تباين واضح بدا في المواقف الدولية إبان تنصيب باراك أوباما رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية؛ فبينما كان الترحيب والتهليل شعار بعض الدول؛ لا سيما الغربية منها، مع الإشارة لفصل تاريخي جديد سيشهده العالم في ولاية أوباما.. كان التحفظ بل والتوجس سمة دول أخرى أغلبها من سكان منطقة الشرق الإسلامي؛ حيث اعتادت شعوبها أن تغير السياسات الخارجية الأمريكية ليس مرتبطًا بتغير الرئيس الأمريكي، ومستشهدين بملفات تاريخية من الاشتباك مع الإدارة الأمريكية بخصوص فلسطين وأخرى مستحدثة بشأن الاحتلال الأمريكي في العراق وأفغانستان، علاوةً على أزمة إيران وملف الديمقراطية وحقوق الإنسان.

 

دعائم أخرى للتحفظ الشرقي حملتها اختيارات أوباما لمديري ملفات الاشتباك بين البيت الأبيض والشرق المسلم، وذلك مع اختياره رام إيمانويل لمنصب كبير موظفي البيت الأبيض، فيكون الأخير بأصوله اليهودية ومواقفه المؤيدة تمامًا للكيان الصهيوني والمنتقدة للانتفاضة الفلسطينية واحدًا من أقرب المستشارين إلى أوباما وأكبر المتنفِّذين بالإدارة الأمريكية الجديدة.

 

ويعتبر إيمانويل عضو الكونجرس عن شيكاغو شخصيةً نافذةً في أوساط اليهود بأمريكا, وقد خدم متطوعًا في الجيش الصهيوني في حرب الخليج الأولى عام 1991م وعمل مع الحملة الرئاسية لبيل كلينتون وكمستشار بارز له في البيت الأبيض.

 

كما يعرف رام إيمانويل بأنه مهندس سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب عام 2006م ويوصف بكونه متعصبًا لمبادئ الحزب الديمقراطي؛ ما جعل الجمهوريين ينتقدون اختياره لهذا المنصب.

 

الشخص الثاني الذي يزيد حالة التحفظ الجنرال جيمس جونز الذي سيتولى منصب مستشار الأمن القومي، والذي رأى فيه رئيس وزراء العدو إيهود أولمرت وفاءً من الأمريكيين بالتزاماتهم، وعبَّر عن "ارتياحه الشديد" لتعيينه، وجونز من المشاركين الضالعين في حرب فيتنام، وهو من يرى أن الجداول الزمنية والمواعيد النهائية لسحب القوات الأمريكية من العراق قد تضرُّ بالمصالح الأمريكية الدائمة.

 

أما الشخصية الثالثة فهي صاحبة التحفظ الأكبر على الإدارة الأمريكية الجديدة؛ ذلك أن دنيس روس ممثل عملية السلام السابق كان كبيرَ باحثِي مركز دراسات الشرق الأدنى بواشنطن، والذي يعدُّ أكبر مراكز اللوبي الصهيوني في أمريكا.

 

من ناحية أخرى يرى الكثيرون أن تسليم ملف عملية السلام إلى دنيس روس منسق عملية السلام في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون فحواه أن أوباما يعتزم تكرار ما فعله كلينتون؛ بأنه غير راغب في خوض معركة مع الكيان الصهيوني أو اليمين الأمريكي في مطلع ولايته، وأنه هو صاحب قرار الاستغناء عن معالجة أزمة الشرق الأوسط وليس من يعينه أو يوكل إليه الملف.

 

العراق

تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما أثار رسميًّا ردود أفعال متباينة في الأوساط العراقية، مع حالة واسعة من عدم الاكتراث الشعبي، وخوف رسمي من قرارات سريعة لأوباما، واحتفالات بدخول أول رجل أسود إلى ردهات البيت الأبيض.

 

وفي هذا الصدد قال إياد السامرائي عضو البرلمان العراقي عن جبهة التوافق العراقية السنية: "إن نمط التعامل الأمريكي بعد تسلم الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما الرئاسة الأمريكية سيختلف عن النمط الذي انتهجته الإدارة السابقة".

 

بينما قال المحامي كمال سعدون "لا أعتقد أن تغييرًا جذريًّا سيحدث في السياسة الأمريكية تجاه العراق، سواءٌ ذهب بوش أو جاء أوباما؛ لأن الولايات المتحدة دولة مؤسسات، وسياستها لا تتغير بتغير الأشخاص، لكن أتوقع أن تكون سياسة الإدارة الجديدة أقل حماسةً من سابقتها تجاه قضايا العراق"، معربًا عن أمله في فتح صفحة جديدة وتصحيح أخطاء الماضي.

 

وفي سياق متصل أعرب الحزب الإسلامي العراقي- الذي يتزعمه طارق الهاشمي النائب السني للرئيس العراقي- عن تطلعه لعهد جديد في العلاقات بين العراق والولايات المتحدة في ظل إدارة أوباما.

 

وقال الحزب في بيان أصدره: "الآن نتطلع إلى عهد جديد نأمل فيه أن تكون الولايات المتحدة أكثر تعقلاً وعدلاً وأقل تسرعًا وأحسن فهمًا لقضايا الشعوب، لا كما حدث في السابق في تطبيق السياسات الظالمة".

 

وأضاف البيان: "إن الحزب الإسلامي العراقي يأمل أن يكون عهد أوباما أكثر عدالةً مع القضايا العادلة، وأولها قضية شعبنا الفلسطيني الجريح، وأن يبذل الرئيس الجديد جهدًا حقيقيًّا لحل هذه القضية ولإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف".

