لماذا كل هذا الخوف من أمريكا و"إسرائيل"؟!

كان هذا هو السؤال الأكثر ترددًا بين الناس في مصر أثناء العدوان الأخير على غزة، يتداولونه فيما بينهم، وسط خليط من مشاعر الدهشة وعدم الفهم والغضب من موقف الإدارة المصرية.

 

وانتهى العدوان، ولكن ظل السؤال قائمًا، وهو سؤال عمره أكثر من ثلاثة عقود كاملة، منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد والتي تحلُّ ذكراها الثلاثون هذا الشهر.

 

والإجابة الصحيحة والقاسية في نفس الوقت عن هذا السؤال هي:

نعم.. إن مصر الرسمية مكرهة على كل ما تفعله منذ حرب 1973م، فلقد قبلت وقف إطلاق النار تحت الإكراه، ووقَّعت اتفاقيات السلام تحت الإكراه، والتزمت بها وما زالت تحت الإكراه، وإن حياتنا جميعًا منذ ذلك الحين تجري وتدور تحت الإكراه الأمريكي والصهيوني.

 

والإكراه يفسد الإرادة ويبطل التصرف، وعليه فإن اتفاقيات السلام المصرية "الإسرائيلية"، وكل ما ترتب عليها باطلةٌ بطلانًا مطلقًا طبقًا للمبادئ القانونية العامة وطبقًا لأحكام القانون الدولي، وفيما يلي التفاصيل، نستهلُّها بالتذكرة بما تناولناه عن كامب ديفيد عبر العديد من المقالات:

أهم مساوئ كامب ديفيد

- سحبت مصر من الصراع ضد العدوين الصهيوني والأمريكي.

- مما أطلق يد "إسرائيل" لتعربد كما تشاء في المنطقة.

- اعترفت بـ"إسرائيل" وتنازلت لها عن فلسطين 1948م.

- أضعفت المقاومة الفلسطينية، وجعلتها تقف منفردةً وحيدةً في مواجهة الآلة العسكرية الصهيونية.

- وضعت سيناء رهينةً دائمةً في يد "إسرائيل"، تستطيع أن تعيد احتلالها في أي وقت تشاء.

-أعادت صياغة مصر عسكريًّا وطبقيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا على مقاس أمن "إسرائيل".

- وضعت مصر ومن فيها تحت قيادة ورحمة الولايات المتحدة الأمريكية.

- أعطت الضوء الأخضر لكل القوى الطائفية في المنطقة للانفصال عن الأمة، وتأسيس دويلات كردية وشيعية وسنية ومارونية وقبطية وزنجية على نموذج الدولة اليهودية "إسرائيل".

- ضربت وحدة الصف العربي التي تجلَّت في أعلى صورها في حرب 1973م.

 

أسباب البطلان

تنص اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات الصادرة في سنة 1969م في المادة رقم 51 على:
"ليس لتعبير الدولة عن رضاها الالتزام بمعاهدة والذي تم التوصل إليه بإكراه ممثلها عن طريق أعمال أو تهديدات موجهة ضده أي أثر قانوني".

 

كما تنص المادة رقم  52 من نفس الاتفاقية على: "تعتبر المعاهدة باطلةً بطلانًا مطلقًا إذا تم إبرامها نتيجة تهديد باستعمال القوة أو استخدامها بالمخالفة لمبادئ القانون الدولي الواردة في ميثاق الأمم المتحدة".

 

خلاصة المادتين السابقتين أن الإكراه الواقع على الدولة أو على ممثلها لتوقيع أى اتفاقية يبطلها بطلانًا مطلقًا، وتنطبق نصوص المادتين على حالة مصر في الفترة من 1973 حتى 1979، وبالتحديد في الوقائع التالية:

وقائع الإكراه

أولاً: احتلال سيناء

الاحتلال الصهيوني للأراضي المصرية عام 1967م وما بعدها هو استعمال للقوة بالمخالفة لمبادئ القانون الدولي الواردة في ميثاق الأمم المتحدة وبالتحديد في الفقرة الرابعة من مادتها الثانية التي تنص على: "يمتنع أعضاء الهيئة جميعًا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة".

