![]() |
|
د. حلمي محمد القاعود |
والعدو الذي أعنيه هنا هو العدو المباشر في فلسطين المحتلة، وغير المباشر في أوروبا وأمريكا.
العدوُّ بنوعيه استراح إلى صمت الحكومات العربية واستسلامها الكامل لإرادته، واكتفائها في أفضل الأحوال بالكلام الماسخ الذي لا لونَ له ولا طعمَ ولا رائحة، يستوي في ذلك ما يُطلَق عليه دول الممانعة ودول الاعتدال أو الاعتلال، ولا مناص من أن تقوم الشعوب العربية والإسلامية بواجبها لمعاقبة العدوِّ وإيلامه وفق منهج عملي دائب ومستمر؛ حتى يخضع للحق ويقبل به ويستجيب لنداءات القانون الدولي الإنساني ويكفَّ عن العدوان والأذى.
لا أمل في الحكومات العربية ولا سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود؛ التي أعلن رئيسها في قلب المجزرة أن السلطة لن تلاحق مجرمي الحرب اليهود أمام المحاكم الدولية في أوروبا أو غيرها.
الأمل معقود بمشيئة الله على أصحاب الضمير في الشعوب العربية والإسلامية وأحرار العالم؛ للعمل على تقديم مجرمي الحرب إلى المحاكم المحلية والدولية والتحقيق معهم ومحاكمتهم وفقًا للقانون الدولي وحرمانهم من التمتع بحرية الحركة وارتكاب الجرائم معًا.
إن مجرمًا يهوديًّا نازيًّا مثل "أفيجدور ليبرمان" يتكلم بغطرسة عن إبادة غزة بالسلاح النووي، ويقول في محاضرة ألقاها أمام طلاب جامعة بار إيلان، نقلها التلفزيون اليهودي يوم 13/1/2009م: إن اليهود لن يكونوا في أمان ما دامت حركة حماس تحكم قطاع غزة، وإن الحل موجود؛ حيث يجب العمل بالضبط كما فعلت الولايات المتحدة مع اليابان في الحرب العالمية الثانية، وبالتالي لا داعي لاحتلال قطاع غزة، فهذا الحل يُنهي وصف العالم للكيان الصهيوني بأنه دولة احتلال، وفي مجزرة غزة طالب هذا الغريب العربيد القادم من روسيا بضرورة الاستمرار في الحرب حتى يتم القضاء على حماس.
هذا المجرم يعبِّر عن إرادة يهودية نازية مجرمة تشمل اليهود الغزاة الغاضبين جميعًا، دعكم من التفرقة بين اليمين واليسار، فالأغلبية الساحقة تؤمن بما ورد في التوراة المحرفة من ضرورة قتل الأغيار وسحقهم وبقر بطون حواملهم، ونهب أموالهم، وتدمير بيوتهم، ومعاملة من يبقى حيًّا معاملة الحشرات!.
الذين يظنون أن العدو يمكن أن يتفاوض من أجل سلام حقيقي خاطئون وواهمون، فمنذ ذهب السادات إلى القدس قبل ثلاثين عامًا أو يزيد لم يتحرك الموقف قيد أنملة نحو سلام حقيقي، ولم تسكت الآلة العسكرية النازية اليهودية عن القصف والقتل والدمار، وكانوا قبل أن يذهب إليهم السادات ويوقع معهم اتفاقيات كامب ديفيد يقولون: نحن نريد السلام والاعتراف والعلاقات الطبيعية، ومنحهم العرب كل ذلك، واعترف بهم ياسر عرفات، وأعلن محمود عباس انتهاء المقاومة، ولكنهم قتلوا الأول ولم يعطوا الآخر شيئًا مع أنه تفاوض معهم ويتفاوض إلى ما لا نهاية.. كل ما جرى ويجري هو نزع عناصر الرجولة والنخوة والشهامة من سلطة رام الله!.
لا أمل إلا في الله أولاً، ثم الشعوب العربية والإسلامية وأحرار العالم، لنوجع العدو بطريقة هادئة وبلا قذائف عسكرية أو صواريخ أو طائرات؛ لأننا لا نملكها.
وقد قام نفر من المختصين في العالم الإسلامي وأوروبا بالإعلان عن عزمهم على تقديم مجرمي الحرب النازيين اليهود إلى المحاكم المحلية في أوروبا وحرمانهم على الأقل من الوصول إلى العواصم التي توجد فيها هذه المحاكم، وهو أمر لا بأس به، وكان بعض الناشطين في مجال القضايا الإنسانية قد طالبوا بالقبض على الجنرال احتياط "دورون ألموج"، وهو مجرم نازي يهودي، وعندما وصلت طائرته إلى لندن قبل ثلاثة أعوام ونصف العام، أُرغِمَ على الهروب بعد هبوط الطائرة بوقت قصير؛ لأن معلومةً وصلته عن أمر مفاجئ أصدره قضاة لندن بالقبض عليه بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
كما عرضت قضية اغتيال القائد العسكري لحماس "صلاح شحادة" مع أربعة عشر مدنيًّا فلسطينيًّا من بينهم تسعة أطفال عام 2002م في ضواحي غزة أمام المحاكم الإسبانية، وقد أعلن قاضٍ إسبانيٌّ بالمحكمة الوطنية الإسبانية في 29/1/2009م عن فتح هذه القضية المتهم فيها سبعة من قادة العدو، من بينهم وزير الحرب السابق "بنيامين أليعازر" بارتكاب جرائم حرب؛ مما أدى إلى أزمة بين العدو وحكومة إسبانيا، وإن كان الغزاة النازيون اليهود حاولوا في الكواليس الالتفاف على طلب القاضي الإسباني وإقناع الحكومة الإسبانية بإلغاء قانون جواز محاكمة مجرمي الحرب أمامها، وهو ما نقلته وكالات الأنباء على لسان وزير الخارجية الإسباني (ميجيل موراتنيوس)، من أن حكومته ستقدم تشريعًا يمنع المحاكم الإسبانية من محاكمة مجرمي الحرب الأجانب!.
وكان موضوع مشابه قد جرى أمام المحاكم البلجيكية عام 2001م لمحاكم مجرم الحرب النازي آرئيل شارون رئيس الوزراء السابق؛ بسبب المذابح التي قام بها في صبرا وشاتيلا عند غزوه لبيروت عام 1982م، واستطاع اليهود الغزاة أن يضغطوا على الحكومة البلجيكية لتغيير القانون، وتحقق لهم ما أرادوا، ولكن بقي الخوف من تكرار الأمر في مكان آخر!.
وإذا كان أحرار العالم مهيَّئين الآن لبذل الجهود في هذا السياق؛ فينبغي على طلائع الأمة في شتى الأقطار أن ينهضوا ويتضامنوا لملاحقة مجرمي الحرب، وطلب المساعدة المالية من الشعوب الإسلامية، فالخيِّرون كثيرون، وأكثر نخوةً من الحكومات التي ماتت منذ ستين عامًا أو يزيد.
ولكن علينا قبل أن نلاحق المجرمين النازيِّين اليهود أمام محاكم الدول الأخرى؛ أن نبدأ بملاحقتهم أمام المحاكم العربية؛ حتى لا يتاح لمجرم يهودي نازي أن يتجوَّل في عواصمنا، ويجرح بفظاظة مشاعرنا وأحاسيسنا، فاليهود الغزاة يملكون من الصفاقة والبجاحة قدرًا غير محدود.
نريد أن نحرم المجرمين من تلويث أراضينا، والتمتع بتسامحها وطيبتها، نريد أن نحصرهم في الكيان المغتصب حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.
أما ما نعاقب به العدو المباشر وغير المباشر، ونوجعه في مفاصله؛ فهو مرهون بإرادة شعوبنا وعزيمتها، وهو ما سنعالجه في المقال القادم إن شاء الله.
---------
