حقًّا نحن نعيش في عهد "النقط.. بلا حروف"، أي عهدِ العبثية والضياع، والتناقض

المهاترات:

فاختلال المعيار أضحى صوابًا           والصوابُ الصريحُ شرُّ الشرورِ

 

ومعذرةً يا قارئي العزيز إذْ أصحبك لتلقي نظرةً على بعض هذه العبثيات التي تعيشها أمتنا في عهد الحزب الوطني الديمقراطي، حزب الأغلبية (؟!!).

*****

كم كنت أتمنى أن أسمع من السيد صفوت الشريف خطبةً، أو أقرأ له تحقيقًا صحفيًّا، أو أستمع له في برنامجٍ تلفازي.. كم كنت أتمنى أن يقول، ويُسهب اعتمادًا على عقلانيته، وأسلوبه، واعتداده بفكره واستقلاليته، لكنه- للأسف- لا بد أن يجعل "السيد حسني مبارك" هو العنصر الأساسي فيما يكتب، وفيما يقول: "وعملاً بتوجيهات السيد الرئيس، والتزامًا بالبرنامج الانتخابي للسيد الرئيس، واسترشادًا بحكمة السيد الرئيس... إلخ".

 

وأنا أتحدى، وأكررها مرةً ثانيةً وثالثة وعاشرة: أنا أتحدى مَن يُطلعني أو يدلني على حديثٍ للسيد صفوت الشريف خلا من ذكر السيد الرئيس حسني مبارك.

 

- مواكب الرؤساء والوزراء يا وطني الفقير الذي يتقاتل أبناؤه، ويسقط بعضهم قتلى أمام الأفران، وأكشاك بيع الخبز، تتكلف الآلاف وربما الملايين، من أجل افتتاح مشروع، أو القيام بزيارةٍ لقريةٍ معينة، وكان آخر هذه المواكب موكب رئيس الوزراء أحمد نظيف المنطلق إلى طلخا لافتتاح مشروع "قيل إنه جديد"، وبقدرته، وحاكمية قادتنا تحوَّلت الدقهلية إلى ترسانةٍ عسكرية، وحدثت تصادمات بين السيارات، وزادت قلوب الناس كراهيةً لهذا الحكم البغيض.

 

وللأسف تظهر كل فترة طوابير جديدة، وقتال جديد أمام مراكز توزيع أنابيب ألغاز، ولا يملك شعبنا إلا الصبر، والنكتة، فقد شاعت النكتة الآتية على ألسنةِ الشعب.

 

قيل إن علماء لجنة السياسات توصلوا إلى اختراعٍ يُوفِّر على الشعب المعاناة في الحياة وفي التعليم وفي السفر، وهو "خاتم" يُوزَّع على المواطنين، يدلكه المواطن فيخرج له عفريتٌ من الجن يقضي له حاجته دون عناء، ودعوا آلاف من الشعب لمشاهدةِ التجربة التي يقوم بها أمامهم شخصية مهمة في الحزب الوطني، وأمامهم دلك هذا المهم الخاتم فخرج له العفريت ودار بينهما الحوار التالي:

 

- شبيك.. لبيك.. عبدك بين إيديك.. أأمر تُطاع.. يا أمير القطاع.

- أنا عيزك.. وأنا قاعد هنا.. تجيب لي 20 رغيفًا.

- فهاج العفريت وصرخ:

- يخرب بيتك.. أنت اللي خرجتني من طابور العيش!!

 

******

- الدكتور جمال عبد السلام ابن الإسلام، والعروبة، ومصر الكنانة، عاش على قيم الإسلام، والعمل على إنقاذ أهل غزة وفلسطين من الفقر والجوع والحاجة، فرصد سنواته لأداء هذه الرسالة، مضحيًا بوقته وجهده ومصالحه الخاصة في سبيل الله والمستضعفين، وذوي الحاجات من ضحايا العدوان الصهيوني الغادر.

 

وفوجئنا باعتقال الرجل، وتلفيق تهمة تكوين خلية إرهابية سرية لضرب الحكم، أو قلبه، إلى آخر هذه العبثيات، وأنا أقول لحبيبنا، وحبيب المسلمين، لا عجبَ أن يمنَّ الله عليك بهذه المحنة، ولا تعجب:

فاختلال المعيار أضحى صوابـًا   =     والصواب التمام شر الشـرورِ

والنقيُّ الشريف في السجن يُلقىَ  =  بينما اللصُّ في النعيم النضيـر

والخئون اللئيم يُدْعى أمينـــا  =     والأمينُ النبيلُ جِــــدّ خطيــر

غيرُ مستغَْربٍ. فهذي أمـــورٌ =   عكسها فتنةٌ وضدُّ المسيــــرِ

فزمامُ الأمورِ في كفِّ أعمــى  =   أسودِ القلْب مستباحِ الضميـــر

والعمى ليس في العيون ولكـنْ  =  في قلوبٍ مطموسةٍ في الصدور

******

وأخيرا رأينا السيدين صفوت الشريف وجمال محمد حسني مبارك يظهران فجأةً، وتُسلَّط عليهما الأضواء في صحبةٍ ما قيل إنه قوافل إغاثة يهديها الحزب الوطني لأهل غزة، وسمعنا للسيد جمال محمد حسني مبارك خطابًا يهاجم فيه "إسرائيل"، وقد قطب ما بين حاجبيه (دليلاً على الجدية)، ونحن نسأل السيدين المحترمين جدًا: أين كنتما من قبل؟.