 

ثانيًا: سيناء رهينة

حالت الولايات المتحدة دون أن يُصدر مجلس الأمن قرارًا ينص على الانسحاب الفوري من الأراضي المحتلة عام 1967 بدون أي قيد أو شرط، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الأمم المتحدة.

 

وبدلاً من ذلك أصدروا القرار رقم 242 الذي تعامل مع سيناء وغيرها من الأراضي المحتلة كرهينة لدى "إسرائيل"، تعيدها إلى مصر بشرط الاعتراف بها والسلام معها.

 

ثالثًا: دعم أمريكا العدو الصهيوني في حرب 1973م

قال الرئيس أنور السادات في 16 أكتوبر 1973: "إن الولايات المتحدة أقامت جسرًا بحريًّا وجويًّا لتتدفق منه على "إسرائيل" دبابات جديدة وطائرات جديدة ومدافع جديدة وصواريخ جديدة وإلكترونات جديدة"، وقال في 16 سبتمبر 1975م "إنه في ليلة 19 من أكتوبر 1973م كان بقي لي عشرة أيام أواجه أمريكا بذاتها".

 

رابعًا: تهديد كيسنجر للسادات عن الثغرة

اعترف السادات في حديثه لمجلة (الحوادث) اللبنانية عام 1975م بأنه عندما أخبر كيسنجر يوم 11 ديسمبر 1973بأنه قادرٌ على القضاء على الثغرة رد الأخير: "ولكن لا بد أن تعرف ما هو موقف أمريكا إذا أقدمت على هذه العملية فستضرب".

 

وهو ما دفع السادات- كما يدعى- إلى التفاوض وقبوله إعادة 90% من قواتنا التي عبرت إلى مواقعها قبل العبور، وهو ما كان له بالغ الأثر على النتيجة النهائية لوضع القوات المصرية طبقًا للملحق الأمني في اتفاقية السلام عام 1979م.

 

خامسًا: التهديدات العسكرية "الإسرائيلية" قبل زيارة القدس 1977م:

ففي خطابه أمام مجلس الشعب المصري في 26 نوفمبر 1977م بعد عودته من القدس جاء الآتي: "في جلسة مع وزير الدفاع "الإسرائيلي" عزرا وايزمان توجه إليَّ بسؤال: لماذا كنت تريد أن تهجم علينا في العشرة الأيام الماضية"؟!

 

قلت له: أبدًا.. بدأتم أنتم مناورة، وعلى طريقتنا بعد حرب أكتوبر وبأسلوبنا أسلوب الدول المتحضرة التي تعرف مسئولياتها حينما بدأتم مناوراتكم بدأ الجمسي مناورته أيضًا بنفس الحجم، قال إن تقارير المخابرات كلها أمامي أهه (وعرضها) تقول بأنكم كنتم ستضربوننا ضربةً مفاجئةً وكان في شدة العصبية.. هذا هو الحاجز النفسي الذي أتحدث عنه.. منذ عشرة أيام وهم في شدة العصبية".

 

سادسًا: تهديد كارتر للسادات

ذكر الرئيس الأمريكي جيمي كارتر أنه عندما علم أن السادات قرر الانسحاب من المفاوضات في كامب ديفيد والعودة إلى القاهرة فإنه تصرف كما يلي: "لسبب ما استبدلت بملابسي ملابس أكثر رسمية.."، "شرحت له النتائج بالغة الخطورة التي تترتب على إنهائه المفاوضات من جانب واحد، وأن عمله سيضر بالعلاقة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية، وأن مسئولية الفشل سيتحملها هو" "وكنت جادًّا إلى أقصى حد وكان هو يعرف ذلك، الواقع أنني لم أكن جادًّا في أي يوم من حياتي أكثر من ذلك..." انتهى كلام كارتر.

