هناك حقائق لا بد من مواجهتها بصراحة في العالم العربي..

الحقيقة الأولى هي أن احتشاد العرب للصراع العسكري مع "إسرائيل" قد وحَّد العالم العربي، ووضع القضية الفلسطينية في المقدمة؛ بل كانت هذه القضية كما يقولون قضية العرب الأولى، ولهذا السبب كان التزام النظم بها ولو نظريًّا ضروريًّا لإضفاء الشرعية على هذه النظم؛ التي افتقرت تاريخيًّا إلى شرعية صناديق الانتخابات أو حتى شرعية فعالية الإنجاز، وكان يكفي أن تعلن بحماس التصدي "للكيان الصهيوني" حتى تلتهب أكفُّ الناس بالتصفيق وتختنق حناجرهم من كثرة الهتاف في مجتمع أجاد التصفيق لكل شيء حتى استوى معنى التصفيق السلبي والإيجابي، وبعد أن أصبح التخلُّف عن التصفيق للزعيم كافيًا لفرز أعداء الثورة والوطنية!.

 

الحقيقة الثانية أنه وإن بقي في الخطاب الرسمي بعض الأثر لكلمات كالتمسك "بالحقوق الثابتة" واحتضان القضية، إلا أن النظم تجرَّأت على إغفال الحد الأدنى في الخطاب والعمل فعلاً من أجل فلسطين، ولهذه الحقيقة ثلاثة أسباب:

- السبب الأول هو الاختراق "الإسرائيلي" المدعوم أمريكيًّا وأوروبيًّا للذات العربية، والتعايش النفسي العربي مع الجرائم الإسرائيلية.

- والسبب الثاني هو حرص النظم العربية على التمسك بخيارات لا تتفق بالضرورة مع رغبات الشعوب تحت ستار حماية المصالح الوطنية العليا حتى بات المواطن المثقف والمفكر يشكُّ في قدرته على إدراك حقيقة هذه المصالح التي تنفرد النظم بتحديدها وفهمها، ولذلك أقدمت بعض النظم على مواقف تلتبس على المثقف والمفكر، بين الحق والباطل، كما أنها أشدُّ التباسًا على عامة الناس، ولكن يبقى عند العامة والخاصة رجاء مستتر بحسن الظن في مواقف نظمهم.

- السبب الثالث هو أن بعض النظم العربية قد أصبحت تستمد شرعيتها من التوافق مع الشرعية الدولية الجديدة التي ترسمها الولايات المتحدة بدفع صهيوني واضح، ووجدت هذه النظم أن هذا النوع الجديد من الشرعية الداخلية هو الذي يشجِّع النظم على قمع شعوبها وقهرهم على هذه الشرعية الجديدة.. ترتب على ذلك أن ظهرت واقعية عربية متدهورة ومتراجعة مع متطلبات الشرعية الدولية الجديدة، أفسحت تمامًا الساحة للمشروع الصهيوني، ومكَّنت له من العقل والجسد في العالم العربي، ولم تعد تجد حاجةً إلى التستُّر في خطابها حتى بورقة التوت القومية القديمة.

 

الحقيقة الثالثة أنه ترتب على ذلك انقسام العالم العربي، وتصارعت دوله بديلاً عن صراعها مع "إسرائيل" حول طرق التعامل مع المشروع الصهيوني، ولا نشك في أن جميع النظم العربية تدرك أن هذا المشروع يريد كل فلسطين ثم الهيمنة على العالم العربي.

 

عندما بدأت المرحلة الثانية في الصراع العربي "الإسرائيلي"، التي تم فيها تجريب عملية السلام دفعت واشنطن كل دولة عربية لكي تراجع خسائرها من المواجهة ومكاسبها من العلاقات "السلمية".

 

ولما كانت النظم كلها تدرك أن هذا الاختراق هو أعظم انتصار للسرطان الصهيوني على مواقع المناعة في الجسد العربي؛ فإن معظمها فقد القدرة على تحديد الطريقة الناجحة للتعامل مع هذا السرطان رغم ما أظهرته تجربة الأربعين عامًا الماضية منذ القرار 242 حتى الآن من أن المشروع يلتهم معظم الجسد الفلسطيني، والمعارك الجانبية المقصودة شغلت الفلسطينيين والعرب عن المشروع، بل أصبح المشهد العربي مزريًا، وراح في شبه إجماع على دعم خيار السلام حتى لو كان ثمار هذا السلام لإسرائيل، وكل الشقاء للعرب، وأصبح الحديث عن المقاومة عند بعض العرب مجافاةً للمنطق وتنكُّبًا عن الفهم السليم، وكأن استمرار التراجع أمام المشروع الصهيوني هو المطلوب.

