الصورة غير متاحة

 فكري الأدهم

ليس هناك شك في أن مخاطر عظيمة قد تمس الأمن القومي المصري لو ظل حكم المحكمة الجنائية مسلَّطًا على رقبة البشير، وانتهى الأمر إلى تحقيق الهدف الأمريكي والغربي وأثار الفوضى في السودان، ومن ثم تفتيته وإعادة فك وتركيب أقاليمه وفقًا للمصالح الإستراتيجية الغربية والصهيونية.

 

كيف يتأثر الأمن القومي المصري؟

يبدو أن هناك وجهتَي نظر مصريتَين داخلتين مع الخرطوم وأزمة المحكمة الجنائية!.

أولاً: التي تتبنَّاها أجهزة الأمن القومي والتي تدفع باتجاه الوقوف بجانب السودان ووحدته، ولعلها سعت في زيارة الرئيس مبارك الأولى لجنوب السودان نوفمبر 2008م لتحقيق أجواء الاحتفال بين الشمال والجنوب حينئذٍ.

 

وهي أيضًا التي شجَّعت مشاركة مصر في القوة الدولية والإفريقية بدارفور؛ حيث أرسلت 1200 جندي، وهذه الرؤية تنظر لمساندة السودان على أنه أمن قومي مصري؛ لأن السودان هو الناحية الخلفية والبوابة الجنوبية لحماية الأمن المصري.

 

ثانيًا: والتي يتبنَّاها رموز الحرس الجديد في الحزب الوطني ووزراء الخارجية، والتي تنظر إلى الأزمة نظرة براجماتيةً (نفعية) من حيث مدى تأثيرها على العلاقات المصرية مع الغرب، وخصوصًا واشنطن، لحدِّ التلميح أحيانًا بأن تتعامل مع هذا الملف كمجرد وسيط محايد.

 

وظهرت نتيجة هذه النظرة البراجماتية في التعامل مع مشكلة دارفور بترك الملف في أيدي دول أخرى مثل ليبيا، الاتحاد الإفريقي، وقطر.

 

إن أزمة قرار المحكمة الجنائية باعتقال البشير لا علاقة لها بشخص البشير، وإنما بالوطن السوداني الأم لفك وتركيب أقاليمه.

 

كيف يمكن أن يؤثر اعتقال البشير على الأمن المصري؟

يمكن الإشارة إلى الآثار السلبية على مصر من تفتيت السودان من خلال النواحي التالية:

مياه النيل والسد العالي.

أمن البحر الأحمر.

تهديد أمن الحدود الجنوبية المصرية.

 

آثار مشكلة دارفور على مصر

1- تعد دارفور ضمن منطقة غرب إفريقيا التي تمد الغرب بالنفط (تمد أمريكا حاليًّا بـ22% من صادراتها)، وهناك مخططات أمريكية أوروبية تهدف إلى إقامة دولة منفصلة في غرب السودان تخضع إلى قبيلة الزغاوي؛ التي تقود حركة التمرد في إقليم دارفور، وإنشاء قاعدة عسكرية تحمي خطوط أنابيب النفط؛ التي يجري بالفعل مدُّها في غرب إفريقيا عبر المحيط الأطلنطي إلى أمريكا بدون المرور في مضايق أو ممرات بحرية تعرِّضها للخطر والسيطرة الغربية والدولية والزغاوية، سيكون لها فيما يجري في الدول العربية المحيطة، وخصوصًا مصر والسودان وليبيا.

 

2- في حال تحقيق سيناريو التدخل في السودان سيكون الوضع تمامًا كما تم في العراق، خاصةً أن الغرب وأمريكا يدرسون فكرة حظر الطيران فوق دارفور والتدخل الدولي بعد طرد بعض منظمات الألمان، هنا سيكون على حساب حصار وتطويق الدول العربية وعلى رأسها مصر وإشعال مناطقها الحدودية.

 

3- ظهرت خطورة هذه المنطقة الحدودية السودانية الشمالية الغربية على الأمن القومي المصري، عندما أثيرت أزمة خطف 11 من السياح الرهائن الغربيين جنوب مصر في سبتمبر 2008م ونقل المخطوفين عبر السودان- ليبيا- تشاد وما تردد عن أنهم من دارفور وتشاد.

 

ولما تفجرت الأوضاع في دارفور أدركنا أثر الفوضى، ليس على السياحة واقتصاد مصر، وإنما على أمن مصر عمومًا.

 

4- شمال السودان الذي يعد نقطة التماس المباشر مع الحدود المصرية بدأت تظهر فيه بعض الحركات النوبية الانتفاضية المناهضة لكل من مصر والسودان، مثل حركة (كوش) نسبةً للحضارة النوبية الكوشية القديمة، وهي حركة تسعى لإقامة دولة نوبية في مصر والسودان وتطلب استقلال النوبة عنهما.

 

5- تشكِّل الإضرابات خطرًا آخر، يتمثل في تهجير السكان لمناطق أخرى لاتجاه المنطقة الحدودية الغربية تجاه تشاد، وربما تجاه جنوب غرب مصر في المنطقة الغربية الصحراوية.

 

وقد تمَّ تسريب وجهة نظر تؤيد هذا التصور في مجلة (المصور) في نوفمبر 2007 في مقال عبد القادر شعيب رئيس التحرير؛ التي حذَّر فيها مما اعتبره "خطة إسرائيلية خاصة تنفَّذ في دارفور بمساعدة أمريكا، لا تنفصل عن خطتها الأخرى في جنوب السودان، تستهدف تطويق مصر وعزلها عن الجنوب وتهديد أمنها الوطني، وخاصةً أمنها المائي وإضعاف تأثيرها في منطقة القرن الإفريقي".

 

ومن ضمن ما قيَّد مصر وأمنها القومي حسب سيناريو الفوضى والتفتيت في السودان احتمالات السيطرة على أمن البحر الأحمر، خصوصًا في ظل وجود حركات تمرد سودانية في الشرق قد تنفصل بالمنفذ البحري (بور سودان).