب عن الغارة الصهيونية على القافلة مختلطة الجنسيات في شرق السودان؛ التي ما زال يلفُّها الغموض، إلا أن "أولمرت" صرَّح بأن يد "العدو" طولى وقادرة، وقوة الردع الصهيوني ما زالت تعمل بكفاءة.
وفكَّرت أن أهرب من هذا كله إلى "الجمعية العمومية لنقابة أطباء مصر" وهموم الأطباء التي فرضت نفسها؛ حيث تحاصرنا الحكومة والوزارة، فلا هي قبلت بقانون "الكادر" في ظل صعوبات كادر المعلمين وكادر أساتذة الجامعات وكادر القضاة، (ولا يتمتع بالكادر فقط إلا الجهات السيادية الجيش والبوليس لأسباب سيادية)، بينما أصحاب "الكادر" الآخرون ممن سبق ذكرهم جميعًا يعانون رغم "الكادر"، ولا هي تركت الأطباء في عياداتهم الخاصة أو المشتركة أو مستشفياتهم المتواضعة، يكسبون لقمة عيشهم في أمن، بل تطاردهم بالقرارات الوزارية والتفتيش المتعنِّت من إدارة العلاج الحر والمطالبة بتوفير إمكانيات بالغة التطور، لا تحتاجها العيادات ولا المراكز الطبية ولا المستشفيات المتواضعة، بينما هي أصلاً غير متوفرة في المستشفيات الحكومية المجاورة، ولا يجد أطباء مصر فرصةً متاحةً للعمل بالخارج، فإذا ذهبوا إلى السعودية ارتعدوا خوفًا من العقوبات التي يرونها على شاشات الفضائيات لزملاء لهم سبقوهم، حالات معدودة لا يمكن ذكرها في إحصائيات علمية قياسًا بآلاف الزملاء الآمنين، لكنها تبعث رغم ندرتها، الرعب في القلوب خشية أن يكون نصيبه وقدره مثل هؤلاء، فأين يذهب الأطباء؟!
أخيرًا استقر أمري على أن أوجِّه برقيةً إلى القادة الذين وفدوا إلى "الدوحة" للمشاركة في "القمة العادية"، ولعلهم الآن يندمون أشدَّ الندم على قرارهم جعْلَها "عادية"، وهي أيضًا- أي البرقية- إلى القادة الذين لن يحضروا الأعذار المختلفة أو خوفًا من الاعتقال أو خشية الحضور مع "متَّهم" قد يُدان في المحكمة الجنائية الدولية ذعرًا من تهمة قد يوجهها لهم المدعي العام "البعبع أوكامبو"، مثل "عَلِمَ ولم يبلغ" أو "تستر على مجرم" أو "مساعدة متهم على الهرب من العدالة" أو أي جريمة أخرى لن يصعب على السيد "أوكامبو" العثور عليها فلديه الكثير والكثير.
برقيتي لهم تتضمن اقتراحًا وحيدًا، أدعو إلى جعل القمة كلها في جلستيها تدور حوله: "ماذا عن العرب والفلسطينيين والقضية الفلسطينية بعد 30 سنة على أول معاهدة سلام منفردة مع العدو الصهيوني؟" ويا ليتها كانت منفردةً كمصر بل كانت قرارًا فرديًّا من الرئيس السادات ضد آراء كل الوفد باستثناء بطرس غالي.
ويتفرع عن ذلك أسئلة عديدة يمكن أن يحيلها القادة إلى لجان فرعية أو وزراء متخصصين:
ألا يلفت انتباه القادة أن الذي يحتفل هذا العام بالاتفاقية هو "العدو الصهيوني"، بينما ألغت مصر الاحتفالات الرسمية بهذه الاتفاقية؟!
ألا يلفت انتباه الزعماء تحليلات الصحف الصهيونية وتصريحات القادة الصهاينة؛ التي لا ينفيها أحد منهم، والتي تفيد بأن "العرب والصهاينة" أصبحوا في خندق واحد تجمعهم مصالح واحدة ضد الحركات الإسلامية، وحركات المقاومة، وإيران؟!
ألا يلفت انتباه الحكام العرب أنه في حين توقف العرب- بقيادة مصر- عن الحروب أو الاستعداد للحروب رغم بقاء أسباب الحرب الدفاعية كما هي، فالأرض العربية محتلة، والأجواء العربية مستباحة، والموارد العربية مستنزفة من مياه وثروات، والشعب العربي تحت الاحتلال والقهر والظلم والبغي الصهيوني والأمريكي.. في هذا الوقت الذي توقَّف فيه العرب عن الحروب شنَّ العدو الصهيوني حروبًا عديدةً ضد العراق ولبنان والسودان، وطبعًا فلسطين التي شهدت آخر الحروب الهمجية البربرية، والصمت الرهيب يلفُّ مصر والسعودية وسوريا وكل العواصم العربية، إلا أصوات الإدانة المعتادة!! بل بات هناك اتهام معلَّق على رءوس البعض منهم بالتواطؤ مع العدوان الأخير على فلسطين وما قبله على لبنان؟!
