أثار خطاب الرئيس الأمريكي بارك أوباما دهشة الكثيرين من اللغة الناعمة الودودة للخطاب، فهو يتحدث بلغة لم يعتَدْ عليها الشعب الإيراني من رئيس أمريكي من قبل، فقد قال على سبيل المثال: "أود التحدث بشكل خاص مباشرةً إلى (الشعب) و(القادة) في جمهورية إيران الإسلامية.. النيروز هو جزء من ثقافتكم العظيمة والجليلة، وعلى مدى قرون أسهمت موسيقاكم وأدبكم وإبداعكم في جعل العالم مكانًا أفضل وأجمل، هنا في الولايات المتحدة ساعدت مساهمات الإيرانيين الأمريكيين في تعزيز مجتمعاتنا، نعلم أنكم تملكون حضارةً عظيمةً، كما اكتسبت إنجازاتكم احترام الولايات المتحدة والعالم" انتهى.

 

لقد تعوَّد الإيرانيون على لغة التهديد والوعيد البوشية؛ حيث جعل من إيران محور الشر في العالم! ولكن هل تغيير لغة الخطاب يعني بالضرورة تغيير الأداء على الأرض؟!

 

حقيقةً لا أعتقد ذلك، فالسياسة الأمريكية عصيَّةٌ على التغيير، ومهما يذهب بنا حسن الظن فعلينا إدراك أن أمريكا تحكمها مؤسسات وجماعات ضغط، تمتلك نفوذًا هائلاً تتحكَّم به في توجهات السياسة الأمريكية منذ زمن بعيد، لذلك علينا ألا نعوِّل كثيرًا على (النعومة)  الأوبامية تجاه إيران، وتصريحات أوباما وإدارته بالغة السوء تجاه القضية الفلسطينية تعزز هذا الرأي.

 

وعلى افتراض أن أوباما صادق بالفعل، وأنه حريصٌ على تحسين صورة أمريكا وإقامة علاقات جيدة مع العالم.. كل هذا التفاؤل يجعلني أؤمن بأن أقصى ما يمكن أن يفعله أوباما- طبقًا للمعطيات السابقة- هو تسكين وترحيل المشكلات الخارجية لا حلها، وخاصةً مشكلات الشرق الأوسط؛ لأن أمن "إسرائيل" هو الإطار الذي يحدِّد توجهات السياسة الأمريكية، لا مانع إذًا من أن تكون الصورة داخل الإطار حالمةً رومانسيةً أو حتى قاحلة جرداء، ارسم ما شئت ما دمت تتحرك داخل الإطار!.

 

لكن الجديد في خطاب أوباما أنه في المعنى (الرمزي) انتصارٌ لإيران وإحراجٌ كبيرٌ للأنظمة العربية، كيف؟!

 

انتصار لأن الذي تغيَّر هي أمريكا وليست إيران.. إيران ثابتة على مواقفها وتتقدم باطِّراد  في بناء برنامجها النووي، ولم تنفع معها لغة التهديد والوعيد الأمريكية ذات التأثير الفعال مع القادة العرب!! فخضعت أمريكا وبدأت في التودُّد إليها.. هنا كان الانتصار الإيراني.

 

أما الإحراج فهو للدول العربية، وفي مقدمتها مصر بطبيعة الحال، التي ما فتئت تهاجم إيران صباح مساء، وتتهمها بسَيل لا ينتهي من التهم التي قد يصح بعضها وقد يخطئ، ومحاولة النظام المصري مع بقية محور (الاعتدال) تعبئة الشارع العربي ضد إيران وتصويرها على أنها العدو بينما إسرائيل هي الحَمَل الوديع!.

 

ماذا سيفعل إذًا القادة العرب: هل (سينعِّمون) هم أيضًا من لغة خطابهم؟! اقتداءً وتأسيًا بالرئيس الأمريكي الذي يحفظ لهم كراسيهم، أم سيكون هناك توزيع أدوار؛ بحيث تنعِّم أمريكا من لغة خطابها و(يخشّن) القادة العرب لغة خطابهم؟!

 

كل الأساليب مطروحة، فالسياسة لا تعرف عادةً قانونًا أو عرفًا أو أخلاقًا، المهم أن يسدِّد اللاعبون في المرمى، والأهم من ذلك أننا- الشعوب العربية- سنظل في مقاعد المتفرجين!.