م. فتحي شهاب الدين

أخيرًا سقطت الأقنعة وتبيَّن لنا أن الدكتور عبد المنعم سعيد هو سفيرٌ للصهاينة في مصر ونحن لا ندري.

 

في سابقةٍ هي الأولى من نوعها أوصت تسيبي ليفني وزيرة خارجية الكيان الصهيوني بنشر ما يكتبه عدد من الكُتَّاب العرب على الموقع الرسمي للوزارة؛ باعتبار أن مقالاتهم تُمثِّل وجهة النظر الصهيونية الرسمية.

 

وقالت ليفني في اجتماعٍ خاص بخلية أزمة تم تشكيلها في الوزارة خلال العدوان على غزة: "إن هؤلاء سفراؤنا لدى العالم العربي، وأفضل مَن يُوصِّل وجهة النظر الصهيونية إلى الشارع العربي بشأن حركة حماس والمقاومة"!!.

 

وكانت المفاجأة "المتوقَّعة" أن يكون د. عبد المنعم سعيد مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية على رأس "قائمة الشرف الصهيوني".

 

وكانت توجيهات ليفني هي إعادة نشر جميع المقالات التي نشرها الكاتب في السابق ضد حركة حماس، وليست المقالات الجديدة التي كتبها إبان الحرب، وهو ما يعدُّ سابقةً في تاريخ الإعلام الرسمي الصهيوني.

 

وإذا عدنا بالذاكرة إلى الوراء بداية التسعينيات وعقب سقوط الاتحاد السوفيتي، نشرت صحيفة (برافدا) السوفيتية قائمة شرف تضمُّ كل المتعاونين في العالم العربي في الفترة السابقة، وكان على رأسهم الكاتب المصري الراحل لطفي الخولي، لكن سرعان ما وجدناه يتحوَّل مائة وثمانين درجة، ويركب حصان الليبرالية الغربية، ويولِّي وجهه شطر المعسكر الصهيوني فينشئ "جمعية القاهرة للسلام"، والتي هدفها التطبيع مع الكيان الصهيوني، وعندما رحل لطفي الخولي تولَّى تلميذه النجيب عبد المنعم سعيد شرف رئاسة هذه الجمعية، ومن ثم انهالت عليه المناصب بعد ذلك؛ فأصبح المسئول عن أكبر مركز دراسات سياسية وإستراتيجية في مصر والمنطقة العربية، وعضوًا معينًا بمجلس الشورى وعضوًا بالمجلس الأعلى للسياسات التابع لأمانة السياسات بالحزب الوطني الحاكم.

 

لقد أدَّى "سعيد" الواجب وزيادة قبل المحرقة الصهيونية في غزة ومهَّد لها بإستراتيجية "الأرض المحروقة"، وكانت مقالاته بمثابة المدفعية التي تمهد للغزو، فجاء مقاله الخطير والبشع في نفس الوقت تحت عنوان "حماس.. حان وقت الحساب"، راميًا المقاومة بكل النقائص و"إمارة حماس"- حسب قوله- بأبشع الصفات ومنذرًا في نفس الوقت بالعقاب وهو ما حدث بالفعل.

 

وبعد المجزرة لم يراجع سعيد حساباته ولم يستيقظ ضميره ولم يراعِ حدود الأخوَّة ولا حتى الجوار والقرابة ولم يشفع عنده مشاهد آلاف القتلى والجرحى وآلاف المنازل والمنشآت والمدارس والمستشفيات؛ التي هُدِّمت على رؤوس من فيها، ولم يَرِقَّ قلبه، فعاد مرةً أخرى في صحيفة (اليوم السابع) بتاريخ السادس من يناير وفي حديث صحفي قال فيه بالنص: "هناك شواهد على أن السلاح المتزايد لدى قبائل سيناء والمستخدم ضد نقاط الأمن المصرية وراءه حماس؛ في محاولةٍ لإثارة القلاقل، بالإضافة إلى عمليات التجنيد لعناصر سيناوية تدين بالولاء لحماس وتنفِّذ مخططاتها على الأرض المصرية".

 

وفي موضع آخر يقول: "الخلاف بسبب الأنفاق التي تعد اختراقًا وتحديًا فجًّا للحدود المصرية؛ أي أن هناك جهةً ما غير مصر مسيطرة على عمليات تفاعلات تجري تحت الأرض رغم إرادتها، وتقوم حماس عبر هذه الأنفاق بتهريب مخدِّرات وناس وأسلحة علنًا، والمثير أن حماس كانت تضع نقاط جمارك على أفواه هذه الأنفاق، وأن حماس استخدمت هذه الأنفاق في تهريب عناصر مصرية إلى غزة، ثم تدريبها تحت جيش الإسلام التابع للقاعدة".

 

وهكذا سقط القناع عن سعيد، وظهرت نواياه الحقيقية، ووضح الآن لماذا وُضِع في مكانه مديرًا لأكبر مركز دراسات إستراتيجية مصري، ويُطلب منه بين الحين والآخر عمل تقارير يستغلها الكيان الصهيوني لصالحه.

 

إن كلام سعيد ليس كلامًا يُلقى على عواهنه، وليس كلامًا مرسلاً رغم خطورته، إنه مدعوم بقوة صهيونية تدعم "جمعيته التطبيعية" التي تقوم بدور رأس الحربة لخلط الأوراق وتشويه الحقائق لصالح العدو الصهيوني.

 

إن سعيد بقوله بأن هناك جهةً ما غير مصر مسيطرة على عمليات تجري تحت الأرض رغم إرادتها؛ إنما يوجه ضربةً قاصمةً إلى النظام الذي يظن أنه يدافع عنه, وأنه غير قادر على حماية حدوده، ومن ثم يمهِّد للصهاينة بطلب المساعدة الأوروبية والأمريكية لمنع تهريب السلاح لحماس ومحاصرة الأنفاق وغيرها من التدابير، وهو بذلك كالدبَّة التي قتلت صاحبها عندما أرادت أن تهشَّ الذبابة عن وجهه.

 

وبجرأة يُحسد عليها يتحدث في موضوع يمس أمن مصر القومي بهذه السهولة ويعطي الكيان الصهيوني وأمريكا المبرِّر لتأكيد اتهاماتهما لمصر بتهريب السلاح لغزة وابتزازها بإيقاف المعونة بعد أن قدم سعيد الأدلة على تورّطها.

 

يا سيد سعيد.. لتهنأ بالترقية الجديدة لدرجة سفير للصهاينة، وبوضعك على قائمة الشرف الصهيوني، وأن مقالاتك تعبِّر عن وجهة النظر الصهيونية، ولكن لتعلم أنك قد بعت ضميرك بثمن بخس "شياكل" معدودة، وأن التاريخ لن يرحمك، وسيضعك في مكانك الصحيح، كما وضع أستاذك ورئيس جمعيتك من قبل.