ذاكرة الشعوب التي تحترم تاريخها ومقدراتها ذاكرة حديدية لا تنسى الأحداث بمرور الوقت؛ فهي تراقب ما يسطره التاريخ..
فالأمة التي تنسى تاريخها ولا تحتفظ بذاكرة يقظة طازجة أمة تفقد حاضرها.. فمن التاريخ ومن ذاكرة الأمة يتم استخلاص التجارب والعبر والاستفادة منها؛ ولذلك أعتقد أننا كشعب مصري:
لن ننسى تزوير إرادة الأمة وتزييف نتيجة الانتخابات ومن شارك وتواطأ ومن تقلد منصبًا لا يستحقه.
لن ننسى من سرق ونهب وهرب بالمليارات من قوت هذا الشعب خارج البلاد؛ بل ومن أطلق عليهم متعثِّرين، وتفاوض معهم لإعادة المسروقات!.
لن ننسى ترزية القوانين سيئة السمعة وأشهرها قانون 100 للنقابات، والذي به دخلت غالبية النقابات في نفق مظلم، ويا لعار مصر بلا نقابات مهنية منذ 14 عامًا!!.
لن ننسى من عبث بدستور مصر من أجل غرض في نفس الرئيس وزوجته!.
لن ننسى أن ممدوح إسماعيل هرب من مصر من صالة كبار الزوار؛ بحجة أنه ذاهب للعلاج وفي رقبته دماء "فقط وقدره 1300 مواطن مصري لا غير!!"، وأن التليفزيون المصري ذهب ليسجل معه في لندن ليقوم بدور أسوأ محلل في التاريخ!.
لن ننسى أن قانون الحبس الاحتياطي تم تعديله ولم يستفِد منه المعتقلون السياسيون، ولكن استفاد منه يوسف عبد الرحمن وراندا الشامي اللذين هربا من مصر بعد الحكم عليهما تاركَين خلفهما عشرات الآلاف من المرض بالسرطان والفشل الكلوي نتيجة مبيداتهم المسرطنة.
لن ننسى أن محمد الملاح رئيس نادي الشمس ورامي لكح وحاتم الهواري وعلية العيوطي والصفدي وهالة سرحان وسفاح بني مزار وسفاح المعادي.. كلهم هاربون!!.
لن ننسى أن الميتة والجيفة وبقايا القمامة أُحِلَّت لفقراء مصر من سنين وأن هناك 14% من الشعب المصري لا يتناولون وجبة العَشاء؛ ليس كنوع من الريجيم ولكن للفقر، طبقًا لتقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة!.
لن ننس أننا أكلنا القمح المسرطن وشربنا ماء المجاري..
لن ننسى أن القطار دخل على أهلنا في كفر الدوار وهم نائمون في منازلهم وأن سيدةً وقعت بها دورة المياة وماتت وهي تقضي حاجتها في القطار!.
لن ننسى أن هناك أكثر من 200 مصري مدني وعسكري كانوا عائدين من أمريكا ماتوا في المحيط بعدما تم إسقاط الطائرة البوينج التي تحملهم عمدًا وأن الجاني لم يحاسب حتى الآن.
لن ننسى أن هناك عشرات الألوف من أهل مصر أقاموا في المعتقلات لفترات متفاوتة من أجل رأي أو فكر.
لن ننسى انتشار الغلاء وارتفاع الاسعار بصورة لم يسبق لها مثيل، وأن سعر كيلو العدس وصل يومًا إلى 14 جنيهًا!.
لن ننسى أننا أخذنا صفرًا في المونديال وصفرًا في ترتيب الجامعات وصفرًا في الدورات الأولميبية، اللهم إلا من ميدالية أو اثنيتن!.
لن ننسى أننا وقَّعنا اتفاقية الكويز مع الكيان الصهيوني، وأننا صدَّرنا الغاز له!.
لن ننسى أننا شاركنا في حصار أهلنا في غزة!.
لن ننس أن مصر كانت أم الدنيا وأنها أصبحت آخر الدنيا!.
لن ننسى كهنة المعبد الذين يُحلّون الحرام للنظام ولا الأبواق المأجورة التي جعلت الخيانة بطولةً وزينت الفساد وجعلته إصلاحًا!.
