الصورة غير متاحة

 د. حسن يوسف الشريف

  
هذه الرسالة الثانية من سلسلة (أفكار للحوار مع المفكرين الأحرار) وهي تختص بشأن القمة العربية القادمة والتي ستُعقد بالدوحة بقطر.

 

من المعلوم بداهةً أنه يجب "أن نحسن الخطو نحو تحقيق الهدف"، وهذا هو أحد تعاريف الحكمة، والواجب علينا أن نكون أهلاً للحكمة، ومن المعلوم أنه "لا حكيم إلا ذو تجربة"، فالحكمة وليدة التجربة، ولقد تعلَّمنا من تجارب صراعنا مع الصهيونية الكثير من الخبرة والحكمة التي جاء وقت الانتفاع بها.

 

والمهم أن الفكرة التي نطرحها للحوار هي أن تعمل القمة العربية القادمة على تحقيق هدف بسيط ومتواضع عنوانه "زلزلة إسرائيل معنويًّا" على المستوى الداخلي أي الشعب والحكومة الجديدة، والتي تعتبر أشدَّ الحكومات تطرفًا واحتقارًا للعرب، وعلى المستوى العالمي لزعزعة ثقة دول العالم في شرعية الدولة الصهيونية، وسيكون هذا مقدمةً لهدف آخر سنذكره في حينه إن شاء الله بعد نجاح هذا الهدف.

 

زلزلة إسرائيل معنويًّا

يلاحظ الكثير من الباحثين في الشأن الصهيوني أن دولة إسرائيل تمر بمرحلة ضعف مادي ومعنوي لم يسبق لها مثيل، وهت تحتاج بحثًا منفصلاً، ولكن ببساطة وإيجاز فإن إستراتيجية الكيان الصهيوني منذ يوم إنشائه إلى الآن- وكما يراها الباحثون والمراقبون للشأن الصهيوني (جريس هالسل وروجيه جارودي وآخرون)- تقوم على البحث عن قوة عظمى تعتبر بالنسبة لها حاميةً ومعيلةً؛ أي تحميها عسكريًّا وسياسيًّا، وتعولها اقتصاديًّا، فكانت في البداية بريطانيا؛ حيث سمحت للهجرة اليهودية بكثافة إلى فلسطين ووعدت الحكومة البريطانية عام 1917 بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، ثم بتراجع الإمبراطورية البريطانية تحوَّلت الصهيونية إلى أمريكا بخدمة مصالحها في الشرق الأوسط مقابل أن تحمي أمريكا الصهيونية وتعولها بالمعونات الاقتصادية.

 

وبدأ الدور الأمريكي بعرض فكرة تقسيم فلسطين في الأمم المتحدة، وتولَّت ذلك أمريكا بكل قوة حتى تكوَّنت دولة إسرائيل وحتى الآن، ويختصر المفكر المصري العظيم جمال حمدان الموضوع في جملة واحدة فيقول: "بريطانيا هي الأب البيولوجي لإسرائيل، وأمريكا هي الأب الاجتماعي لها".

 

والمهم أن أمريكا العائل والحامي لإسرائيل تمر الآن بمرحلة ضعف لم يسبق لها مثيل، فالإدارة والنخبة الأمريكية بعد أن تناست أزمة الثقة في هويتها بسبب أن أمريكا كدولة ليس لها جذورٌ تاريخية، فكلهم مهاجرون من بريطانيا وأوروبا، وأن الجذور التاريخية ترجع لأصحاب البلد الأصليين وهم الهنود الحمر، والذين تم إبادة معظمهم جماعيًّا.. هذه النخبة امتلأت عُجبًا وكبرًا بعد سقوط وتفكك الاتحاد السوفيتي، وسيطرة أمريكا على النظام العالمي، وإذا بالكوارث تتساقط على رؤوسهم، لقد كشفت لهم أزمة الاقتصاد العالمي عن كابوس مرعب، وهو أن أمريكا- وبالضبط كما وصفها المفكر العملاق (روجيه جارودي)- "عملاق ساقاه من طين"؛ أي اقتصاده ضعيف وسهل أن ينكسر مع أقل ضربة.

 

لقد صُعِقَت النخبة هناك بالانهيار المتتابع من البنوك العملاقة إلى شركات السيارات إلى الاستيراد والتصدير إلى البطالة أكثر من 80% إلى كوارث أخرى في الطريق، حذر منها البنك الدولي "عام 2009 سيكون أخطر بكثير على الاقتصاد".

 

لقد وصلت الخسائر في الاقتصاد الأمريكي المرتبط به إلى 50 تريليون دولار في أقل من نصف عام، لقد ذكرت فضائية (الجزيرة) نقلاً عن تقرير للمخابرات الأمريكية أن الإمبراطورية الأمريكية ستتراجع سياسيًّا واقتصاديًّا خلال العشرين سنة المقبلة، ولا شك أن هذا الضعف سيشغل أمريكا بمصالحها الداخلية أكثر من أي شيء آخر، أما عن الخسائر والهزائم للجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان رغم اشتراك تحالف دولي مع الجيش الأمريكي هناك، فرغم القوة العسكرية الضخمة لأمريكا إلا أنه وبعد حرب السنوات الطويلة في أفغانستان ضد طالبان قد خرج علينا وزير الدفاع الأمريكي (جبيتس) في شهر فبراير 2009 ليعلن أن أكبر تحدٍّ عسكري لأمريكا هو أفغانستان!.. هذا مختصر بسيط من دراسات تؤكد تراجع أمريكا سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا.. بل يفوقه.

 

أما عن الداخل الإسرائيلي فهو بشأنه مثيلٌ لأمريكا، لقد كشفت لجنة التحقيق الإسرائيلية (فينو جراد) عن أسباب هزيمة إسرائيل في حربها مع حزب الله بالجنوب اللبناني عام 2006م مما شكَّل صاعقة أدَّت إلى استقالة (أولمرت) ووزير دفاعه وتعجيل الانتخابات وتصدُّع الجبهة الداخلية، ثم جاءت حربهم على غزة وفشلهم في تحقيق أي هدف من أهدافها، رغم استخدام إسرائيل نصف مخزونها من المتفجرات والمقذوفات على مساحة (30 كم/ 10 كم) وهي لا تتحمل هذا الكم عقليًّا إلا أنها صمدت معنويًّا وواقعيًّا.

 

إن حقيقة الوضع داخل إسرائيل بدأت تتناقله بعض دراسات الاستخبارات الأمريكية (قناة الأقصى 16/3/2009) بأن "انهيار إسرائيل خلال عشرين عامًا أمر محتوم"، والذي نريد التأكيد عليه أنه يجب أن ننتهز الفرصة لتحقيق هذا الهدف البسيط الذي لا يكلفنا إلا جهدًا بسيطًا إعلاميًّا ودبلوماسيًّا، وهو "زلزلة الكيان الصهيوني معنويًّا".

 

وسائل تحقيق الهدف

سنذكر ثلاث وسائل فقط:

الأولى: وهي أنه نظرًا لعدم تجاوب إسرائيل مع المبادرة العربية للسلام والرد الحقير عليها من الحكومة الإسرائيلية وعلى لسان رئيسها شارون بقوله: "إنها لا تستحق المداد الذي كُتبت به"، وعدم تحقيق أي تقدم على الأرض، سواءٌ على المسار الفلسطيني أو السوري رغم مرور سنوات على المبادرة؛ مما دعا الملك عبد الله آل سعود إلى القول: "إن المبادرة العربية لن تبقى على الطاولة".. لم يعلق أي مسئول إسرائيلي إيجابيًّا على كلام جلالة الملك (عبد الله) وهذا هو المفترض لدولة تزعم أنها تريد السلام؛ مما يوحي بالتجاهل الإسرائيلي التام للمبادرة، فإن الحكمة والعقل يوجبان أن نخطو خطوةً أكبر، تُجبر الصهيونية على قبول المبادرة، وهي إعلان القمة العربية بإعلان مبادرة جديدة تعتمد على القرارات الدولية الصادرة من الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهي اعتماد الآتي:

1- قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947 والذي يعطي إسرائيل 56% من الأرض و54% لفلسطين، وأبعد القرار مدينة القدس ونواحيها من التقسيم.

 

2- توصيات المبعوث الدولي الكونت (برنادوت)؛ الذي طالب بأن تكون القدس تبعًا للدول العربية، ولا يجب أن تكون تحت الوصاية الدولية مع ضرورة إعطاء النقب كله للعرب؛ لأنه ليس من العدالة أن يصدر قانون دولي يتسبَّب في قسمة الوطن العربي إلى قسمين ثم يمنع الاتصال البري بينهما، فعودة النقب للعرب تصل العرب في إفريقيا بالعرب في آسيا، وهي قضية تخص الأمن القومي في الصميم.

 

الوسيلة الثانية: وهي عقيدة سياسية وفكرية استعملها الغرب واعتمدها بجانبيه (أوروبا وأمريكا) في أحلافهم ومعاهداتهم السياسية والاقتصادية والعسكرية خلال حربهم الباردة مع الاتحاد السوفيتي، وهي حقيقة أو عقيدة لا ينكرها عاقل على التحالف الغربي، ونحن نذكرها بالحرف كما ذكرها (فيليب تايلور) في كتابه (قصف العقول): "ظل الاتحاد السوفيتي هو "العدو" الذي ينبغي أن يستعد الغرب للدفاع عن نفسه ضده تطبيقًا للعقيدة القائلة إن من يستحق السلام يجب أن يكون مستعدًّا للحرب"، ولا أظن أن أي عاقل من العرب يرفض هذه العقيدة؛ فهي صحيحة وصائبة في كل زمان ومكان، فإذا كنا نريد أن نستحق السلام فعلينا أن نملك الإرادة والقدرة على الحرب.

 

وهل يعيب عاقل على العرب قدرتهم على السلام وعلى الحرب إذا لم يتحقق السلام؟ فهذه عقيدة "أوروبا وأمريكا" في صراع المصالح مع الاتحاد السوفيتي، رغم أن الأخير لم يحتلَّ أراضي ومقدسات الغرب، فكيف إذا كانت إسرائيل تحتل الأراضي والمقدسات الإسلامية؟!

 

نقطة أخرى وهي أنه رغم تفكك وانهيار الاتحاد السوفيتي؛ فإن التحالف العسكري الأوروبي الأمريكي ما زال مستمرًّا، بل يزداد قوةً، ويجتمع وزراء دفاعهم بشكل دوري، وقد زادت اجتماعاتهم بسبب زيادة فشلهم العسكري، أما طالبان في أفغانستان فكم من المرات في العالم يجتمع وزراء الدفاع العرب؟!!، فقط نهتم باجتماعات وزراء الداخلية العرب ليساهموا مع الغرب في حربه ضد الإرهاب، وهي في الحقيقة ضد صحوة العرب ومطالبهم بحقوقهم!!.

 

يجب انتهاز الفرصة باجتماع وزراء الدفاع العرب وتحديد معاهدة "الدفاع المشترك"، وهي إحدى الفعاليات المهمة لجامعة الدول العربية، وبدون تفعيلها لا فائدة في الحديث عن تجديد وإصلاح جامعة الدول العربية، وهنا نحذر من ضعف السياسة العربية أمام اللعبة الخفية للسياسة الإسرائيلية، وهي استخدامها كلتا يديها في الضغط على كل مشروع عربي يمثل بداية النهضة العربية، وأعني بـ"كلتا يدي إسرائيل" أن يدها اليمنى "أمريكا" ويدها اليسرى هي "أوروبا".

 

وعلى القمة أيضًا أن تعلن شكرها ومساندتها لكل من يقاوم أو يقف بجوار الحق العربي وضد "النفاق الدولي ضد العرب" من أي جهة كانت، إسلامية أو غير إسلامية، عربية أو غير عربية.

 

الوسيلة الثالثة: أن يعلن مؤتمر القمة في بيانه الختامي أن الدول العربية حكوماتٍ وشعوبًا تشعر بالنفاق الدولي ضد مصالحها ومقدساتها في فلسطين، وأن الدول العظمى تتحمل العبء الأكبر في إهمال تنفيذ القرارات الدولية التي صدرت والخاصة بقضية فلسطين، بدايةً من قرار تقسيم فلسطين 181/1947، وقرار عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم 194/1948، والقرار 242/1967، وقرار 338/1973، والقرارات الكثيرة التي تؤكد عروبة القدس، وبناءً على ذلك تقرر الدول العربية أنها تدرس خيار الانسحاب من الأمم المتحدة، فضررها على القضايا العربية أكثر من نفعها، وسنضطر إلى ذلك حتى نرى مدى استخدام الدول العظمى- بل وكل الدول- نفوذها لإجبار إسرائيل على الانصياع للقرارات الدولية.

 

ويحتوي البيان الختامي أيضًا على أنه تقرر عقد اجتماع لوزراء الخارجية العرب لإعداد وجمع الوثائق التي تثبت أن إسرائيل ليست عضوًا بالأمم المتحدة، وإنما الذي يفرض وجودها بالمنظمة الدولية هو بعض الدول العظمى وليس القانون الدولي، ثم نعاين في المؤتمر الختامي قراءة الوثائق الآتية:

أنه عند تقديم أوراق إسرائيل لعضوية الأمم المتحدة عام 1949م اشترطت الأمم المتحدة على إسرائيل ثلاثة شروط لقبول عضويتها:

1- احترام قرار تقسيم فلسطين (56% لليهود، 44% للعرب).

2- عدم المساس بوضع القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية.

3- تنفيذ القرار الدولي 194/1948 والخاص بعودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم، وهذه القرارات لم تنفذ إسرائيل أيًّا منها منذ صدورها وحتى اليوم، وعليه فإسرائيل وإلى الآن ليست عضوًا بالأمم المتحدة.

 

هذه أفكار نعرضها لتحقيق هدف "إحداث زلزلة معنوية للدولة الصهيونية".

 

وهذه أفكار نطرحها للحوار، وإذا لم تفِدنا اليوم فقد تفيدنا غدًا، وهي موجَّهةٌ للمفكرين والمثقفين؛ لأن الحكومات العربية لا تسمع إلا نفسها، ولا تهتم بأفكار المقاومين والأحرار.

 

وبالأصالة عن نفسي وقناعاتي، وبناءً على دراساتي الخاصة "بخلق دولة إسرائيل" فإنني أشكر وأقدِّر كل عربي أو غير عربي ما زال مصرًّا على عدم الاعتراف بإسرائيل.

------------

* Dr_hyms@yahoo.com