هذه رسالة إلى أنصار المقاومة فقط، وليس إلى أي طرف آخر، وفيها أقول:

إن المشكلة الفعلية هي أنهم خطفوا منا مصر في كامب ديفيد، وأعادوا تشكيلها على مقاس أمن الكيان الصهيوني، وقد فعلوا ذلك على عدة مستويات، ولكل مستوى نصوصه وترتيباته وآلياته.

 

والطريق إلى استعادتها منهم على كافة هذه المستويات يبدأ بإدراك ومعرفة جيدَيْن بنظام كامب ديفيد تفصيلة تفصيلة، وفي هذه الورقة سنتناول قضية الحرب في الاتفاقية المصرية الصهيونية الموقَّعة في 26 مارس 1979م:

 

الاتفاقية والحرب

تنص الفقرة الأولى (ج) من المادة الثالثة من اتفاقية السلام المصرية الصهيونية على الآتي: "يتعهد الطرفان بالامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها لأحدهما ضد الآخر على نحو مباشر أو غير مباشر، ويحل كافة المنازعات التي تنشأ بينهما بالوسائل السلمية".

 

كما تنص الفقرة الثانية من المادة الثالثة: "يتعهد كل طرف بأن يكفل عدم صدور فعل من أفعال الحرب أو الأفعال العدوانية وأفعال العنف أو التهديد بها من داخل أراضيه أو بواسطة قوات خاضعة لسيطرته أو مرابطة على أراضيه ضد السكان أو المواطنين أو الممتلكات الخاصة بالطرف الآخر، كما يتعهد كل طرف بالامتناع عن التنظيم أو التحريض أو الإثارة أو المساعدة أو الاشتراك في فعل من أفعال الحرب أو الأفعال العدوانية أو النشاط الهدام أو أفعال العنف الموجَّهة ضد الطرف الآخر في أي مكان، كما يتعهد بأن يكفل تقديم مرتكبي مثل هذه الأفعال للمحاكمة".

 

الدفاع العربي المشترك

ولكن مصر ملتزمة باتفاقية دفاع عربي مشترك منذ عام 1952م تتضمن الأحكام الآتية:
المادة الثانية: "اعتبار كل اعتداء مسلح يقع على أية دولة أو أكثر منها، أو على قواتها اعتداءً عليها جميعًا، ولذلك فإنها عملاً بحق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي على كيانها؛ تلتزم بأن تبادر إلى معونة الدولة أو الدول المعتدى عليها وأن تتخذ على الفور- منفردةً ومجتمعةً- جميع التدابير، وتستخدم جميع ما لديها من وسائل، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة لردع الاعتداء ولإعادة الأمن والسلام إلى نصابهما".

 

المادة الثالثة: "تتشاور الدول فيما بينها- بناءً على طلب إحداها- كلما هُدِّدت سلامة أراضي أية واحدة منها أو استقلالها أو أمنها، وفي حالة خطر حرب داهم أو قيام حالة دولية مفاجئة يُخشَى خطرُها؛ تبادر الدول المتعاقدة على الفور إلى توحيد خططها ومساعيها في اتخاذ التدابير الوقائية والدفاعية التي يقتضيها الموقف".

 

ظهرت هنا مشكلة، فهناك تناقض صارخ بين الالتزامين.. ماذا تفعل مصر لو أن الكيان الصهيوني اعتدى على أي بلد عربي مثل اعتدائه على غزة الآن؟ هل تلتزم عربيًَّا أم تلتزم "إسرائيليًّا"؟!

 

الأولوية لإسرائيل

الإجابة في نصوص اتفاقية السلام؛ فتنص الفقرة الخامسة من المادة السادسة من الاتفاقية على ما يلي: "مع مراعاة المادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة؛ يقرُّ الطرفان بأنه في حالة وجود تناقض بين التزامات الأطراف بموجب هذه المعاهدة وأي من التزاماتهما الأخرى؛ فإن الالتزامات الناشئة عن هذه المعاهدة تكون ملزمة ونافذة".

 

إذن الإجابة هي أن الاتفاق مع "إسرائيل" له الأولوية، ولتذهب فلسطين والعرب إلى الجحيم، وحتى لا تتحايل مصر مستقبلاً فتقوم بتوقيع اتفاقيات جديدة مع أي أطراف عربية، تنص فيها على أولويتها هي الأخرى على كامب ديفيد، نقول حتى لا تتحايل مصر مستقبلاً، وضعوا لها الفقرة الرابعة من المادة السادسة من اتفاقية السلام التي تنص على: "يتعهد الطرفان بعدم الدخول في أي التزام يتعارض مع هذه المعاهدة".

 

وللتأكيد على أن هذه الاتفاقية محل التزام من مصر مهما حدث في المنطقة من أحداث أو صراعات أو حروب، تم النص في الفقرة الثانية من المادة السادسة على: "يتعهد الطرفان بأن ينفِّذا بحسن نية التزاماتهما الناشئة عن هذه المعاهدة؛ بصرف النظر عن أي فعل أو امتناع عن فعل من جانب طرف آخر وبشكل مستقل عن أية وثيقة خارج هذه المعاهدة".

 

بمعنى أن العلاقات المصرية الصهيونية مستقلة تمامًا عن أي أطراف أخرى، أو أي صراعات أخرى، وبمعنى أوضح لا شأن لمصر بما يحدث من الكيان الصهيوني خارج نطاق علاقتهما معًا.. يتصالح الصهاينة مع الفلسطينيين أو يذبِّحونهم، لا شأن لمصر تصورًا، لا شأن لها!.

 

الخلاصة

أن العدوان الصهيوني والأمريكي قد نجحا في خلع مصر بعيدًا عن الصراع ضد الكيان الصهيوني منذ حرب 1973، ولكي لا يتركا لها في هذا الشأن أي مساحة للاجتهاد أو حرية للاختيار قيَّدوها بسلسلة النصوص المذكورة عاليه.

 

وأمور أخرى كثيرة سنتناولها في حديث آخر، واختبروها عدة مرات من قبل: في ضرب المفاعل النووي العراقي في 1980 وفي حرب لبنان 1982 وفي الانتفاضة الفلسطينية الأولى 1987 والانتفاضة الثانية 2000 وحرب لبنان 2006م.

 

وكانت دائمًا تنجح في الاختبار ولا تتدخل، والآن يعيدون الكرة في غزة ومصر الرسمية ثابتة على موقفها؛ فالأولوية للكيان الصهيوني.

 

ما العمل الآن؟

إن مهمتنا الآنية الفورية يجب أن تكون في الضغط الشديد على النظام المصرى لكسر التزاماته تجاه أمريكا والكيان الصهيوني، وتقديم الدعم المطلوب لأهلنا في غزة من أجل وقف العدوان وفتح المعابر وفك الحصار.

 

ولكن المهمة الحقيقية الجادة التي يجب أن تكون على رأس رأس أولوياتنا في المرحلة القادمة هي الاشتباك ضد كامب ديفيد.

----------

* Seif_ eldawla@hotmail.com