من جديد يعود ملف الحوار والمصالحة بين الإخوة الفرقاء (فتح وحماس) إلى موقع متقدم على مسرح الأحداث بعد تجمد شهور، المصالحة التي باتت احتياج وطني ومطلب قومي وواجب شرعي، لكنها ما زالت تحيطها الآمال والشكوك في آنٍ واحد، طرح الملف في ظل أجواء أكثر إيجابيةً وتفاؤلاً بروح التفاهم والتوافق التي سادت التصريحات واللقاءات التي عقدت بين وفدي حركتي حماس وفتح خلال الأيام القليلة الماضية ومستوى التمثيل المرتفع لكليهما، إضافةً للرعاية العربية والإسلامية التي وعدت بها عدة دول وإزاحة الشارة الأمريكية الحمراء نسبيًّا من طريق الحوار.
المصالحة باتت ملحة لكافة الأطراف، حركة فتح وسلطة عباس في محاولة لاستعادة الشرعية المفتقدة منذ التاسع من يناير الماضي والشعبية المهددة بسبب المواقف والتصريحات المصاحبة للعدوان الصهيوني على غزة، فضلاً عن اليقين بفشل كافة المحاولات الداخلية والخارجية التي بذلت لإزاحة حماس من مربع السياسية والحكم إلى مربع العمل الاجتماعي والمقاومة كما كانت قبل يناير 2006م.
وحركة حماس التي تتحرك في مناخ أفضل نسبيًّا بعد الصمود الرائع أمام العدوان الصهيوني رغم قسوة الحصار وحجم الدمار، وسلم الجميع بأنه لا حلَّ دون حماس والمقاومة، إلا أنها الأخرى باتت تدرك أن المصالحة وحكومة الوحدة الوطنية هي بوابة المرور الوحيدة للمجتمع الدولي لإعادة ولو جزء من الحقوق الإنسانية والسياسية لشعب غزة من جهة والحفاظ على حصاد الصمود والنصر من جهةٍ أخرى.
والوسيط المصري الذي يحاول جاهدًا استعادة الثقة في دوره الإقليمي المفتقد منذ سنوات، فضلاً عن إعلانه احتكار إدارة ملفات التهدئة والمصالحة والإعمار حصريًّا! برغم الأجواء الإيجابية نسبياً "وقف الحملات العدائية والإفراج عن بعض المعتقلين السياسيين"، وضرورة بل حتمية المصالحة لكافة الأطراف إلا أن الرصيد السلبي بين طرفي النزاع والوسيط المصري بل والمناخ الإقليمي والدولي غير المستقر ولا العادل يهدد- وفي أي وقتٍ- بنسف هذه الطموحات والآمال ولاعتبارات كثيرة.
لذا فالمعركة السياسية الحالية التي تخوضها فرق التفاوض من الطرفين لا تقل شراسةً وخطورةً عن جولات المقاومة بكل ألوانها، فهل تتمكَّن فرق التفاوض من تجاوز الآلام إلى تحقيق الآمال؟ وهل تتمكن من القفز فوق كل الخلافات والجراحات السابقة لتصل بهذا الشعب البطل وقضيته العادلة لبر الأمان ولو لفترة من تاريخ هذا الصراع؟ وهل تتمكن مصر الكبيرة القديرة من تجاوز حسابات نخبة رجال المال والأعمال لاستعادة دورها الوطني والقومي اللائق بها؟.
نعم الكل يستطيع لو توفرت الإرادات، خاصةً أن غالبية أوراق الضغط في أيديهم، هم دون سواهم.
----------
* مدير مركز الفجر للدراسات والتنمية