لا أحد يدري الأسباب الحقيقية التي دعت القاهرة إلى الإعلان عن تأجيل الحوار الفلسطيني- الفلسطيني الذي كان مقررًا في العاصمة المصرية في الثاني والعشرين من فبراير الجاري، وإذا كان هذا التأجيل سيتم "لوقتٍ قصيرٍ ولن يطول"، بحسب تصريحات مسئولين مصريين لوكالة (أنباء الشرق الأوسط) المصرية الرسمية، فإنَّ دلالاته لا تغيب على أحد.
هي مواجهةٌ جديدةٌ من تحت السطح بين القاهرة وتل أبيب بعد تعطيل الأخيرة، في اللحظات الحاسمة اتفاق التهدئة الذي كان مقررًا بين الكيان الصهيوني من جهةٍ وحركة حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة من جهةٍ أخرى، وهو ما مثَّل ضربةً قويةً لمصر الرسمية.
وازدادت المرارة المصرية مع كون الموقف الصهيوني المفاجئ قد جاء بينما من يتولي ملف الوساطة والمفاوضات غير المباشرة بين الجانبين، الفلسطيني والصهيوني، هو طرفٌ مختلفٌ قليلاً عن الخارجية المصرية أو الأجهزة الدبلوماسية المصرية العادية، وهو المخابرات العامة المصرية، التي ربما هي أحد الأطراف المصرية والعربية النادرة التي لا تزال تخوض حروبها الخاصة غير العلنية مع الكيان الصهيوني.
مأزقٌ مصريٌّ
ويزيد من مشكلة القاهرة في هذه المسألة، أنَّ الرفض الصهيوني الذي عطَّل التوصل للتهدئة، جاء عكس كافة ما كانت مصر الرسمية تقول به في بداية أزمة غزة في أواخر العام الماضي.
فمصر منذ إعلان حركة حماس والفصائل الفلسطينية عن انتهاء اتفاق التهدئة الذي كانت مصر توسطت فيه بين الجانبين، الفلسطيني والصهيوني في يونيو الماضي، واستمر هشًّا حتى انتهى في التاسع عشر من ديسمبر 2008م، كانت كثيرًا ما تحمل في خطابها الرسمي حماس وقريناتها من فصائل المقاومة مسئولية ما يجري، وأنَّه لولا قرارها بإنهاء التهدئة وعدم تجديدها ما كان العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة قد وقع.
وهو موقفٌ ثابتٌ أصرَّت عليه القيادة المصرية في القاهرة والفلسطينية في رام الله طيلة أسابيع العدوان والأيام التي تلته، ولوزير الخارجية المصرية أحمد أبو الغيط والرئيسين المصري حسني مبارك والفلسطيني محمود عباس- المنتهية ولايته- تصريحات واضحةٌ في هذا الشأن.
أما الآن، فإنَّ الموقف واضحٌ ولا لبس فيه، فالكيان الصهيوني هو مَن عرقل مفاوضات التهدئة، وهو من عطَّل التوقيع على اتفاقٍ نهائيٍّ بين الجانبَيْن، يلتزم فيه الفلسطينيون والصهاينة بوقفٍ لإطلاق النار لمدة 18 شهرًا في مقابل فتح معابر قطاع غزة بما نسبته 80% من احتياجات القطاع، وهو ما يتضمن فتح معبر المنطار، أكبر معابر غزة مع الكيان الصهيوني، وكذلك إدخال مواد الإعمار اللازمة من إسمنت وحديد ومواد البناء الأخرى.
وكملاحظةٍ عامةٍ، فإنَّ الكيان الصهيوني يسمح الآن بدخول 100 شاحنة يوميًّا عن طريق معبر كرم أبو سالم فقط، بينما احتياجات القطاع لا تقل عن 500 شاحنةٍ يوميًّا، وهو حجمٌ لا يسمح معبر رفح ولا كرم أبو سالم بدخوله، فقط معبر المنطار التجاري (معبر كارني) الواقع إلى الشرق من مدينة غزة، هو القادر على تمرير هذا الحجم من مواد الإعاشة والتموين.
والآن حماس والفصائل الفلسطينية تطالب المصريين بإعلان موقفهم من التبدل الصهيوني المفاجئ الذي أوقف كلَّ شيءٍ، وكان الرد المصري بوقف حوار القاهرة للمصالحة الفلسطينية، والذي كان يضمن، حال نجاحه تحقيق العديد من المكاسب الأمنية والسياسية للكيان الصهيوني، ومن بينها عودة أمن الرئاسة الفلسطينية وقوات الأمن التابعة للسلطة إلى معبر رفح، والمشاركة في ترتيبات منع دخول السلاح إلى قطاع غزة.
كذلك كان سوف يضمن عودة بعض السيطرة السياسية لحركة فتح ومنظمة التحرير إلى قطاع غزة، وتحويل القرار المتخذ في غزة إلى وجهةٍ أخرى.