 

ولكن الذي يرفضه كل عاقل أو كل إنسان يعتز بقيمته الذاتية والوطنية ما رأيناه من السيد المحترم جدًّا صفوت الشريف في زيارتهما لأحد المستشفيات في رفح المصرية، والشاهد هنا أن السيد صفوت مال على أحد الجرحى بوجهٍ باشٍ وهو يقول له إن الحزب الوطني.. حزب الأغلبية (؟؟؟!!!) يوجه قوافله إلى غزة، ونحن معكم دائمًا.

 

وأنا أسأل السيد صفوت: ما قيمة حزب الأغلبية هنا، حتى لو كانت أغلبية حقيقية؟ فما بالك وهي أغلبية مزيفة، لا مكانَ لها على أرض الواقع؟!

******

قرأت وما زلت أقرأ ما يكتبه السيد عاطف عبيد في أخبار اليوم كل سبت بعنوان "شهادة للتاريخ من د. عبيد حول سنوات حكم الرئيس مبارك".

 

قرأتها كلها وخرجت بملحوظتين، وإن شئت فقل بحقيقتين هما:

1- أن هذه المقالات كلها ليس فيها كلمة نقد واحدة لحكم الرئيس حسني مبارك، ولو على سبيل التلميح.

 

2- أن معطيات هذه المقالات يقودك إلى نتيجة، وهي أن الرئيس حسني مبارك هو المنقذ الأول لمصر من نكبات كانت محققة، أو- على الأقل- محتملة، وأن سياسته ارتقت بمصر إلى شأو بعيد جدًّا. 

 

ولو صحَّ ما ذكره عاطف عبيد لكانت مصر في عدادِ الدول الكبرى.

وهو نهج غريب عجيب يرفضه منطق العقل والواقع والمواضعات السياسية في كل أنحاء العالم.

(تنبيه بريء!!! في تقرير مكتوب أثبتت هيئة الرقابة الإدارية؛ وذلك في تقرير منظمة الشفافية الدولية التي تعني بمكافحة الفساد في مختلف دول العالم أن فترة حكومة الدكتور عاطف عبيد شهدت تجاوزات صارخة؛ حيث شهد عام 2003م آلاف قضايا الفساد ووصل حجم الكسب غير المشروع إلى 100 مليار جنيه، حسب ما جاء في إحصائيات الجهاز المركزي للمحاسبات في ذلك الوقت.

 

كما وصل حجم أموال الرشاوى إلى 500 مليون جنيه وحجم أموال غسيل الأموال أكثر من خمسة مليارات جنيه، وعزا التقرير تزايد معدلات الفساد وإهدار المال العام إلى ضعف النظام الحكومي والقصور السائد في العديد من القوانين والتشريعات، وبسبب تدهور الدور الرقابي الذي يمارسه مجلس الشعب، وكذلك الإفلات من العقاب والخلل الإداري، وتدهور الأداء الإداري للقيادات، ووجود علاقات مشبوهة، واستغلال مسئولين وموظفين كبار لنفوذهم للتربح بطريقة غير مشروعة).

 

******

وجَّه فضيلة المرشد العام للإخوان نداءً للأمة للتعبير عن تضامنها مع المقاومة الفلسطينية، وجعل يوم الجمعة  6/2/2009م يومًا لتحقيق ما يأتي:

 

أولاً: القيام بفعاليات عالمية عاجلة يوم الجمعة الموافق6/2/2009م؛ وذلك بهدف تحذير الصهاينة ومن وراءهم من مغبَّة القيام بتنفيذ تهديداتهم الإجرامية.

 

ثانيًا: الترتيب لفعاليات مستمرة تستهدف فك الحصار وفتح المعابر، وبخاصة معبر رفح بشكلٍ مستمر وكامل ودائم.

 

ودعا الإخوان للقيام بالتظاهر في هذا اليوم انطلاقًا من مسجد رابعة العدوية بعد صلاة العصر.
وبعدها فوجئنا بأحد الصحفيين يكتب: إن الاستجابة كانت ضعيفةً لدعوة عاكف إلى جعل الجمعة "يوم غضب".

