يجمع الكتاب في العالم العربي في قضية البشير على أمرين: الأمر الأول هو أن هناك جرائم ارتكبت في دارفور، وأنها مأساة لشعب عربي إفريقي تضاف إلى مآسي هذه المنطقة، وأن المحافظة على أرواح الناس في الحرب والسلم حاجة ملحمة، كما أن العدالة لصالح الضحايا أشد إلحاحًا.

 

الأمر الثاني، هو أن هذه المأساة يتم توظيفها لكي تنال المأساة بقية شعب السودان بعد دارفور بحجة تحقيق العدالة والقصاص ممن ارتكبوا هذه الجرائم، فالمقطوع به هو أن الغرب بشكلٍ عام يستحضر العدالة والقانون لأجندة خاصة به، وينأى عنها إذا مست مصالحه، وهكذا سكت الغرب على مجازر فرنسا في الجزائر وما خلَّفه الاستعمار البريطاني في مصر مما أتيح الاطلاع عليه، وما ألحقته إسرائيل بلبنان وفلسطين ومصر والأردن من دمار وحشي يجل عنه الوصف، مثلما سكت على إبادة ربع الجيش العراقي المنسحب من الكويت وتكفل بدمار الشعب العراقي بالإذلال والحصار ثم بالغزو والتفتيت، فضلاً عما ألحقه بالصومال ولم يعلق الغرب عليه.

 

لم يعلق الغرب أيضًا على أنه هو نفسه الذي صنع الانقلابات، ونصب المستبدين وسجل عليهم في لحظات الصفاء واستخدم ما فعلوه حين انقلب عليهم، وكان المثال القريب الصارخ هو توظيف العراق للهجوم على إيران بما يلزم من الشعارات القومية والإسلامية الطائفية في حرب استنزفت البلدين الكبيرين ورسخت العداء بينهما لعقود قادمة، ثم نعم بثمرة عمله حين غزت واشنطن بغداد فلقيت العون من إيران حنقًا على بغداد وليس حبًّا في واشنطن، مثلما وجدت من إيران العون في غزو أفغانستان وتدمير ربع سكانه بأحدث أنواع الأسلحة، وما فعلته إيران كان انتقامًا من طالبان وليس غرامًا في "الشيطان الأكبر"، وكل ذلك سوف تجد له سندًا في كل الكتب المقدسة التي توظف في كل العصور.

 

وقد ترددت الشعوب العربية والإفريقية وهي تقرر موقفها من قرار توقيف الرئيس البشير بين عاملين: العامل الأول، هو أن سمعة الرؤساء في العالم الثالث سيئة، وأنهم في سبيل دعم سلطانهم المطلق يدوسون على كل المقدسات ويتحالف الغرب معهم ما دام ثمن سكوته عليهم هو أنهم يخدمون مصالحه؛ ولذلك احتار الناس في أمر البشير: هل يشذ عن هذه القاعدة فاستهدف، أم أنه لم يسر في ركابهم ولم يستجب لمطالب أصعب فكان قرار الاستهداف؟.

 

غير أن الوسيلة الجديدة للاستهداف هي وسيلة لا أخلاقية، وهي تشويه قدسية أعتاب العدالة، تمامًا كما يتم دفع رجل الدين إلى أعمال مخلة بالشرف والنزاهة لكسر هيبة الدين في النهاية من خلاله، واستغلال هيبة الدين في نفس الوقت لتخدير غريزة المقاومة.

 

أما العامل الثاني، فهو أن الغرب لا يكف عن التآمر، ولكنه ماهر في التقاط الذريعة التي يصعب مقاومتها وهو المآسي الإنسانية.

 