وازداد المأزق الدبلوماسي المصري عندما أكد الرئيس حسني مبارك صراحةً رفضه الربط بين ملف شاليط ومفاوضات التهدئة؛ حيث قال في ختام زيارته الأخيرة للبحرين صراحةً "إن مصر لن تغير من موقفها إزاء إرساء التهدئة"، معتبرًا قضية الجندي الصهيوني الأسير جلعاد شاليط "موضوعًا منفصلاً، ولا يمكن ربطه بأي وجهٍ بالمفاوضات المتواصلة للتوصل إلى التهدئة لإنهاء معاناة سكان القطاع"، ولكن الكيان الصهيوني أصرَّ على موقفه، وتعطل الاتفاق.
التزام فلسطيني
وخلال المفاوضات الأخيرة التي أعقبت وقف الكيان الصهيوني لإطلاق النار من جانبٍ واحدٍ في قطاع غزة، التزمت المقاومة الفلسطينية تمامًا بحزمةٍ من الالتزامات والضوابط الدبلوماسية السياسية وكذلك العسكرية على الأرض، على النحو التالي:
1- الالتزام الكامل بوقف إطلاق الصواريخ على الكيان الصهيوني، إلا في حالة الرد على أيِّ خرقٍ صهيونيٍّ على الأرض، أو من الجو؛ حيث لم تنطق الصواريخ الفلسطينية على المدن والمغتصبات الصهيونية المحاذية لقطاع غزة، إلا ردًّا على غارةٍ أو توغلٍ صهيونيٍّ في غزة، وفي بعض الحالات لم ترد المقاومة، حتى مع سقوط شهداء، فهناك غارات أمس الأول- الأربعاء- على خان يونس ورفح، وتوغل اليوم الخميس شرق حي الزيتون بغزة، ولم تنطلق الصواريخ الفلسطينية.
2- بدء محادثاتٍ جادةٍ للمصالحة مع حركة فتح، وجرت هذه المحادثات في القاهرة ورام الله، وأبدت فيها حركة حماس مرونة كافية لتبيان حسن نيتها، وكان آخر هذه اللقاءات الذي شهدته الضفة الغربية أمس الأول الأربعاء بين وفدٍ من حماس برئاسة رأفت ناصيف عضو القيادة السياسية في الحركة، ووفدٍ من حركة فتح يرأسه جبريل الرجوب عضو المجلس الثوري لفتح، وكانت أجواؤه إيجابية بحسب الطرفين.
وحتى خلال الأزمة الأخيرة الخاصة بموضوع المرجعية الجديدة التي طالبت بها حماس لتضم فصائل المقاومة الفلسطينية التي لا تزال تحمل السلاح- وليس بديلاً عن منظمة التحرير الفلسطينية- كان موقف فصائل الرفض في دمشق بما فيها حماس والجهاد الإسلامي تعلن أنه لا يمكن الحديث عن استبعادٍ لحركة فتح أو لمنظمة التحرير من المعادلة الفلسطينية، كما التزمت حماس والمقاومة تمامًا بطلبات أبو مازن المتعلقة بوقف الحملات الإعلامية المتبادلة في غضون الأسبوعين الأخيرين.
3- خلال مفاوضات التهدئة كان موقف حماس والفصائل الفلسطينية واضحًا تمامًا، والتزموا به طيلة خط المفاوضات، من حيث تأكيد أنَّ وقف النار مقابل فتح المعابر ورفع الحصار، أما ملف الجندي الصهيوني الأسير جلعاد شاليط، فإنَّه موضوع على قائمة بحثٍ آخر تتعلق بمفاوضات تبادل الأسرى.
وهنا وقفةٌ، لأنَّ الكيان الصهيوني طيلة الأيام التي تلت وقف إطلاق النار كان يتفاوض على هذا الأساس، وكان ما نقلته القاهرة واضحًا في هذا الشأن، وبالتالي كانت جولات وزيارات عاموس جلعاد رئيس المكتب السياسي والأمني في وزارة الحرب الصهيونية إلى القاهرة تعطي الردود وتطرح الأسئلة الصهيونية في هذا الإطار.
وليس أدلُّ على ذلك مما كانت التقارير الصهيونية نفسها تتحدث عنه في بداية المفاوضات حول صفقةٍ من حزمةٍ واحدةٍ، تتضمَّن الآتي:
- يشمل الاتفاق كافة الفصائل الفلسطينية، وليس حركة حماس وحدها.
- تستمر التهدئة لفترةٍ تصل إلى عامٍ ونصف العام، تلتزم خلالها كل الأطراف الفلسطينية والصهيونية بالوقف الكامل لإطلاق النار، والامتناع عن كل صور العدوان لفترة قابلة للتجديد بموافقة الجميع.