ألا يلفت انتباه المؤتمرين في الدوحة الغارة الأخيرة للطائرات الحربية الصهيونية على شرق السودان؛ التي راح ضحيتها مواطنون عرب وأفارقة، يتراوح عددهم ما بين 40 كما قالت (الشروق) التي حققت انفرادًا صحفيًّا وسبقًا عالميًّا بنشرها أنباء الغارة، ويا لحسرة القاعدين في المكاتب المكيفة في الصحف القومية وصحف لجنة السياسات، وخيبتهم القوية، وغياب غيرتهم المهنية، وتجلِّي حقدهم الدفين على الصحف المستقلة، وتقول مصادر أخرى إن العدو قد يصل إلى 800 ضحية وشهيد؟!!
هي هدية العدو للقادة العرب ومن يلحق بهم من أمناء الهيئات الإقليمية (كالجامعة العربية) أو الدولية (كالأمم المتحدة) أو النوعية (كمنظمة المؤتمر الإسلامي)، وهي هدية أو رسالة أيضًا لرئيس إيران إذا دعته قطر وقبل الدعوة وحضر القمة كمراقب كما حضر القمة الطارئة السابقة؛ إذا لم يستجب لنصيحة خادم الحرمين بعدم الحضور.
رسالة واضحة.. أن الكيان الصهيوني فوق الجميع، وفوق القانون الدولي، وفوق كل المعاهدات والاتفاقيات، وفوق "أوكامبو" الذي يخرج علينا كل يوم وليلة في الفضائيات، يُنذر بالويل والثبور وعظائم الأمور، لكن ضد "البشير" المسكين وليس ضد "باراك" (ليس أوباما بل إيهود باراك)، ويتحجَّج كل مرة أنه لم يشتكِ إليه أحد ولم يتقدم إنسان ولا زعيم ولا حكومة بشكوى، وعندما صدر تقرير "هيومان رايتس ووتش" و"العفو الدولية" ومنظمات صهيونية، ابتلع لسانه وقال متحجِّجًا: "اذهبوا إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة فإنها هي المختصة"!.
في ذكرى "معاهدة السلام" نتذكَّر كيف ولدت تلك المعاهدة أولادًا لقطاءَ وبناتٍ حرامًا مثل "أوسلو" و"وادي عربة" و"المبادرة العربية" وولدت اتفاقياتٍ أخرى مثل "الكويز" و"تصدير الغاز" و"فتح سفارة في موريتانيا"، و"فتح مكتب تجاري في قطر".. وما خفي كان أعظم!.
ماذا استفادت مصر من المعاهدة؟ وما الذي استفاده المهرولون وراء مصر؟ وما الذي حققه المعارضون لمصر؟ وما الذي حدث لمسيرة السلام؟ هل ما زالت تسير أو هل سارت بالفعل خطوةً واحدةً؟ أم تراوح مكانها؟ أم أنها تسير للخلف؟ ولماذا اتجه صدام لحروب غريبة شرقًا لمدة 8 سنوات ضد إيران التي أعطت السفارة الصهيونية في طهران لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقطعت علاقتها مع العدو، ثم دخلت في مواجهة مستمرة حتى الآن مع الراعي الرسمي للعدو (أمريكا)، ثم اتجه جنوبًا ضد الكويت ليدمِّرَ العراق ويدمِّرَ الوحدة العربية ويُجهِزَ على القومية العربية ويحوِّلَ العرب إلى أضحوكة بين الأمم والشعوب؟ ولماذا موَّل الخليجيون حربه الأولى بمليارات الدولارات ثم موَّلوا الحرب الأمريكية على العراق بمليارات أخرى؟
هذه أسئلة أقترح أن يتصارحوا حولها قبل أن يتصالحوا عليها؟!
ضاعت فرصة المصالحة العربية قبل انعقاد القمة، وقد تم إعلان عدم حضور الرئيس مبارك، وسيتدنَّى تمثيل مصر إلى مستوى وزير دولة وليس وزراء ولا وزير خارجية، وسيحضر في الغالب الملك السعودي؛ لأن مصلحة الخليج في حضوره، ولن يحضر البشير لأنه حقق هدفه في تحدي قرار المحكمة الجنائية 3 مرات.
لن تستطيع القمة فعل شيء جادّ بخصوص القضايا الرئيسية التي تواجه الأمة العربية:
- الأزمة الاقتصادية ستطحن الجميع وهم في غيبوبة، ولا يهمهم أمر الشعوب طالما أن مخصصات الأمن في أمان.
