![]() |
|
د. كامل عبد الفتاح |
أصدر سعادة المستشار إبراهيم الصغير يعقوب رئيس دائرة فحص الطعون في المحكمة الإدارية العليا، ثلاثة أحكام في قضايا شغلت الرأي العام؛ حيث أيَّد تصدير الغاز إلى الكيان الصهيوني مُحتجًّا بأن قرار بيع فائض الغاز إلى دول شرق البحر المتوسط- ومنها الكيان الصهيوني- صدر من الحكومة بوصفها سلطة حكم في نطاق وظيفتها السياسية مما يدخل في أعمال السيادة التي استقرَّ القضاء الدستوري والإداري والعادي على استبعادها من رقابته.
كما أكد أحقية قوات الأمن في البقاء داخل الحرم الجامعي، وألغى حكم محكمة القضاء الإداري الصادر بإلغاء وجودها، وقال إن حكم القضاء الإداري تطرَّق إلى شأنٍ آخر لم يرد في طلبات المدّعين الأصلية.
وأخيرًا أيَّد قرار رئيس الجمهورية منعَ دخول قوافل المساعدات الإنسانية قطاع غزة، وقالت المحكمة في أسباب حكمها إن مرور مواد الإغاثة وصنوف المساعدات من دولةٍ إلى أخرى، سواءٌ من خلال أراضيها أو عبر حدودها، حتى وإن جمعتهما رابطة جغرافية أو دينية أو فكرية واحدة، يتعيَّن ألا يكون مخالفًا لأحكام القانون والقانون الدولي، ولا يهتك سيادة الدولة على إقليمها وحدودها، أو خرقًا للإجراءات والنظم التي أسَّسها لذلك، ويتعيَّن ألا تكون الدوافع- وإن كانت نبيلةً بمد يد العون بمواد الإغاثة- مسوغًا للمساس بسيادة الدولة على حدودها، وخرقًا لنظامها الموضوع في إيصال هذه المواد إلى البلد المنكوب، حتى وإن كانت تتماس مع بلدٍ لا يزال يعتدي على أرضه عدوٌّ لا يبالي بقيمٍ أو أخلاقٍ، ولا أمانةٍ له في حفظ العهود وصون العقود.
ولسنا هنا بصدد التعليق على أحكام القضاء؛ فالقانون لا يعطينا الحق في ذلك؛ فنحن على يقين أن سعادة المستشار قد وجد في القانون ما يؤيد حكمه، رغم عدم تحقيق العدل!!.
فالقاضي يحكم بالقانون فقط، ولا يعنيه إن تحقَّق العدل أم لم يتحقَّق، وإذا كان القانون لا يحقِّق العدل فالعيب في القانون لا في حكم القاضي، ونحن نشكر سعادة المستشار الذي لفت أنظارنا إلى أن هناك قوانينَ تُبيح الظلم؛ لذا يجب أن يسعى المختصون إلى تغيير تلك القوانين التي لا تحقِّق العدل.
وإذا أعطى القانون الحكومة الحق- بوصفها سلطة حكم، في نطاق وظيفتها السياسية، مما يدخل في أعمال السيادة- في تصدير الغاز إلى عدوٍّ لا يُبالي بقيمٍ ولا أخلاقٍ، ولا أمانةَ له في حفظ العهود وصون العقود، وإذا كان من حقِّها أن تهدر ثروات البلاد وتدعم الأعداء الذين يقتلون الآمنين، وإذا كان من حقِّها أيضًا أن تمنع مواد الإغاثة وقوافل المساعدات من خلال أراضيها أو عبر حدودها، وتمنع إيصال هذه المواد إلى البلد المنكوب، رغم ما يجمعهما من روابط جغرافية ودينية وفكرية واحدة؛ احترامًا لأحكام القانون الدولي.. فليذهب القانون الدولي الظالم إلى الجحيم.
وإذا كان القانون يعطي الحكومة تلك الحقوق الجائرة- وهي من أعمال السيادة- بلا رقابة من السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية فليُغَيَّر ذلك القانون، أم أن أعمال السيادة تعطي السلطة التنفيذية الحق في إهدار الثروات ومساعدة الأعداء وحصار الأصدقاء دون معارضة من أحد، وكأنه حق إلهي لا يجوز المساس به؟!.
ويشغل المستشار إبراهيم الصغير- الذي يبلغ من العمر ٦٥ عامًا- رئاسة دائرة فحص الطعون في المحكمة الإدارية العليا، بعد أن شغل لعدة سنوات منصب رئيس إدارة فتوى رئاسة الجمهورية (الإدارة المختصة بحسم النزاعات الإدارية التي تكون "الرئاسة" طرفًا فيها مع أية جهة أخرى).