 

بعد هذا اللقاء صرَّح السادات لأعوانه أنه "سيوقع على أي شيء سيقترحه الرئيس الأمريكي كارتر دون أن يقرأه".

 

سابعًا: التهديد الأمريكي الصريح لمصر

في 25 مارس 1979 قبل يوم واحد من توقيع الاتفاقية تسلمت مصر رسالةً من الولايات المتحدة الأمريكية تتضمن مذكرة تحمل عنوان "مذكرة التفاهم الأمريكية الإسرائيلية " جاء فيها:

"1- حق الولايات المتحدة في اتخاذ ما تعتبره ملائمًا من إجراءات، في حال حدوث انتهاك لمعاهدة السلام أو تهديد بالانتهاك؛ بما في ذلك الإجراءات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية.

 

2- تقدم الولايات المتحدة ما تراه لازمًا من مساندة لما تقوم به إسرائيل من أعمال لمواجهة مثل هذه الانتهاكات، خاصةً إذا ما رُئي أن الانتهاك يهدد أمن إسرائيل؛ بما في ذلك- على سبيل المثال- تعرض إسرائيل لحصار يمنعها من استخدام الممرات المائية الدولية وانتهاك بنود معاهدة السلام بشأن الحد من القوات، وشنِّ هجومٍ مسلَّح على إسرائيل، وفي هذه الحالة فإن الولايات المتحدة الأمريكية على استعداد للنظر بعين الاعتبار وبصورة عاجلة في اتخاذ اجراءات، مثل تعزيز وجود الولايات المتحدة في المنطقة وتزويد إسرائيل بالشحنات العاجلة وممارسة حقوقها البحرية لوضع حد للانتهاك.

 

3- سوف تعمل الولايات المتحدة بتصريح ومصادقة الكونجرس على النظر بعين الرعاية لطلبات المساعدة العسكرية والاقتصادية لإسرائيل وتسعى لتلبيتها".

 

ثامنًا: التهديدات الأمريكية الصهيونية بشأن الأنفاق والحدود مع غزة

وهو ما نراه ونعيشه يوميًّا من تهديدات من أعضاء في الكونجرس والإدارة الأمريكيين بقطع المساعدات عن مصر، بالإضافة إلى حملات التفتيش الدورية على الحدود المصرية، من قبل لجان من المهندسين الأمريكيين وموظفين بالسفارة الأمريكية ورجال الكونجرس.

 

تاسعًا: التصريحات الرسمية المصرية

منذ اليوم التالي لتوقف إطلاق النار في 22 أكتوبر 1973 وحتى يومنا هذا في مارس 2009م، والإدارة المصرية ورجالها وإعلامها يؤكدون بمناسبة وبدون مناسبة أن إلغاء كامب ديفيد يعني الحرب، وكان آخرها تصريحاتهم تلك التي صدرت أثناء العدوان الأخير.

 

الخلاصة

إن العدو الصهيوني- بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية- قد قام باحتلال سيناء في عام 1967 مع أراضٍ أخرى، ومنعت أمريكا مجلس الأمن من إصدار أي قرار ينص على الانسحاب دون قيد أو شرط، وربطت الانسحاب بالاعتراف بـ"إسرائيل" وتوقيع اتفاقية سلام معها، فلما رفضنا ذلك وقررنا تحرير الأرض بالقوة، وقفت أمريكا دون ذلك، وسرقت منا النصر العسكري بدعمها قوات العدو، وتهديد رئيس الجمهورية حتى وقَّع المعاهدة، ولم تكتفِ بذلك، بل استمرت في تهديداتها لنا على امتداد أكثر من ثلاثين عامًا؛ الأمر الذي يؤدي إلى بطلان كل هذه الاتفاقيات بطلانًا مطلقًا بموجب أحكام القانون الدولي، ويجردها من أية مشروعية.

--------------

* Seif_eldawla@hotmail.com