لن ننسى تعليمًا تم تخريبه عمدًا من أناس هواة غير مؤهلين غير وطنيين؛ عبثوا به أيما عبث، يحذفون عامًا دراسيًّا ويعيدونه تارةً أخرى، ويُجرون تجارب على الثانوية العامة تُثبت كل يوم فشلاً مدويًا.
لن ننسى أطفالاً ماتوا في الحضَّانات لانقطاع التيار الكهربائي عنهم؛ لفساد في الإدارة وفي عملية الصيانة، وكذلك مرضى ماتوا بأكياس دم فاسدة.
لن ننسى عشرات الألوف من المصريين الذين قضوا أو جرحوا على طرق وشوارع بلادنا المحروسة؛ نتيجة تخطيط غبي وفساد في التنفيذ وفي الرقابة.
لن ننسى قانون الطوارئ الجاثم على صدورنا منذ 28 عامًا؛ ظهرت آثاره على جلودنا وحياتنا بل على الهواء الذي نتنفسه.
لن ننسى نواب التجنيد والنقوط والقروض والأراضي والكيف والتأشيرات ونواب سميحة!.
لن ننسى سحابةً سوداء نجاهد من سنين لمكافحتها ونفشل في التخلص منها، والمذهل أننا نتجه لبناء مفاعل نووي!.
لن ننسى ضياع ريادتنا في إفريقيا وتقزيم دورنا عربيًّا يومًا بعد يوم؛ ناهيك عن وضعنا على المستوى الدولي.
لن ننسى الحزب الوطني الذي ظلمنا وقهرنا وجوَّعنا وأرجع مصر عشرات السنين للخلف وباع رموزُه البلد بالمتر لمن يدفع أكثر!.
لن ننسى 48 طفلاً قُتلوا من أطفال الشوارع على أيدي عصابة التوربيني، وأن هناك آلافًا من أطفال الشوارع يقضون ليلهم ونهارهم في الحر والبرد في الشوارع بكل قسوة وبدون رحمة!.
لن ننسى أن نسبة الأمية في بلادنا 45%؛ يدَّعون محاربتها وهي تزداد كل يوم!.
لن ننسى أن هناك ملايين من المصريين مصابون بالبلهارسيا وفيروس سي والسكر، ومن نجا منهم مصاب بضغط الدم!.
لن ننسى أن مئات من شباب مصر ماتوا غرقًا على شواطئ أوروبا هربًا من جحيم البطالة في مصر وبحثًا عن لقمة العيش.
لن ننسى أن الآلاف ماتوا حرقًا كأعواد الثقاب المشتعلة في قطار الصعيد وقصر ثقافة بني سويف، وأن الحرائق التهمت جزءًا من تاريخ مصر في مجلس الشورى والمسرح القومي.
لن ننسى أن مئات من المصريين دُفِنوا أحياء في تحت أنقاض الدويقة.
لن ننسى أن الآلاف من المصريين يعيشون في المقابر وفي العشش وتحت الكباري.
لن ننسى أن الفقراء في مصر يبيعون أعضاءهم لكي لا يموتوا من الجوع.
لن ننسى من غيَّروا شعار "الشرطة في خدمة الشعب" إلى "الشرطة والشعب في خدمة الوطن"، ولا نعرف أي وطن هذا الذي تخدمه الشرطة بدون شعب!.
لن ننسى ما يحدث للمصريين في أقسام الشرطة وفي السجون.. ومن أدخل العصاة في دبر عماد الكبير؟!
لن ننسى الخصخصة التي (خصَّت) المليارات من المصانع والبنوك والشركات لحساب أصحاب الحظ وتشريد آلاف العمال.
لن ننسى أن الرئيس مبارك يحكمنا منذ 28 عامًا!!.
المهم أن لا تنسى عزيزي القارئ، وتذكَّر معنا، فهذه حقوق ودين لا بد أن نستذكره كل يوم، فالتاريخ لا يرحم، وإن لم نستطِع أن نحاسب من قام بها في الدنيا فسنقف أمام ربٍّ عادلٍ يُذهب غيظ قلوبنا..
لن ننسى.. فهذه حقوق تأبى النسيان!.
-----------
* مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان.