لا أعرف على وجه الدقة كيف اتخذ وزير صحة مصر قراره بإغلاق حوالي سبعين مستشفى للحميات منتشرة في أنحاء الوطن، وأبقى فقط على ثلاثين مستشفى، كما أعلن سيادته في التلفزيون دونما شعور بتأنيب الضمير، وربما دون دراسة كافية، وقد شعرت باعتباري طبيبًا متخصصًا في أمراض الحميات وأعمل في أحد هذه المستشفيات منذ ثلاثين عامًا أن هذا القرار لا يخدم المصلحة العليا للوطن، بل يؤكد عشوائية وعجلة لا مبرر لها، ودون أن يستشير الأطباء العاملين في هذا المجال.

 

وحتى لا نظلم السيد الوزير أقول ربما يكون قد أخذ رأي بعض مرؤوسيه في ديوان الوزارة، لكننا نعلم أن أطباء الوزارة هم في النهاية موظفون، يسيرون حسب توجيهات السيد الرئيس أو السيد الوزير، ومن يعترض منهم فإن مصيره معروف، وهذا هو نظام الدولة المصرية في كل الوزارات؛ حيث الوزير رجل ملهمٌ لا يفعل غير الصواب في نظر مرؤوسيه، إلى أن يتم تغيير الوزير، فيقوم خلَفه الجديد بتغيير أو إلغاء ما شيَّده الوزير السابق، وسط تأييد نفس المرؤوسين السابقين، ولا عزاء للشعب الذي أُهدرت أمواله بمئات الملايين في إنشاء مستشفيات تسمَّى مستشفيات التكامل في عهد إسماعيل سلام، ثم يتم إلغاؤها في عهد الوزير الحالي دون وضع إستراتيجية تقوم على التخطيط العلمي لمستقبل هذا البلد، بعيدًا عن النزعات الفردية للوزراء.

 

ورغم أنني من رعايا السيد الوزير وأعمل بوزارة الصحة فقد قررت أن أتوكل على الله، وأكتب هذا المقال معارضًا سياسة سيادته؛ حرصًا على مصلحة مصر، من وجهة نظري، فلقد أبدى الوزير ثلاثة أسباب دعته لإلغاء مستشفيات الحميات في حديث مذاعٍ في برنامج "منتهى السياسة" يوم 28-2-2009؛ أولها أن الأطباء بتلك المستشفيات لا يمكثون فيها غير نصف ساعة يشربون خلالها الشاي والسجائر ثم ينصرفون، وثانيها أن نسبة الأشغال لا تتجاوز 10%، وثالثها توسيع أقسام الأمراض الباطنة بالمستشفيات العامة بإضافة أسرَّة مستشفيات الحميات الملغاة إلى أسرَّة قسم الأمراض الباطنية.. انتهى كلام الوزير.

 

وليسمح لي سيادته بالاختلاف معه؛ حيث كان الغرض الرئيس من وجود أكثر من مائة مستشفى للحميات منتشرة في جميع محافظات مصر هو الاكتشاف المبكِّر لأمراض معدية وخطرة؛ مثل الكوليرا والتهاب المخ والحمى الشوكية والتيتانوس، بالإضافة إلى الأمراض المهاجرة، مثل أنفلونزا الطيور التي ما زلنا نعاني منها حتى الآن، وكذلك حمى الوادي المتصدع التي ظهرت في كينيا، ووصلت لنا عبر السودان عام 1978 وقتلت عددًا من المواطنين في محافظتَي أسوان والشرقية، ثم عاود نفس المرض الظهور عام 1993 مرة أخرى بعدة محافظات منها دمياط والدقهلية وكفر الشيخ، وقد واجهت شخصيًّا مع زملائي هذا الوباء بمستشفى حميات فارسكور (الملغاة)، وكانت أعداد المرضى تفوق طاقة المستشفى، لدرجة اضطرتنا لوضع مريضَين على سرير واحد!!، ومن المتوقع أن تهاجر إلى مصر أمراض معدية جديدة؛ مما يستدعي المحافظة على مستشفيات الحميات القائمة، بل والتوسع فيها لعدة أسباب، منها:

 

1- التشخيص المبكِّر للأمراض المعدية السالف ذكرها، سواءٌ كانت أمراضًا متوطنةً في مصر أو أمراضًا وافدةً؛ مما يتطلب توفير أجيال جديدة من الاختصاصيين في أمراض الحميات يتميزون بالعلم والخبرة في التشخيص والعلاج، كما يتطلب مستشفيات بمواصفات خاصة لعزل تلك الحالات ومنع العدوى.

 

2- تشجيع شباب الأطباء على التخصص الدقيق في أمراض الحميات؛ حيث تلاحظ في السنوات الأخيرة عزوف الأطباء- حتى العاملين منهم في مستشفيات الحميات- عن هذا التخصص، وتفضيلهم تخصص الباطنة أو الأطفال؛ مما يهدِّد بانقراض هذا التخصص المهم، خاصةً بعد قرار الوزير الأخير بإلغاء أكثر من ثلثي مستشفيات الحميات في مصر.

 

3- اعتبار هذه المستشفيات- في غير حالات الوباء- معنية بعلاج الفئات الأكثر فقرًا؛ حيث يدخلها المرضى بحالات متوسطة كالنزلات الشعبية والمعوية؛ حيث لا يملك هؤلاء المرضى ثمن العلاج، وفي نفس الوقت لا يكادون يجدون مكانًا بالمستشفيات العامة.

 

4- أتصور أن هذه المستشفيات تمثل قضية أمن قومي من الناحية الصحية، نحتاج فيها لحوار حقيقي حتى لا نجد أنفسنا يومًا في مواجهة كارثة صحية!.

 

وأخيرًا.. أتصور أننا يجب أن نلحق بالدول المتقدمة؛ حيث ينفِّذ الوزير إستراتيجية موضوعَة سلفًا، فلا ينسف ما بناه الوزير السابق، ويهدر مئات الملايين من أموال الشعب، ولا يلغي مستشفيات مستقرة منذ قرن من الزمان!! لكن وظيفته تحدها ضوابط لرؤية إستراتيجية موضوعة ومدروسة سلفًا من قِبَل المتخصِّصين.

-------

 * استشاري حميات.