الصورة غير متاحة

 أحمد غانم

 

منذ يومين تاقت نفسي لوجبة رنجة مع حزمة بصل أخضر، فمررت على عم محمد صاحب السوبر ماركت الموجود على أول شارعنا، لكن للأسف وجدت المحل مغلقًا، راجعتُ مع نفسي أيام الأسبوع لعلي أكون قد أخطأت فلم يكن يوم جمعة- إجازة عم محمد- سألتُ صاحب محل الكشري الموجود بجواره، فقال: "يا بيه عم محمد قفل الدكانة خلاص بعيد عنك خسر شقى عمره في البورصة"!.

 

عدتُ مهمومًا محسورًا أُكلم نفسي وأضربُ كفًّا على كف "حتى أنت يا عم محمد عرفت سكة البورصة"!!.

 

بالطبع عم محمد ليس الوحيد ممن أعرفهم وراحت فلوسهم في البورصة، فجاري في العمارة رقد مريضًا بعد أن خسر 100 ألف جنيه في البورصة، قلتُ له احمد ربنا أنت أحسن من غيرك البوشي لهف من الكابتن محمود الخطيب 5 ملايين جنيه، ومن الفنانة ليلى علوي 640 ألف دولار، ومن الفنانة ميرفت أمين 700 ألف دولار، وغيرهم وغيرهم لدرجة أني بدأتُ أشكُّ أنني الشخص الوحيد الذي لم يكن يعرف للبورصة طريقًا ولا للبوشي مكانًا؛ ربما لأني لستُ من هواة البيزنس أو الكسب السريع السهل أو لأني "دقة قديمة"، وأحب أن تكون (فلوسي) في حضني مثل أولادي تمامًا، وقد يقول البعض وهم محقون إنه "قصر ديل" وإنها حجة المفلس.

 

لكن ما أعتقده يقينًا الآن أن البورصة أصبحت كلمة غير محببة إلى النفس، وكثيرون لا يطيقون سماع هذا اللفظ الذي أصبح يُمثل لهم ذكريات مؤلمة جدًّا وكوابيس فظيعة، وعلى رأي جدتي- الله يرحمها- "إيه يا بني البورص اللي بيقولوا عليه ده"، فعلاً تحولت البورصة إلى بورص مخيف شكلاً ومضمونًا.

 

والغريب أني ذهبتُ أقلبُ في المعجم الوسيط ومعجم ابن الرومي ابحث عن معنى كلمة (بورصة) فلم أجد شيئًا مطابقًا، فبحثتُ في الموسوعات الإلكترونية فعرفتُ أنها كلمة ليست عربية، وأصلها يعود إلى اسم عائلة بلجيكية كانت تشتغل في البنوك في العصور الوسطى في أوروبا، وكان "فان دي بورص" يمتلك فندقًا بمدينة بروج ببلجيكا، ويتردد عليه التجار للمناقشة حول الصفقات التجارية، وكان شعار الفندق عبارة عن ثلاثة أكياس من النقود، والبورصة هي السوق المالي الذي يلتقي فيه الصيرفيون والسمسارة في أوقاتٍ محددة لإجراء عمليات التداول على الأوراق المالية والسلع والمعادن وغيرها.

 

ساعتها فقط عرفتُ أن جدتي كانت محقة، فالبورصة فعلاً أصلها بورص، ولا عزاءَ لمَن ضاربوا في البورصة بأنفسهم أو أنابوا البوشي وأمثاله لكي يضارب عنهم.. فعلاً وما الحياة إلا بورص كبير.