حسن يوسف الشريف

إلى متى نتجاهل الحقائق ونعيش مع الأوهام؟!
إلى متى نتجاهل أمراضنا وننكر مخاطرها على حاضرنا ومستقبلنا؟!..
إلى متى نتجرع مرارة الضعف والانكسار؟!..
ومتى سننعم بتذوق حلاوة القوة والانتصار؟!..
* من يظن أن استعمالنا لسياسة الضعف هو حكمة توصلنا إلى استرجاع حقوقنا، فهو واهم.
* من يظن أن أمريكا هي راعٍ عادلٌ لعملية السلام، فهو واهم.
* من يظن أن إسرائيل حريصة على السلام العادل مع العرب، فهو واهم.
* من يعتمد على مجلس الأمن والبنك الدولي في حل مشاكله، فهو واهم.
* من يظن أن سياسة المفاوضات وحدها هي الطريق لاسترجاع حقوقنا، فهو واهم.
* متى يستفيق العقل العربي من تخدير التفكير؟!، فيستطيع التفريق بين الحقائق والأوهام.
* متى يتحرر العقل العربي من قبضة سياسة المتلاعبين بالعقول؟!.. فيعرف أصدقاءه من أعدائه، ويعرف ما ينفعه وما يضره.
* متى يستيقظ العقل العربي ويدرس بوعي ماضيه القريب- حصاد القرن العشرين-؟!.. ليعرف سلبياته وإيجابياته.
* متى يبدأ الحوار العربي- العربي؟!.. لتكوين تضامن عربي فاعل، وإستراتيجية عربية من أجل نهضة عربية شاملة.
* متى نسلك طريق السياسة الناجحة، التي تفجر طاقات الجميع وتوحد طاقات الجميع؟!.. فلا فرق عندها بين أغلبية ومعارضة، ما دام الكل يعمل لمصلحة الوطن.
إن بداية النجاح للعرب إقليميًّا ودوليًّا هو التضامن، أو الاتفاق على الحد الأدنى من ثوابتنا السياسية والاقتصادية، وألا نترك أي طرف عربي وحيدًا في ميدان "النفاق الدولي ضد العرب" ليحصل على حقوقه ومصالحه، بل يجب أن نكون جميعًا ظهيرًا لهذا الطرف العربي ومعينًا له حتى يحقق أهدافه المشروعة.
إن الدول العربية مجتمعة تمتلك الكثير من أوراق الضغط للحصول على حقوقها، وتمتلك أقوى الوثائق التي تثبت هذه الحقوق، وإن جهلنا أو تنازلنا عن كل هذه الإمكانيات لدليلٌ على سذاجتنا وطفولتنا السياسية، وإذا كانت السياسة هي فن تحقيق الممكن فهل نتقن هذا الفن؟!.
يجب ألا نعتبر ما نحصل عليه مما يسقط من موائدهم السياسية هو نجاح لنا، بل هو تسول وإذلال لنا، وإذا كانت السياسة هي كل فعل تكون به الأمة أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، فهل من حق كل نظام عربي أن ينفرد بوضع سياسته ومصالحه وإن كانت على حساب إخوانه العرب؟!.
يجب على كل نظام عربي أن يحرص على مصالحه ومصالح إخوانه العرب، بل يجب أن يتقارب الجميع لإيجاد نظام عربي ينتج عنه سياسة عربية واحدة، وهذا هو ما به يكون العرب طرفًا فاعلاً على خريطة السياسة الدولية.
إن صورتنا يجب أن نحرص على تحسينها حتى نكون أمة محترمة، فالضعف صفة سلبية، تنقص من الاحترام وخاصة في الميدان السياسي، وإن ضعفنا السياسي أمام خصومنا الصهيونيين وأعوانهم ناتج عن ضعفنا العسكري والاقتصادي.
إن إسرائيل الدولة الصغيرة (المزعومة) أصبحت بقدراتها العسكرية والسياسية في مصاف الدول المحترمة عند الدول العظمى جميعًا، ونحن عشرات من الدول العربية ولكن بضعفنا السياسي والعسكري لا نحصل على أي احترام سياسي أو عسكري؛ فقرارات مجلس الأمن خير شاهد على ذلك، مثل القرار رقم 242 لعام 1967 والقرار رقم 338 عام 1973م وكلاهما يقضي بخروج الجيش "الإسرائيلي" من الأراضي التي احتلتها عام 1967 ومنها مدينة القدس الشرقية، ولم ينفذ أي منهما حتى الآن!!!!.
لقد كان الغرب أثناء "الحرب الباردة" مع الاتحاد السوفيتي يستعد للحرب ضد هذا العدو، ونظرًا لإيمانهم بالعقيدة القائلة: "إن من يستحق السلام يجب أن يكون مستعدًا للحرب" (قصف العقول، ص 359)، ولم يكن الاتحاد السوفيتي يومها محتلاً لجزء من بريطانيا أو فرنسا أو أمريكا، بينما إسرائيل تحتل أراضي ومقدسات العرب وهم ينامون ويمرحون في ظل سلام الأوهام مع إسرائيل.
يا له من تخديرٍ كبير ٍلتفكير عقلنا الصغير!!!.
يجب على عقلاء العرب ألا يناموا مع النائمين من أصحاب "العقول المستريحة"، بل يجب أن ننقذ أمتنا من السير في الطريق نحو الانهيار، فنوقظها من غفلتها ونرفع من همتها؛ حتى نتجاوز مرحلة التخلف إلى مرحلة النهضة، وننتقل من مرحلة التشرذم إلى مرحلة الوحدة والتضامن، ومن الفوضى السياسية إلى الرؤية الإستراتيجية المستقبلية.
يقول الدكتور (هيثم الكيلاني): "إن حالة العجز التي يعاني منها العالم العربي في المرحلة الراهنة كنظام إقليمي، تعود إلى افتقاده الرؤية المستقبلية الواضحة، وغياب أي مبادرات جماعية لوضع إستراتيجية محدودة المعالم والأهداف للتعامل مع النظام العالمي"، ويقول الدكتور (أحمد كمال أبو المجد): "إن مستقبل العرب لا يمكن تأمينه- بحال من الأحوال- في غيبة تخطيط ينبغي أن يبدأ بغير إبطاء".
إن خروج العقل العربي من عملية "تخدير التفكير" إلى فاعلية التفكير هو المقدمة الصحيحة لقيام حوار عربي- عربي، لإيجاد رؤية مستقبلية واضحة وتخطيط إستراتيجي فاعل، ولكي نهجر مرحلة "الطفولة السياسية" والتي يعتمد فيها العقل العربي لحل مشاكله على الآخرين، ولكي نفهم أننا المسئولون- وحدنا- عن حل مشاكلنا وصناعة مستقبلنا.
إن الكثير من النظم العربية سعيدة بما يعانيه العقل العربي من "تخدير التفكير"؛ وذلك لأن تفعيل العقل العربي سيعمل على أن يطالب هذا العقل الفاعل بتحقيق آمال الأمة العربية، وهذه الأنظمة ليست في مستوى تحقيق هذه الآمال لأنها ضعيفة الهمة، معلولة الذمة.
يجب على من يقودون العمل السياسي، أن يفكروا بعمق لا بسطحية، وبالتأني الجاد لا بالسرعة الهزلية، في كل مشكلة أو قضية، فهم يتحكمون في مصير أمة، ليقودها إلى القاع أو إلى القمة.
----------