تمر بنا الأيام وتجري سريعًا دون أن نقف على مجريات أحداثها وعلى ذكرياتها الفاعلة المؤثرة أو على صانعي المجد والتاريخ عبر العصور- وسيظل التاريخ يذكر كوكبة من رجالاته المؤثرين وفئة من عظمائه الخالدين وكيف كان لهم دور بارز في نهضة أممهم وشعوبهم فضلاً عن تضحياتهم الجسام لخدمة دولهم ولمصلحة الأجيال عبر العصور، وأن وفاتهم ومماتهم كانت الوقود والمحرك للشباب والأجيال نحو الاستمساك بمبادئهم وقيمهم التي دعوا إليها في حياتهم، فنهضت الأمم وتحركت الشعوب واستيقظ الشباب ودبت الروح والحياة في مجتمعات ظن الجميع موتها وانفصالها.
ولعل الإمام الشهيد حسن البنا يعد من أبرز تلك الشخصيات في العصر الحديث- إذ ساقته الأقدار أن يأتي في مرحلة فاصلة وفارقة من حياة الأمة، فبعد أن لعب المستعمر واليهود دورًا كبيرًا في إسقاط الخلافة وفي نشر روح الانهزام واليأس لدى الجميع وفي إحلال ثقافة غريبة باهتة ماجنة محل ثقافتنا الراشدة وقيمنا النبيلة حتى ظنَّ الغريب والبعيد أن المؤامرة قد نجحت وأن الأمة قد انتهت ولن تعد لها قائمة- إذا بيد القدرة الإلهية تتدخل عن طريق ذلك الشاب الرباني الذي دب بالحياة في ذلك الجسد العليل من جديد وأفاق الأمة من كبوتها وهتف في الناس بشعارات أيقظت القلوب وأنارت العقول وأسالت الدموع وحركت السكون- حيث أعاد الناس إلى ربهم وإلى صوابهم (كما فعل محمد- صلى الله عليه وسلم- مع قومه وأمته) وملأ الأسماع والآفاق بنداءاته الخالدة (الله غايتنا- والرسول قدوتنا- والقرآن دستورنا- والجهاد سبيلنا- والموت في سبيل الله أسمى أمانينا)، فعرف الناس غايتهم واسترشدوا بقدوتهم واستمسكوا بقرآنهم ورفعوا الجهاد سبيلهم وهدفهم وتمنّوا الموت والشهادة في سبيل ربهم ودينهم.
فنمت شجرة الدعوة وترعرعت واشتد عودها وقويت جذورها وملأت ثمارها ربوع البلاد، وتذوق البلاد والناس حلاوتها فأقبلوا عليها يحملونها ويسوقون لها غير مبالين بالصعاب أو المشاق حتى وصلت ثمارها الطيبة داخل كل بيت في مصر، وتحقق قول الحق تبارك وتعالى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)﴾ (إبراهيم).
وحينما رأى أصحاب المذاهب الباطلة والثمار الراكدة والأفكار الهابطة ركود بضاعتهم وفساد تجارتهم صبّوا جام غضبهم على تلك الشجرة الربانية وعلى ذلك الشعاع المضيء محاولين اقتلاع جذور تلك الشجرة أو إطفاء نور ذلك المصباح المضيء- فاغتالوا المؤسس والرائد، وسجنوا واعتقلوا كل أتباعه- ظنًّا منهم أن ذلك سيوقف هذا المدد وسيطفئ ذلك المصباح، بل اصطنعوا مع رجالات تلك الدعوة كل أساليب البطش والتنكيل والدمار ولكن الله كان لهم بالمرصاد وأبى الله إلا أن يتم نوره رغمًا عنهم وما حاق مكرهم وتدميرهم السيئ إلا بهم ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: من الآية 43).
وخرج من خرج من تلامذة البنّا المخلصين في تلك الظروف الصعبة خارج مصر وهم يرفعون هاماتهم ويعتزون بدعوتهم ويستمسكون بفكرتهم- فحملوا أفرع الشجرة الأصلية التي خرجوا بها من مصر معهم واحتضنوها في الدول المختلفة التي أقاموا بها وحرصوا على ريها بعرقهم وجهدهم وأعادوا زراعتها من جديد- ليس في مصر فقط بل في ربوع العالمين، فاستقبلت البلاد والعباد ثمار تلك الدعوة اليافعة من جديد وأشرقت الأرض بنور ربها واستعصت الأشجار الجديدة القوية على مقتلعيها أو محاربيها، بل رمتهم هي بثمارها وطيبها.
وسعدت البشرية جمعاء بتلك النماذج الفذّة التي أخرجتها دعوة الإخوان في ربوع العالمين. وكان نموذج حماس في فلسطين من ضمن تلك النماذج المعبرة عن صدق تلك الدعوة ورجالاتها، حيث رأى الناس نماذج حيّة معبرة لأتباع محمد في العصر الحديث وهم يدافعون عن كرامة الأمة وعزتها بفخر واعتزاز ويعلنون للدنيا كلها أنهم امتداد لتلك الشجرة الأم من دعوة الإخوان المسلمين في مصر وأن القسّام وأحمد ياسين والرنتيسي ونزار ريان وسعيد صيام، وغيرهم ما هم إلا تلاميذ من تلامذة البنّا الأوفياء المخلصين.
وفي الختام..
* ما أحوج الأمة وهي تحتفل بالذكرى الستين لاغتيال الشهيد حسن البنّا لرجل مثله يحذو حذوه ويخطو خطاه ويعيد إحياء الأمة من جديد بذلك الفكر الوسطي المعتدل على خطى الحبيب محمد- صلى الله عليه وسلم-.
* ما أحوج البشرية الآن لهذا المنهج الربّاني الذي حمله ودعا إليه واستشهد في سبيله ذلك الملهم الموهوب- فينير لها طريقها ويضيء لها دربها فتخطو نحو ربها بخطى ثابتة، فتنهض وتسعد وتحيا حياةً راشدةً هادئةً مستقرةً.
* ما أحوج شباب وأجيال الأمة في تلك الذكرى لأن يدرسوا شخصية أ. البنّا ويستلهموا منها العبر والدروس حتى يدركوا عن يقين أنهم لا بد أن يكون لهم دور في نهضة أمتهم وصناعة التاريخ- لأن التاريخ لا يتذكر إلا من كان له دور وبصمة قوية، وأن البنّا بهمته وعزيمته أحيا الله به الأمة، وأنه موصول الأجر إلى قيام الساعة بما قدم وترك، وأنه صدق الله فصدقه الله حتى كان أول الشهداء الصادقين على طريق دعوته.
نحسبه كذلك والله سبحانه وتعالى حسيبه، ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب).