في عصر الذل والخزي، يتلألأ نجم في سماء العزة والمجد.
في زمن الهوان والانهيار، يتألق كوكب بين كواكب العُلَى المجيدة.
في عصر الاستعمار والاستكبار، تزدان شمس السماوات الحميدة.
فمنذ أيام قلائل خرج علينا من يرفع المعنويات ويُعْلِى الهامات في زمن انكسرت فيه الإرادات، ومالت- أو بالأحرى انقطعت- فيه الرؤوس والأعناق، وظهر حفيد السلطان عبد الحميد الباصق في وجه الملعون الصهيوني هرتزل معلنًا أن ثمن فلسطين هو دماء المسلمين في كل الأوقات وعلى مدار العصور والأزمان.
إن مواقف الإباء الأردوغونية جعلت صعاليك العرب من الأنظمة والحكام تتقزم وتنحسر وكأنها من الميكروبات المجهرية، أو من البرك المجففة من مائها العفن والنتن.
وحين تسمع زعيم الأمة العثمانية يهين من يستحق الإهانة، ويحجم كذاب اليهود والصهيونية، في مؤتمر ما قام إلا لمحاربة المسلمين ودينهم الرباني القويم، تعلم أن هذا الدين عظيم، وأن هذه الأمة فيها وبها الخير كل الخير.
فعلى الرغم من الضربات المتوالية والمتلاحقة والمنْكَبَة على كل أجزاء هذه الأمة وشعوبها المكلومة والحزينة، يطلع علينا طيب السيرة والسريرة، من قَلَ مِثْلُهُ، وعظم أمره، لِيُعَلِمَ خنازير البشر كيف يتكلمون مع أسيادهم، وكيف يتعاملون مع حفيد خالد وعمر والمثنى في هذا الزمن الغابر المُتَعَثِرْ.
وبعد الانتساب لهذه القافلة العظيمة التي بدأت بمحمد بن عبد الله- صلى الله عليه وسلم- ومرت بابن عبد العزيز والرشيد ومحمد الفاتح، يأتي الدور على الأفعال مع قليل الكلام، إذ إن أمتنا أمة أعمال تُصْلِح بها الدنيا والدين، وتُخْرِج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جَوْرِ الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، وتُسَيَرَ بها العالم لِتَلِج بما صَلُحَ منه جنات ٍ عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
إن الانتصار للحق والعدل في عصر كعصرنا العاثر المعاصر يشبه مواجهة الوحش الكاسر المتوحش، أو الوقوف أمام أمواج الطغيان الظالمة والمظلمة، وهذا مما يعطي لهذا الانتصار الحظ الوافر من الشعبية الجماهيرية، ومن الرضى الأممي العربي والإسلامي، ومن المعلوم أن أفعى اليهودية تعودت- في أيامنا هذه- على اللدغ العضوي، والإهانة التلاسنية، دون رادع، أو وجل، أو خوف من عتاب، أو ردود أفعالٍ، ولكن يتوقف الزمان، ويُغَيَرُ بوصلته، لِيَعْدِل الكفة والميزان بما يتناسب مع الفطرة السليمة، والحق والحقيقة، فَيَرُد الكلمة بصفعةٍ، والملاسنة بهجمة، واللدغة بِقَتْلَة، تجعل العدو المتصهين وأعوانه وأذنابه من مهاليك الذل والهوان، ومن مندحري الخزي والخذلان.