فالمادة 173 من الدستور تنص على أنه "يقوم على شئون الهيئات القضائية مجلس أعلى يرأسه رئيس الجمهورية"، ورئيس الجمهورية- حسب الدستور- هو رئيس السلطة التنفيذية، معنى ذلك هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، والقانون رقم 46 لسنة 1972م الخاص بالسلطة القضائية منح السلطة التنفيذية في العديد من مواده حقَّ السيطرة على السلطة القضائية، رغم أن الدستور في المادة 166 ينص على أن "القضاة مستقلون.. ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضايا أو في شئون العدالة".
فوزير العدل جزءٌ من السلطة التنفيذية التي تلتزم بتنفيذ سياسات الدولة، وامتدادُ سلطته لتشمل ندب القضاة والتفتيش عليهم وخضوع رجال النيابة ورؤسائهم لقيادته فيه سيطرةٌ من السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، بل إن وضع سلطة التأديب للقضاة في يد وزير العدل يُمثِّل رعبًا للقضاة إن لم يلتزموا بما تقرره الدولة.
ورئيس الجمهورية (رئيس السلطة التنفيذية حسب الدستور) هو المتحكم في تعيين وترقية القضاة في وظائفهم القضائية، بالإضافة إلى ترأسه المجلس الأعلى للهيئات القضائية حسب الدستور أيضًا؛ مما يوحي بأن الدستور يحمل نصوصًا تتعارض مع ما نصَّ عليه من استقلال القضاء، وتجعل نصوص القانون 46 لسنة 72 سيفًا مُصْلتًا على رقاب القضاة؛ لذلك يُطالَب القضاة بالآتي:
أولاً: إلغاء لفظ المجلس الأعلى للهيئات القضائية، وأن يستتبعه إلغاء المجلس، وأن يكون المجلس الأعلى للقضاء خالصًا للقضاة دون تدخل عناصر غريبة على القضاة.
ثانيًا: الاستقلال المالي للقضاة بعمل موازنات مستقلة للقضاة.
ثالثًا: أن يتحوَّل تبعية إدارة التفتيش القضائي من الولاء للسلطة التنفيذية إلى مجلس القضاء الأعلى، وأن يُلغَى نص عدم الطعن على قرار المحكمة التأديبية للقضاة، وأن يكون التأديب بناءً على تحقيق تجريه إدارة التفتيش القضائي، لا بناءً على طلب وزير العدل، وأن يكون تعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا بيد القضاة وحدهم عن طريق المجلس الأعلى للقضاء، وأن يُلغَى النص الذي يخوِّل لرئيس الجمهورية أن يختار رئيس محكمة النقض من بين نوابه.
رابعًا: أن يُعيَّن النائب العام بناءً على ترشيحٍ من مجلس القضاء الأعلى من بين نواب رئيس محكمة النقض ومَن هم في درجتهم، على أن تُراعَى الأقدمية وتقارير الكفاءة والدرجات العلمية التي نالها، وإلغاء تبعية أعضاء النيابة والنائب العام لوزير العدل، وبذلك طالب القضاة ضمنًا (بإلغاء قانون السلطة القضائية أو تعديله بما يتناسب مع استقلال القضاء)، وطالبوا بإلغاء النصوص الدستورية التي تمنح رئيس الجمهورية الولاية على السلطة القضائية.
خامسًا: إلغاء المادة 88 من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972م الذي نص على أنه "يجوز ندب أعضاء مجلس الدولة كل الوقت أو في غير أوقات العمل الرسمية، أو إعارتهم للقيام بأعمال قضائية أو قانونية لوزارات الحكومة ومصالحها أو الهيئات العامة أو المؤسسات العامة؛ وذلك بقرارٍ من رئيس مجلس الدولة"؛ وذلك لأن تلك المادة تجعل من السيد المستشار عضو مجلس الدولة (الذي يُوافَق على انتدابه للقيام بأعمال قضائية أو قانونية لصالح الحكومة) قاضيًا حاكمًا بين الحكومة والأفراد في ساعات العمل الرسمية، وبعد انتهاء هذه السويعات يتحوَّل القاضي إلى محامٍ للحكومة التي كانت خصمًا أمامه، والحكومة ليست في حاجة إلى أولئك المستشارين؛ لأنها تملك جهازًا قانونيًّا هو جهاز هيئة قضايا الدولة، ولها أن تستعين برجال القضاء السابقين وأساتذة القانون وعلماء المحاماة.
سادسًا: تعديل المادة 103 من القانون 47 لسنة 1972م؛ لأنها تجعل ترقية أعضاء مجلس الدولة بيد المجلس الأعلى للهيئات القضائية الخاضع لرئيس الجمهورية، ولأنها تنص على أن قرارات المجلس الأعلى للهيئات القضائية نهائية ولا يجوز الطعن عليها.
ونظرًا لأن السلطة التنفيذية طرفٌ في القضايا التي حكم فيها سعادة المستشار إبراهيم الصغير لصالح السلطة التنفيذية التي تملك محاسبة القضاة وترقيتهم ونقلهم ومكافأتهم ومجازاتهم؛ لذا نطالب مع القضاة باستقلال القضاء عن السلطة التنفيذية.
-----------