 

وخلص البيان إلى القول: "آمال معقودة على الرئيس الجديد ليتبع القول بالعمل فلقد رفع شعار التغيير، وبالنسبة إلينا فنحن نتطلَّع لتغيير حقيقي في السياسة الخارجية للولايات المتحدة مبنية على الفهم المشترك والمصالح المتبادلة، وهذا ما ينتظره العالم من باراك أوباما وإدارته الجديدة".

 

روسيا وإيران

أما في إيران فقد صرح وزير الخارجية منوشهر متكي قبيل تنصيب الرئيس الجديد بأن إيران ستنتظر السياسات العملية للرئيس الأمريكي المنصب قبل أن تُصدر حكمًا على موقفه من الجمهورية الإسلامية، ودعا متكي الرئيس أوباما إلى اعتماد رؤية جديدة للشرق الأوسط، معتبرًا أن السياسة الأمريكية التقليدية لم تؤدِّ إلى أي نتائج.

 

وتجاهلت معظم وسائل الإعلام الإيرانية حفل تنصيب باراك أوباما، واعتبر العديد من الصحف أن فترة حكم أوباما المقبلة لا يمكن اعتبارها صفحةً جديدةً في السياسة الأمريكية.

 

من جانبه أبدى رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين شكوكًا قائلاً إنه "مقتنع بعمق بأن خيبات الأمل الأكبر تنتج من ‏الآمال الكبرى".

 

ومن جهته هنَّأ الرئيس السابق لجنوب إفريقيا نيلسون مانديلا الرئيس أوباما على تنصيبه بوصفه أول رئيس أسود للولايات المتحدة، وقال إن هذا الحدث التاريخي جعله يتذكر الإثارة التي أحاطت باختياره أول رئيس منتخب ديمقراطيًّا في جنوب إفريقيا.

 

ووصف مانديلا حفل التنصيب بأنه لحظة تاريخية للولايات المتحدة والعالم، وخاطب أوباما قائلاً "ستظل دومًا في وجداننا شابَّا تجرَّأ على الحلم وعلى أن يحقق ذلك الحلم".

 

أوروبا

مواقف الدول الأوروبية ركَّزت على التشارك مع أوباما في ‏معالجة الأزمة المالية العالمية، فأشار رئيس الوزراء البريطاني جوردن براون إلى "فصل جديد في التاريخ الأمريكي وفي تاريخ العالم".

 

وأعلن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي "تصميمه على العمل (مع أوباما) يدًا بيد"؛ بهدف "أن نخوض معًا التحديات ‏الكبيرة"، وأضاف ساركوزي "نتطلع إلى أن ينصرف للعمل لنغير معه العالم"، فيما أشار وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير إلى أن أوباما يتمتع بـ"إجماع عالمي" لكنه لا يملك "عصا سحرية" ‏لمعالجة "كل مشكلات أمريكا وكذلك مشكلاتنا"، وقال كوشنير إن "فرنسا وأوروبا ستواصلان أداء دور، وهذا ما قمنا به ‏لتوِّنا في غزة".

 

كذلك دعا رئيس الوزراء الإيطالي سلفيو بيرلوسكوني أوباما إلى "أن نواجه معًا التحديات الراهنة الأزمة المالية والوضع ‏في الشرق الأوسط وأفغانستان"، وأعرب وزير الاقتصاد الإيطالي جوليو تريمونتي عن أمله أن تكون خطة النهوض التي وضعها الرئيس الجديد كافية ‏لاحتواء الأزمة. وأضاف "لكنني أعول على شخص باراك أوباما أكثر من تعويلي على خطة النهوض".

 

وأمل رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو تعميق العلاقات بين واشنطن والاتحاد الأوروبي، وقال "أدعو ‏أوروبا والولايات المتحدة إلى تعميق العلاقات عبر الأطلسي وضم جهودهما (...) للتعامل مع التحديات الكبرى في ‏زمننا".

 

وفي مدينة الفاتيكان بروما أمل البابا بنديتكوس السادس عشر أن يعمل أوباما على "تشجيع السلام والتعاون بين الأمم".

 

‏كذلك أملت المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل تعاونًا كبيرًا "عبر استماع متبادل"، ورأت أن "بلدًا واحدًا لا يمكنه أن يعالج ‏بمفرده مشاكل العالم".‏ وشددت ميركل على أن الولايات المتحدة تشكل "مفتاحًا" لتجاوز الأزمة الاقتصادية، متمنيةً لباراك أوباما "حسن تدبير ‏وحظًا جيدًا" للنهوض بالاقتصاد الأمريكي.

 

‏وأكد رئيس الوزراء الإسباني خوسيه لويس ثاباتيرو أنه يضع "كثيرًا من الأمل والثقة" في أوباما، في حين رحَّب الرئيس الأوكراني فيكتور يوتشنكو بـ"دعم الولايات المتحدة" جهود بلاده بغية الانضمام إلى حلف ‏شمال الأطلسي، داعيًا أوباما إلى الاستمرار في هذا النهج.

 

وفي أمريكا اللاتينية، قال رئيس الوزراء الأرجنتيني سيرجيو ماسا إن بلاده تأمل "أن يؤدي تغيير الإدارة (الأمريكية) إلى إقامة علاقات ‏جديدة مع أمريكا اللاتينية".

 

ومن جهتها اعتبرت رئيسة تشيلي ميشال باشليه أن "الأزمة الاقتصادية والتداعيات الاجتماعية الناتجة منها تشكل تحديًا ‏ضخمًا للحكومة (الأمريكية) الجديدة"، مشيرة إلى مهمة أمريكا الأهم خلال الشهور والسنوات القادمة.