صحيح أن هناك جرائم في دارفور، ولكن هل قام البشير بها حبًّا في الإجرام أم أنه كان يدافع عن وحدة أراضي الدولة ضد التمرد الذي خلقه الغرب وسلحه، فضاعت المسئولية بين الفريقين؟، وإن كان الغرب قد حمل البشير كامل المسئولية، رغم أن واشنطن لا تطيق القضاء الدولي عمومًا باعتبارها أسمى من الحقيقة فيما ترى وهي فوق الحق فيما تزعم، وبشكل أخص المحكمة الجنائية الدولية التي نذرت نفسها لتقويضها بمختلف الوسائل، ولا يزال هذا هو موقفها حتى الآن، إلا أنها لم تجد حرجًا في أن تستخدم هذه المحكمة بكل الطرق للضغط على البشير وأمثاله فيمن لا يستجيبون بسهولة للإملاءات الأمريكية، حتى كاد الناس يكفرون بأي عدالة دولية ما دام التسييس فيها كاملاً، وبعد أن لحق التسييس جزءًا مهمًّا من العدالة الوطنية، فإن ساند الناس قرار المحكمة ضد البشير انتصارًا للضحايا ولقيم العدل كان بذلك يُمكِّنون لمخطط إسرائيل والغرب ضد البشير، وإن ساندوا البشير بلا تحفظٍ باعتبار السودان وليس البشير هو المستهدف نازعهم حق الضحايا في الإنصاف، كما أنهم يناصرون رئيسًا عربيًّا في وقتٍ لا يفلت رئيس من إمكانية المحاكمة الجنائية إلا مَن رحم ربك، وأن مَن يفلت منهم يكون إما بسبب عدم وضوح الجرائم أو بسبب التعادل بين خيره وشره، وفي كل الأحوال بسبب ستر الغرب لعوراته الحقيقية والتي يستطيع الغرب افتعالها على سبيل الابتزاز والإرهاب.

 

في هذا المناخ الذي يشهد فيه العالم العربي خللاً مهمًّا في بنية السلطة وإذلالاً للعالم العربي رغم قدرته على أن يكون عزيزًا، وتلك مسئولية حكامه عن عجزه رغم الوفرة وذله رغم دواعي العزة، وفي وقتٍ يشهد فيه العالم العربي توحش المشروع الصهيوني الذي سخر الغرب له، باعتباره مشروعًا ذا نفع مشترك بين الطرفين في مواجهة العالم العربي، وهو يدرك أن نجاح هذه الهجمة على السودان سوف تنال من قدرات مصر بالضرورة، وهم يسعون من طرف آخر بتحجيم رد الفعل المصري قدر المستطاع حتى يترك السودان وحده فيستسلم لهذه المؤامرة الكبرى.

 

ولا شك أن المواطن العربي يقارن بين جرائم إسرائيل والولايات المتحدة دون عقاب وبين استهداف البشير، بل إنه لاحظ أن المجرم الحقيقي هو الذي يسعى لتحقيق ما أسماه العدالة الجنائية الدولية، عندما صرَّح المتحدث باسم البيت الأبيض بأن البشير يجب أن يعامل الآن على أنه هارب من العدالة، لقد التبس الأمر على العقل العربي عدة مرات في العقود الأخيرة، وآن له أن يدرك أن الحاكم العربي موزع بين ملاحظات الداخل المشروعة وضغوط الخارج غير المشروعة، فإن تفادى ملاحظات الداخل انتقص من سلطته المطلقة ودخل دائرة الحساب، وإن امتثل لضغوط الخارج وابتزازه انتقص استقلاله وكرامة وطنه، ودفع الشعب الثمن مرتين، مرةً لعدم تجاوب الحاكم مع طلباته، ومرةً لإذلاله من خلال مواقف الحاكم مع الخارج، وهذا اللبس سببه ذلك الالتحام بين النظام والوطن، وهذا هو جوهر محنة الوطن في الداخل والخارج.

 

وحتى يموه الخارج على شعب الداخل، فإن يحصل لهذا الشعب من حاكمه على تنازلات حتى يرضى الشعب ويستقطبه في ضغطه على الحاكم، ويكسب هذا الخارج أمام الشعوب الأوروبية تصرفاته ضد الحاكم طابعًا أخلاقيًّا مزيفًا.

 

وأخيرًا، إذا قدر للمدعي العام للمحكمة أن يرد على التساؤل الملح: لماذا البشير وليس قادة إسرائيل والولايات المتحدة لقال صراحةً لأنهم روما الجديدة، بينما البشير ينتمي إلى البرابرة الجدد، فلا يزال العالم منقسمًا بين سادة الشمال وعبيد الجنوب، حتى رغم أن أحد أحفاد عبيد الجنوب قد صار سيد البيت الأبيض الذي بنى واستخدم قبل صراع الشمال والجنوب بأكثر من خمسين عامًا.

 

والخلاصة، أن دعم البشير هو دعم للوطن السوداني وليس تشجيعًا له على سحق المعارضة وليس انحيازًا له في معركة الديمقراطية، وليكن ذلك درسًا، فمن يقف مع الحاكم ضد نفاق الخارج هو شعبه الذي يستحق منه الخير، وليس هذا الخارج الذي يحتضن الحاكم العربي وصدره مليء بألغام الذل والاستغلال وعزله عن أسرته في الوطن.