 

وعزت مصادر قريبة من مكتب الإرشاد عزوف الإخوان عن الاستجابة لدعوة عاكف، إلى الأزمة الأخيرة التي تشهدها الحركة، بسبب الانتقادات الحادة، التي بدأت قطاعات ليست قليلةً من الشباب في توجيهها للمرشد العام، خاصةً تصريحاته الأخيرة، والتي وُصفت بأنها ألَّبت أجهزة الأمن عليها، وأدَّت إلى اعتقال أعدادٍ كبيرةٍ من كوادر الجماعة.

 

والواقع يُكذِّب في شدة هذا الزعم:

1- فالادعاء أن هناك انتقاداتٍ وانشقاقاتٍ لسياسة المرشد أصبحت ادعاءات سمجة ومستهلكة ولا يصدقها أحد.

 

2- خرج في القاهرة في جهات متعددة استجابةً لنداء المرشد عشرات الألوف من الإخوان، وعشرات الألوف في بلاد الجمهورية، وخصوصًا الفيوم؛ وذلك بشهادة أعداءِ الإخوان أنفسهم.

 

3- أغلقت الحكومة مسجد رابعة العدوية حرصًا منها على إفساد التظاهر، ولكن المظاهرة الواحدة تحوَّلت إلى مظاهراتٍ كل منها لا يقل عن عشرة آلاف.

 

4- أغلقت قوى الأمن مداخل القاهرة، وأصبحت القاهرة كغزة حولها حصار لا يفلت منه أحد.

 

5- توالت عمليات القبض العشوائي على مئات الأبرياء الذين كانت تهمتهم التعبير السلمي عن مشاعرهم.

 

6- وإني أسأل: هل في مصر من الزعماء والقادة ورؤساء الأحزاب الحكومية والمعارضة مَن يستطيع أن يوجه مثل هذه الدعوة، ويجد عشر معشار الاستجابة التي تحققت بنداء فضيلة المرشد؟.

 

وأنا أؤكد أن الدولة لو تركت الحرية لمَن يريد أن يعبر دون ضغط، أو إرهاب حكومي، لتجمَّع مئات الألوف من الإخوان ليعبروا عن مشاعرهم استجابةً لمرشدهم.

 

وتأكيدي هذا لم يأتِ من فراغ، فقد رأينا من قِبل قرابة مليون في جنازة الأستاذ مصطفى مشهور رحمه الله.

******

سألني حفيدي عن أسماء الأحزاب المصرية، ورؤساء هذه الأحزاب، فأوقعني في حرج؛ لأنني- وأقولها بصراحة- لا أعرف من أسماء هذه الأحزاب إلا حزبين هما حزب (الوفد) المختلف على رئاسته بين محمود أباظة ونعمان جمعة، وحزب (الأمة) التي يرأسه أحمد الصباحي، وهو في جوار الله الآن.

 

ومن أعجب العجب أن حزب الوفد الذي رأسه سعد زغلول ثم مصطفى النحاس، كان يوصف دائمًا بأنه حزب الأمة، أي حزب الأغلبية، وهي أغلبية حقيقية، ولا ننسى أن من أشهر كلمات سعد زغلول: الحق فوق القوة، والأمة فوق الحكومة.

 

أما حزب الأمة الصباحي فإن عددَ مجلس إدارته يفوق عدد أعضائه، وحكومتنا الرشيدة تباهي دائمًا بأن مصر بلد الحرية؛ لأن فيها عشرين حزبًا معارضًا.

 

وهدف الحكومة من هذا التعدد أن "تتشعبط" على هذه الأحزاب عند اللزوم، وأضحك حينما أتذكر أن بطلاً في أحد الأفلام أراد أن يكسب قلب فتاته، فاستأجر شابًا قويًّا فتيًّا ليقوم بدور المضروب المهزوم أمامه  (وكان فريد شوقي إن لم تخني الذاكرة)، وأمام حبيبة القلب افتعل الفتى الرقيق خناقةً مع الفتوة فريد شوقي، فكال له من اللكمات في وجهه ما يجعله يسقط على الأرض من كل لكمة، وانفتح قلب الفتاة للفتى الرقيق، ولكنه كشف نفسه في اللكمة الأخيرة إذ وجهها للفتوة المضروب فأخطأت وجهه، فأمسك بيد الفتى ووضعها أمام وجهه لتأخذ اتجاهها الصحيح في وجه هذا الفتوة المستأجَـر. وهنا كشفت الفتاة أن المسألة تمثيل في تمثيل، وفسدت الخطة إلى الأبد.

 

******

وما قدمتُ إنما هو قليلٌ من كثيرٍ جدًّا من العبثيات التي تعصف بوطننا الحبيب في ظل الحكم المباركي.. حكم الحزب (أو الحزن) الوطني الديمقراطي.. حكم لجنة السياسات الجمالية الحسنية المباركية.

وأخيرًا أسأل: متى يكون للنقط حروف حتى تؤدي معناها، وتُعبِّر عن مضمونٍ سديد؟؟؟.

---------------

*

Komeha@Menanet.net