- يعطي الطرفَيْن، الفلسطيني والصهيوني الحق في الرد الفوري على أيِّ عملٍ عسكريٍّ يبادر به الطرف الآخر.
- وجود حزام أمني في قطاع غزة يبلغ عمقه 300 متر، وليس 500 كما كانت تطالب السلطات العسكرية الصهيونية، لا يوجد فيه أي فردٍ مسلح.
- يلزم الاتفاق الكيان الصهيوني بإعادة فتح المعابر مع غزة لمرور البضائع والوقود بما يفي باحتياجات نحو 1.5 مليون فلسطيني في القطاع، كما ينظم الاتفاق طريقة عمل معبر رفح بين مصر وغزة وفقًا لاتفاق نوفمبر 2005م، مع تعديلين أساسيين، ويسمح التعديل الأول بإمكان وجود مراقبين أتراك ضمن قوة المراقبين الأوروبيين على المعبر، أما الثاني فيسمح بوجود أفراد ينتمون إلى أيٍّ من الفصائل الفلسطينية، بما فيها حركة حماس، ضمن قوات السلطة الوطنية الفلسطينية، التابعة للرئيس محمود عباس، والتي تتولى إدارة الجانب الفلسطيني من المعبر.
- إتمام صفقة تبادل الأسرى بين حماس والكيان الصهيوني، يتم بمقتضاه الإفراج عن الجندي الصهيوني جلعاد شاليط، مقابل إفراج "إسرائيل" عن ألف أسيرٍ فلسطينيٍّ، بينهم عدد كبير من قيادات الحركة وأعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني الذين اعتقلتهم سلطات الاحتلال الصهيوني بعد تشكيل حماس حكومتها في مارس 2006م، إثر فوزها في الانتخابات التشريعية في يناير من نفس العام.
الاعتبارات الصهيونية
ومن هنا فإنَّ الأمور كانت واضحة تمامًا، ولا يفسر عدم التوصل لاتفاق التهدئة سوى الموقف الصهيوني فحسب.
هذا الموقف الصهيوني لا يمكن تبريره إلا في إطار تصوُّرٍ أو عاملٍ واحدٍ، وهو عامل الانتخابات الصهيونية الأخيرة، والنتائج الغامضة التي انتهت إليها.
فالانتخابات أفرزت حزبًا فائزًا بالانتخابات، مقابل تكتلٍ فائزٍ بالانتخابات، وهنا كان من المستحيل تشكيل الحكومة الصهيونية بأي حالٍ من الأحوال في غضون الأيام القليلة الحالية، فحزب كاديما الحاصل على أعلى عددٍ من المقاعد- 28 مقعدًا من مقاعد الكنيست البالغة 120 مقعدًا- لا يمكنه تشكيل حكومة ائتلافية بدون الليكود (27 مقعدًا)، مع إعلان حزب العمل (13 مقعدًا) عن نيته الاستمرار في المعارضة وعدم المشاركة في أيَّة حكومةٍ ائتلافية.
الليكود من جهته لا يوجد ما يلزمه بالمشاركة في حكومةٍ ائتلافيةٍ لا يقودها، بينما الأحزاب اليمينية التي ينتمي الليكود إلى معسكرها حصلت على 65 مقعدًا في الكنيست الجديد، في المقابل لا يتوقع أحد أن يتنازل حزب كاديما بسهولةٍ عن حقه كحزبٍ فائز في الانتخابات.
ومن هنا بات واضحًا أنَّه الحالة السياسية في الكيان الصهيوني لن تتضح ملامحها في القريب العاجل، وبدا أنَّ الكتل السياسية والأحزاب الكبيرة في الكيان مارست ضغوطًا على رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت لوقف مفاوضاته مع حماس ريثما تتضح الأمور.
وهو ما وافق عليه أولمرت تحسبًا لاعتبارَيْن رئيسيَّيْن، الأول دعمًا لموقف حزبه، كاديما في مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة في مواجهة معسكرٍ يمينيٍّ متطرفٍ يزايد على الحقوق الفلسطينية، والثاني عدم رغبة كافة الأطراف السياسية في الكيان في أن ترث مواقف واتفاقات وقعت عليها حكومةٌ مستقيلةٌ منذ أشهرٍ.
وعلى ذلك، فإنَّه لا يمكن النظر بإيجابيةٍ إلى مستقبل التهدئة ومفاوضات إطلاق الأسرى، مع وضوح المؤشرات على أنَّ اليمين الصهيوني الذي عطَّل المفاوضات مع الطرف الفلسطيني وهو خارج السلطة، لن يجد صعوبة في وقفها وهو يقود الحكومة أو حتى يشارك فيها، وهو وضع بكل تأكيدٍ سيكون قائمًا في الكيان الصهيوني لسنواتٍ قادمةٍ.