السبت الموافق 21 من فبراير 2009م، يبدو المنظر أمام جامعة القاهرة غير طبيعي، إنه شديد السخونة رغم أننا في فصل الشتاء، ودرجة الحرارة أقل من معدلاتها الطبيعية؛ فصفوف سيارات الأمن المركزي جعلت المشهد ساخنًا إلى حد بعيد!، لماذا تقف سيارات الأمن المركزي بهذه الكثرة؟!، هناك تشديد في عمليات دخول الجامعة؛ فقد تحولت الجامعة منذ الصباح الباكر إلى ثكنة عسكرية، وتم إغلاق كافة أبواب الجامعة عدا الباب الرئيسي وباب التجارة.
ما السر إذًا؟!!
إنه يوم 21 فبراير...
نعم.. أدري أنه 21 فبراير.
ولكن.. لماذا يبدو المشهد غير طبيعي؟!
ألا تدري؟ إن الحكومة تخشى من مظاهرات الطلاب.
ولماذا يتظاهر الطلاب في هذا اليوم بالذات؟!
أشرح لك الموقف إذًا.. يبدو أنك لا تعرف المناسبة.
إنه يوم الطلاب العالمي.....
لا يعرف الكثيرون أن يوم 21 فبراير هو اليوم العالمي للطلاب، وأن ثمة ارتباطًا وثيقًا بين الذكرى والحركة الوطنية الطلابية المصرية في نضالها العظيم ضد الاحتلال الإنجليزي وفساد الملك والحكومات آنذاك.
أحداث عام 1946م وتكوين اللجنة الوطنية للطلبة والعمال
عانت مصر أزمة خانقة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وازدادت البطالة بين الخريجين، وثبت أن معاهدة 1936م- التي أبرمتها بريطانيا مع "الوفد" قبل الحرب العالمية الثانية- قد أصبحت قيدًا ينتقص من السيادة الوطنية وأماني مصر القومية.
وظهر على الساحة العديد من التنظيمات السياسية التي تشكلت خارج الأحزاب كالإخوان والشيوعيين؛ لتجتذب إليها العديد من الطلبة الذين يئسوا من إمكانية إصلاح الأوضاع الاقتصادية والسياسية في مصر من خلال النظام السياسي الحزبي القائم.
وفي عام 1945م كوًّن الطلبة لجنة تنفيذية تعبر عن القوى السياسية الفاعلة في الساحة، ودعوا إلى مؤتمر عام للنظر في الموقف السياسي، وتأخير رد بريطانيا على طلب إعادة النظر في معاهدة 1936م.
إفساد عيد ميلاد الملك
ففي 11 فبراير 1946م الموافق عيد ميلاد الملك فاروق؛ أعدت الجامعة احتفالاً كبيرًا يحضره الملك لوضع حجر الأساس للمدينة الجامعية؛ مما دفع الطلاب لعقد مؤتمر حاشد، ناشدوا فيه الطلاب مقاطعة الحفل تأكيدًا على تقاعس الحكومة والقصر عن المطالبة بالجلاء، وهتف الطلاب بسقوط (الحكومة- الملك- الإنجليز).
وتقدم الطلاب صوب الزينات المقامة والأضواء المنصوبة وكسروها، وفتحوا خراطيم مياه الحريق على السجاجيد المقامة؛ مما تسبب في تأخير الملك، الذي سأل النقراشي باشا رئيس الوزراء عن الطلاب.. فصمت، فرد عليه مكرم عبيد باشا الذي كان يشغل وزير المالية آنذاك بالقول: "الطلاب في المستشفيات والسجون يا مولاي"، في إشارة إلى عنف الأمن معهم؛ فغادر فاروق على الفور وقدم بعدها النقراشي استقالة وزارته؛ ليخلفه إسماعيل صدقي بوزارة جديدة.
مع كل يوم يمر يزداد بطش الإنجليز بالشعب المصري الثائر، ويشب لهيب الثورة بين ضلوع الطلاب فقررت اللجنة الوطنية للعمال والفلاحين أن يكون 21 فبراير 1946م يوم الجلاء، وإعلان إرادة الشعب في المطالبة بجلاء القوات البريطانية عن مصر، وأخطرت قرارها لصدقي باشا رئيس الوزراء الذي اتفق مع القوات البريطانية على أن تلزم ثكناتها في هذا اليوم، وانطلقت مظاهرة حاشدة، سارت من الجامع الأزهر إلى ميدان الإسماعيلية (التحرير حاليًّا).
وما أن استقر المتظاهرون في الميدان حتى انهالت عليهم رصاصات الإنجليز من معسكر الطيران الإنجليزي الذي كان بمقر مجمع التحرير الحالي، وسقط على إثر ذلك أعداد كبيرة من المصريين ما بين قتيل وجريح.
تركت أحداث فبراير 1946م صداها في العالمين العربي والإسلامي، وصار هذا اليوم هو ( يوم الطلبة العالمي) تكريمًا لنضال طلبة مصر.
مرت على هذه الأحداث 63 سنة ولكن الأمر تغير للأسوأ كثيرًا، فلو قام الطلاب وفعلوا كما فعل أقرانهم أيام الملك لدخلوا السجون والمعتقلات.. وطبعًا لن تستقيل الحكومة، وقبل ذلك وهو الأهم أن الملك انصرف غاضبًا؛ لأن الطلاب لم يكونوا موجودين، أما حكام اليوم لو أرادوا مقابلة الطلاب فسوف تنتقي لهم الشرطة بعض الطلبة المرضيِّ عنهم، أما الباقون فسيأخذون إجازة إجبارية حتى لا يقبض عليهم الأمن، قديمًا كان الطلاب قادرين على إجبار الحكومة على الاستقالة، أما اليوم فليسقط كل الطلاب ولتبق الحكومة!!.