 

 ترتب على ذلك هذا الإجماع شبه الكامل بدرجات متفاوتة على عدم الحماس للطريق الآخر وهو المقاومة لهذا المشروع، ولكن التخلي العربي عن هذه المقاومة تم بسبب الضغوط الأمريكية وليس لاقتناع العالم العربي بجدوى عملية السلام التي أدرك هذا العالم- كما أشرنا- حصادها المر، والدليل على ذلك أن الارتكان إلى "لغة السلام" المناقضة "للغة العنف" من الجانب العربي مع استمرار أعمال الإبادة "الإسرائيلية" في فلسطين ولبنان أدَّى إلى تراخي الإعداد العسكري خلال العقود الثلاثة الأخيرة؛ ما دام العدوُّ الرئيسي قد دخل مع العرب في عملية السلام، ولم يجد العرب غضاضةً في قبول الذريعة "الإسرائيلية"، وهي أن عدم شعورها الطبيعي بالأمن هو الذي أملى عليها استمرار التسلُّح والتدريب والردع بالعدوان والإرهاب.

 

ترتب على ذلك تمسك العالم العربي- بسبب عجز نظمه عن إعداده للمواجهة رغم ارتفاع معدل الإنفاق العسكري- بمبدأ السلام كخيار إستراتيجي في الواقع والاستسلام لرغبات "إسرائيل" وإملاءات واشنطن.

 

وكلما أمعن العالم العربي في الاسترخاء تزايدت أعمال القمع "الإسرائيلية" وتزايد معها الشعور بالقهر لدى الأنظمة والشعوب، كما تزايد معها هجران المقاومة، مع الإشادة بالصمود دون ذكر المقاومة، وهو ما شكَّل الخطاب الرسمي لمعظم النظم العربية حتى خطاب رئيس السلطة الذي لا يعترف بالمقاومة ويؤمن "بالدبلوماسية الهادئة الصبورة سبيلاً وحيدًا لاسترداد الحقوق".

 

 هذا المشهد العربي والفلسطيني المجمِع في معظمه على الاسترخاء وهجر المقاومة بدأ يناهض المقاومة ويتصدَّى لها، فأصبح جهده دعمًا لإسرائيل وإضعافًا للمقاومة، كما تسبَّب في سوء العلاقات بين مؤيدي المقاومة والمناهضين لها، فصارت المقاومة في هذا المناخ السلبي لا تستطيع أن تكون ورقة قوة للعرب ضد "إسرائيل"، واكتفت بأن تكون عقبةً في سبيل حرية الإبادة وتمدُّد المشروع الصهيوني على بعض الأرض.

 

 وما دامت الدول- غير المقاومة ولا تريد المقاومة- لا تريد قطعًا ضياع الحقوق العربية والتراجع التام أمام المشروع الصهيوني، كما أن المقاومة لا يخدمها الصدام مع بيئتها العربية التي يجب أن تكون حاضنة لها؛ فلا مفرَّ من اجتماع العقلاء في العالم العربي للتوصل إلى حلٍّ يقبل به الجميع, فقد خرجت مصر باتفاقية السلام من ساحة الحرب والسلام معًا، وكذلك الأردن، وتحاول "إسرائيل" أن تستلَّ سوريا من معسكر المقاومة وتتفاهم معها على حلٍّ في الجولان، فإذا استؤنست سوريا ذبلت المقاومة، وتمدَّد المشروع الصهيوني على الأرض، وفي هذه الحالة لن يستطيع طرف أن يتهم غيره بأنه بدأ بالتخلي، وعندها لا يجوز لأي طرف عربي أن يدَّعي أنه يتمسك بالقضية الفلسطينية بعد احتواء المقاومة من جانب سوريا وإيران، وترك الساحة لـ"إسرائيل" بعد رسم خريطة المنطقة كما تشاء، فيبكي الجميع ساعتها على اللبن المسكوب.

 

أرجو أن يفيق الجميع قبل فوات الآوان، فالتاريخ لا يرحم والزمن لا يكفُّ عن الدوران، وأن يتمسك الجميع بمقاومة المشروع الإجرامي الاستعماري الذي سوف ينفرد بفلسطين؛ بعد أن نهش القلب والعقل في الجسد العربي.