ولعل ما قام به الطيب التركي منذ العدوان على محاصري غزة الأبية، إلى لَطْمَتِهِ القوية والمدوية على وجه الصهيوصليبية العالمية المستأسدة على مستضعفي المسلمين في مؤتمرهم الدافوسي الخبيث، جعلت أوراق التوت المترهلة تنكشف وتنحسر، فيتكشف خلالها ومن ورائها العورات والسوءات الممقوتة لمن دافع عن العدو، وهادنه، وتمالأ على الجهاد والمجاهدين، وشارك في الحصار، بل وساهم في نقل المعلومات الاستخباراتية والحيوية عن المقاومة والمقاومين قبل، وأثناء، وبعد حرب غزة الفرقانية، وأخيرًا يتعاون مع الاستكبار العالمي في مراقبة الحدود والأنفاق ظانًا منه بأن هذه الخسائس من مقدمات فروض الولاء والطاعة الحافظة له ولكرسيه المرتعش والمتأرجح، وأضحت هذه النهضة والهبة من السمات الرئيسية، ومن القسمات الأساسية لمن التزم بمبادئ الإنسانية، والفطرة البشرية القويمة، التي اتسقت مع عقيدتنا السليمة، وتناسقت مع عباداتنا الصحيحة، بما يُعْلِى في بناء الهدف العالمي الإسلامي الضخم، وبما يصل بالمرء إلى غايته الربانية العظيمة.
إن واجب الأمة بعد هذه المواقف المحسوبة لصالح قضاياها الجوهرية والأساسية أن تقوم بالخطوات المتعاقبة والمتوالية بدءًا من الالتفاف حول من يتبنون قضاياهم من خلال التعضيد الجماهيري، مع فضح الأنظمة المتخاذلة والمتمالئة على أمتنا ودعوتنا لصالح كراسي غير شرعية، وأموال وثروات محرمة ومنهوبة، ثم العمل على رفع الظلم عن إخوتنا في الدين والعقيدة من خلال رفع الحصار، وفتح مجالات العبور والعون في المجال الإنساني والاقتصادي والعسكري بما يجعل مجال الردع والحسم في جانب أحفاد البنا، وأبناء ياسين والرنتيسي، وإخوان صيام وأبو شنب والزهار، ولا يفوتنا مع ذلك مقاطعة الأنظمة الصليبية الحاقدة والتي أعلنتها- سرًّا وعلانية- بأنها حرب صليبية لم تقم إلا على أساس من ليس معنا فهو ضدنا، وكأنهم يُصَدِقُوْنَ على قوله سبحانه وتعالى ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: من الآية 120)، وقوله تعالى ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: من الآية 217)، فهذه حقيقة نعلمها ونعيها. وتمثل عزاءنا لما يتعرض له الإسلام والمسلمين مـن مصادرة للفكر، واستباحة للأرض والعرض، ومن قتل، وسجن، وتشريد، فهذا كله يمثل الضريبة الطبيعية للدعوة إلى الله والجهاد في سبيله.
ومن الواجب أن يغلف ذلك كله الدعاء المتواصل مع رب السماوات والأرض وما بينهما، لعله يرضى عنا، ويحول الحال إلى غير الحال، ويعز الإسلام والمسلمين، ويعلي بفضله كلمة الحق والدين، ويذل الشرك والمشركين، بقوله كن فيكون، فهو البصير، العليم، الخبير بحالنا وأحوالنا التي فاقت كل الأحوال، وتجاوزت كل الحدود، وأصبح وأضحى كلاب الأرض وخنازيرها يتعالون ويتنادون ليلتهموا أصحاب هذا الدين الحنيف الخاتم، لعلهم بذلك يطفئون نور الله بأفواههم العاجزة الضعيفة، أو يسكتون صوت الإسلام الذي يقض مضاجعهم، ويغزوهم في عقر دورهم، مسببًا فناء باطلهم، وهلاك مرادهم، ولكن هيهات، هيهات، أن يحصلوا على مأربهم، أو أن ينالوا مطلبهم فلقد صدق العزيز الحكيم حين قال ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾ (الحجر).
إن استقبال الأبطال الفاتحين لأردوغان وبطانته الحميدة جعلتنا نحس أن قلب الأمة ما زال ينبض، وأن الأمل ما زال يداعب ألبابنا، وأن البشريات أصبحت قوية وظاهرة، فالخلافة مع أستاذية العالم قاربت على الوضوح والظهور بما يُعِيْد للعالم كيانه التائه، وروحه المكبوتة، وأمله المفقود، وعندها يتمثل قوله عز وعلا ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14)﴾ (إيراهيم).