د. إيهاب فؤاد

في حلوقنا مرارة تعدل مرارة البعد عن كلِّ حبيب، وفراق كل غال وعزيز، كل شيء في وطننا أضحى مباحًا، كل شيء أضحى بلا ثمن أو قيمة أو وزن، أفرغنا ما في جعبتنا، وأصبحت جيوبنا خاويةً، أفواه تُكمم، وعقول يُحجَر عليها، وحريات تُقيَّد!.
لقد خَلَقَ الله الإنسان حرًّا طليقًا، ونأبى إلا أن نقيده، ومنح اللهُ الإنسانَ الحريةَ حتى في العبادة، وهو سبحانه الخالق أولى بأن يُعبد.. ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: من الآية 29)، فالإنسان وفق الرؤية القرآنية ومنطق الإسلام، يجب أن يكون مختارًا وحرًّا، ليكون مسئولاً، وليجري عالم البشر وفق قانون الله تعالى، فلا مسئولية بلا حرية، قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)﴾ (البلد)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)﴾ (الإنسان)، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24)﴾ (الصافات)، ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)﴾ (الأعراف).
فقيمة الإنسان تكمن في كونه حرًّا مسئولاً أمام الله عزَّ وجل، فمن لا يملك حريته لا يستطيع أن يصنع حياته وعالمه، والمجتمع الذي لا يتمتع أصحابه بالحرية وتسود فيه الدكتاتورية لا يمكن أن ينمو وأن يتقدَّم، فلا يخلِّف الاستبداد سوى أشباح بشر، لا يُقدِّمون ولا يُؤخرون، بل إن الدكتاتوريةَ تفقد الإنسان ولاءه لوطنه؛ لأن الولاءَ الأول والأخير إنما يكون حيث تكون الحرية ويسود العدل وتعم المساواة بين الجميع، تُعساء مَن ظنوا أنهم بكبت الحرية يحققون لأنفسهم الأمن والأمان، إنهم إنما يحفرون لهم في كل طريقٍ حفرة، ويخلفون وراءهم اللعنات والدعوات والتي ترفع إلى رب الأرض والسموات ليس بينها وبينه سبحانه حجاب، ولقد أقسم الله بنصرةِ المظلومين، فعن خزيمة بن ثابت- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "اتقوا دعوة المظلوم فإنها تُحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين".
أما مروا بكتابِ الله القائل:﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾ (الأنبياء).
أما سمعوا قول الله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)﴾ (الكهف).
وحذَّر صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيح- من الظلم بين الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: "مَن اغتصب مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، قالوا: ولو كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: ولو كان قضيبًا من أراك"، (أي ولو كان سواكًا)، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَن ظلم من الأرض قيد شبر طوقه يوم القيامة من سبع أرضين".
ولعلي أذكر هنا موقف الصحابي الجليل عمر بن الخطاب مع الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنهما، ويتضح الأمر بجلاء في قول عمر: "متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا"، كما نلمس ذلك جليًّا في قصة ربعي بن عامر مع رستم ببلاد الفرس، حين سأله رستم عن دوافع مجيء العرب لقتال الفرس؟ فأجابه ربعي: "جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد، إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".
الحرية إذن هي فريضة وواجب وهي حق قبل أن تكون منحة يتحكم فيها أحدٌ من الناس، يهبها لمَن يشاء وينزعها مَن يشاء، أما قانوننا فلا يعرف سوى جانب واحد، إنه التضييق على العباد الذين يرفعون أياديهم ليل نهار، ويقلبون وجوههم في السماء، يبتهلون إلى الله أن ينعموا بالحرية لأنها أغلى ما يمتلكه الإنسان، فما يفعل سجين بأموال الدنيا وهو لا يستطيع أن ينفق منها شيئًا، وما يفعل حرٌّ بقصور الأرض إن كان يتحرك فيها بحساب، وينام فيها بميعاد، ويستيقظ فيها بميعاد؟.
ما قيمة الإنسان إن سُلبت حريته، وانتهكت حرمته، واعتُدي على مقتنياته وممتلكاته وهو لا يستطيع أن يدفع عنها رغم أن موته في سبيل الحفاظ عليها شهادة في سبيل الله، لكنَّ العجيبَ هو صمتنا المطبق، ورضانا بالضيم وكأنَّ ألسنتنا قد أُخرِست، نُلطَم على وجه فندير الآخر، كل شيء من حولنا يغلي لكنه غليان القدور والتي سرعان ما يزول غليانها بمجرد أن نُبعد عنها النار.