قال الدكتور عبد الله فهد النفيسي أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت إن الشعوب والحكومات العربية بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى رؤية إستراتيجية فيما يتعلَّق بالحرب على غزة؛ "وذلك حتى لا يقل حماسنا ونعود إلى مشهد حياتنا المعتاد وننسى الحرب على غزة كما نسينا من قبل دير ياسين وبحر البقر وقانا، وكل المذابح التي اقترفها الاحتلال ضد شعوبنا العربية".
وحذَّر في محاضرةٍ بجمعية الإصلاح في البحرين من استمرار تعامل العرب مع قضاياهم المصيرية وفق منطق العاطفة والانتفاضة المؤقتة التي لا يمكنها تغيير المشهد الإستراتيجي الراهن قائلاً: "إن المناصرة والدعم المادي مطلوب، ولكنه لا بد أن يتأسس على رؤية إستراتيجية ومنطق سياسي".
وأكد النفيسي أن قضية العرب والمسلمين ليست مع الاحتلال الصهيوني، وإنما مع المشروع الاستعماري الغربي الذي يمده بكل أسباب الحياة، بعد أن أسسه ككيان وظيفي يدافع عن المصالح الإستراتيجية للدول الغربية الكبرى.
وأشار إلى أن العلاقة بين هذا المشروع الغربي والعالم الإسلامي قد مرت بخمس مراحل؛ هي: الأولى: الحملات العسكرية العنيفة التي أفرغت بارودًا كثيفًا على شعوبنا؛ بدءًا من الحملة الفرنسية والحملات البريطانية والأوروبية التي تلتها.
والثانية: التجزئة: حيث قامت الدول الاستعمارية باحتلال منطقتنا وإسقاط الخلافة العثمانية وتجزئتها إلى دول كثيرة.
الثالثة: التغريب: حيث قام المشروع الغربي بصناعة نخب متعلمة ومثقفة مقطوعة الصلة عن عروبتها وإسلامها، وتتبنَّى نمط الحياة الغربي.
الرابعة: مرحلة الإلحاق الاقتصادي: حيث كان القطن المصري يدعم صناعة النسيج في بريطانيا، والكروم الجزائري يدعم صناعة النبيذ في بريطانيا، والنفط الخليجي يدعم الاقتصاد الغربي لا اقتصاد بلاده.
أما المرحلة الخامسة- بحسب النفيسي- فتتمثَّل في تأسيس الكيان الصهيوني في فلسطين من أجل الحفاظ على منجزات المراحل الأربعة السابقة.
ورأى عالم السياسة الكويتي أن الحرب على غزة كان لها هدف رئيس مثل كل الحروب السابقة خلال سنوات 1948، و1956، و1967 و1982، و2006م، ويتمثَّل في ضرب أية محاولات للمقاومة وتغيير المعادلات القائمة في عالمنا العربي، وتزامن مع ذلك ضرب أية محاولات أخرى للتطوير والصناعة، ولعل النموذج الأبرز على ذلك ما جرى مع نجم الدين أربكان في تركيا الذي فكَّر في صناعة ذخيرة للأسلحة الخفيفة، فوقف حلف شمال الأطلسي وراء محاولة انقلاب ضده وتمت الإطاحة به وسجنه!.
ودعا النفيسي إلى ضرورة التمعن في الأدبيات السياسية للكتاب والمُفكِّرين الصهاينة، قائلاً: "إن هناك نموذجين منها لا بد أن نتوقف عندهما؛ لما فيهما من دلالات لا تخفى على أحد: الأول: كتاب "جواسيس جدعون" لجوردان توماس الذي يتناول فيه دور الموساد في العالم العربي، مؤكدًا أن الانتصارات الصهيونية لم تكن بسبب التفوق الصهيوني، بل بنجاح الموساد في اختراق العالم العربي والتنسيق مع أجهزة وزعامات عربية.
أما النموذج الثاني للكتابات الصهيونية فهو كتاب: "العقل العربي" لهوتشفات هركابي الأب الروحي لرابين وبيريز وباراك، والذي يشدد على ضرورة عدم قيام مواجهات أخرى مثل حرب 1973م التي شهدت روحًا معنوية عربية غير معتادة ومنجزات تفوق الوصف في الميدان، داعيًا إلى حل جميع القضايا عبر عمليات تفاوض طويلة الأمد، ومضيفًا أن العربي ليس مثابرًا ويتسم بالحماسة اللحظية؛ "مما يجعلهم يسلِّمون كل الأوراق لنا بعد فترة من الزمن"!.
وأضاف أن الحرب الصهيونية على غزة تزامنت مع فترة الفراغ في الإدارة الأمريكية، وهدفت إلى تحقيق مكاسب انتخابية على حساب دماء ومقدرات الشعب الفلسطيني، كما سعت إلى استعادة هيبة جيش الاحتلال التي تضعضعت خلال حرب عام 2006م مع حزب الله في لبنان، لكن الأخطر من هذا كله يتمثِّل في التمهيد لتدخل حلف شمال الأطلسي في المنطقة، والذي أصبح يجول قبالة شواطئ غزة، وأصبح من الصعب اقتلاعه من منطقتنا.
وفي ختام محاضرته دعا النفيسي إلى دعم المقاومة شعبيًّا وحكوميًّا وإلغاء ورقة التفاوض؛ على اعتبار أن الأطراف الصهيونية والغربية لا يهمها تحقيق نتائج فيما يتعلَّق بإعادة حقوق الشعب الفلسطيني بقدر ما يهمها استمرار "عملية التسوية"، واستمرار المقاطعة الشعبية للمنتجات الصهيونية والدول الداعمة للكيان، كما خاطب النواب المنتخبين في مجالس الشورى والنواب بدول مجلس التعاون الخليجي من أجل إصدار قانون يجرم التطبيع مع دولة الاحتلال.