- والسعودية تمثِّل نفسها وليس العرب في لقاء قمة "العشرين" الدولية.
- المحكمة الدولية في اغتيال الحريري مستمرة، وقد تهدِّد النظام السوري إلا إذا تمَّت صفقة كبرى بخصوص "المفاوضات والسلام مع العدو".
- المحكمة الجنائية الدولية واعتقال البشير باتت مسألة وقت، فلا تأجيل من مجلس الأمن، ولا إفلات من السيف المسلَّط على رؤوس الزعماء العرب؛ لأن المقصود ليس البشير ولا السودان، بل هو درس للجميع "علِّمني رأس الذئب الطائر"، ولعل في الاعتداء الإجرامي الذي لم تتبيَّنْ ملامحه حتى الآن درسًا بليغًا؛ أنه لا حق إذا لم تحمِهِ قوة.
- الموريتانيون.. سيحضر الحاكم العسكري، وقد فشلت وساطة القذافي، وتدخَّلت السنغال على الخط بعد فشل العرب.
- إيران.. ستكون الغائب الحاضر، حتى إذا لم يحضر رئيسها بجسده، ولتخفيف الضغط عن المحور الأمريكي الظاهر فإن الخلاف حول كيفية التعامل معها سيظل يقسِّم العرب، ولن يفلحوا في الوصول إلى آلية لإدارة الخلاف لأنهم لم يتعلموا ذلك، ولم يتدربوا عليه، ولا يقبلون أصلاً أن يخالفهم أحد.
- الرئيس الفلسطيني.. سيظل حتى اللحظة الأخيرة حائرًا، هل يحضر أو لا؟ خاصةً بعد فضيحة قمة غزة الطارئة، وإذا حضر فسيحضر دون تحقيق اختراق في المصالحة الفلسطينية ولا المفاوضات مع العدو؛ لأن قرار المنظمة وقرار فتح أصبح بيد الإدارة الأمريكية والحكومة الصهيونية؛ التي لم تحلف اليمين بعد!!.
إذا لم يراجع القادة العرب في القمة العادية مسيرة 30 سنة في العلاقة مع العدو؛ فما هي فائدة حضورهم وسفرهم وشغل الإعلام بخناقاتهم وخلافاتهم؟!
هوامش
فشل "تليين" حماس
قام السيد عمر سليمان بزيارة إلى واشنطن للحصول على موافقة أمريكية على حكومة فلسطينية، تضم وزراء من حماس أو قريبين منها، وبرنامجها مثل برنامج آخر حكومة شرعية، وأسأل نفسي إذا وجَّه وكيل المخابرات الأمريكية أو الضابط المسئول عن الملف سؤالاً للسيد عمر سليمان: لماذا تنصحوننا بقبول ذلك وأنتم لا تقبلون مجرد الحوار مع الإخوان؟ بماذا يرد السيد عمر سليمان؟!
وقام وكيل المخابرات المصرية اللواء عمر القناوي بزيارة أخرى إلى دمشق للقاء خالد مشعل بعد أن تعذَّر حضوره إلى القاهرة كطلب استدعاء، كما يحدث في مصر مع السياسيين، هل يدرك السادة الكرام ذوو الحس الوطني العالي في المخابرات المصرية أن ما يقوم به إعلام أمن الدولة في مصر هو تدميرٌ لكل الجهود التي يبذلونها لتأمين الأمن القومي لمصر؟!
مطلوب تصريح واضح ومبيَّن عن مصدر الخطر الحقيقي على الأمن القومي المصري؛ هل هو العدو الصهيوني أم الشعب المصري والإخوان المسلمون؟!
المرشد وقراره القديم
عندما تولَّى الأستاذ محمد مهدي عاكف مهام مرشد الإخوان في يناير 2004م بعد الوفاة المفاجئة للمستشار الهضيبي عليه رحمة الله؛ أعلن أنه لن يبقى في موقعه إلا فترةً واحدةً، رغم أن اللائحة تتيح إعادة انتخابه.. لماذا يتجدد الحديث الآن عن ذلك القرار؟ ولماذا يتم تحريف حديثه بأنه تقاعد؟ الإخوان لن تحدث لديهم بلبلة ولا اضطراب؛ لأنهم جماعة تجتهد أن تعمل بمؤسسية وخطط طويلة المدى وتُدير شئونها عبر سلسلة أهداف مرسومة الخطوات.
هل هي رسالة إلى المعنيِّين أن المرشد القادم قد يأتي من خارج مصر؟
من الذي يخسر إذا حدث ذلك.. الإخوان أم مصر نفسها؟
مصر في عيون العالم ليست مصر الحزب الوطني، بل هي مصر الأزهر الشريف والإخوان المسلمين، كما هي مصر التي ازدهرت فيها الثقافة والفنون والجامعات والنشر والكتاب قبل عهد الحزب الوطني.