![]() |
|
د. إيهاب فؤاد |
عليك أن تكتب فوق صفحات دماء بلغ عدد الشهداء... ثم تتوقف، لا تستطيع أن تنهي الجملة، أو توقف بث الخبر، الشهداء في تزايد مستمر، بحور من الدماء، الأشلاء في كل مكان، المقابر عليها رايات الاكتفاء، لا مجال لاستيعاب الشهداء، وما زلنا نتنعم بالعيش على الفرش الوثيرة، والأسرة المذهبة، نستسيغ الطعام، ونألف المرح، وربما أغلقنا شاشات التلفاز التي تذكرنا بالهموم ليل نهار، المجاهدون لا ينامون، لا يعرفون بيوتهم، وربما لم يروا ذويهم منذ سنين، وما زال بيننا أصوات تشوه معالم طريقهم، وما زالت فينا أنفاس توجه إليهم أصابع الاتهام، لقد أغرقوا غزة بدم الأحرار، أراقوا على ثرى غزة عرض الأمة يوم صمتت على تلك المجازر والمذابح، ما زال السفراء يمرحون في ديارنا، ما زال اليهود يغذون بطوننا بمطاعمهم التي توجه أرباحها للنيل من المسلمين.
ما زلنا نتلذذ بالنوم على الفرش، ومشاهدة البرامج المسلية للتخفيف من وطأة الكارثة علينا، ونتساءل كيف السبيل إلى غزة العزة وبحرها دماء، وأرضها حمم بركانية، وترابها ألسنة من اللهب، وأجواؤها تفوح برائحة الموتى الذين لم تصل إليهم سيارات الإسعاف لتنتشلهم.
ما زلنا نلوم حماس، وما زال من بني جلدتنا من يلقي اللوم عليهم دون هوادة، ونتعجب من صمود الأبطال، ومن صمود الشعب، لا تتعجبوا، إنها شجرة لا تروى إلا بالدم، بالدم القاني الذي يجري في دماء كل عزيز استرخص حياته لتعيش أمته، وقدم روحه ليحيا جيل من بعده، وما زلنا نلتمس مجلسًا يحل قضايانا، ونتسول قراراتٍ ربما تنصفنا، أيها الخجل أين حمرتك؟!
لقد غطى لون الدم على حمرتك، وذهب ماء الوجه مع كل قطرة من دم نزفت ولم ننصرها، مع كل شهيد طاردته آلة الحرب الغاشمة دون هوادة ولم نمنعها، مع كل شهيد منعته القيود من أن يُسعف، اليوم اقتربنا من اليوم العشرين، ما زلنا متفرقين، وما زال اليهود يتنافسون على صناديق الاقتراع بكثرة ما يسيلون من دم الأحرار في غزة، لم تقل الأمة كلمتها، ولم يسمع أحدٌ صوتها الذي ربما يكون قد بُح من جرَّاء الهتافات المتوالية في المباريات، لم ترتفع راياتنا سوى في مباريات كرة القدم، بينما الكل ينتظر أن يلقي المدرب بالراية داخل الحلبة لتسلم حماس، ولينتهي الأمر، حتى بات رئيس السلطة المسلوبة يشجب المقاومة ويدعي أنها ستنفي الشعب لهذا فهو لا يريدها، إذا تنعم أبناؤه بالثروات، وأريق دم أبناء السلطة الحقيقية في ساحة الجهاد فلا عجب أن نسمع منه هذا.
يا أمة المليار ونصف المليار أما آن لك أن تفيقي من سباتك، وأن تهبي من غفلتك!!
يا كل مشوه الفكر، يا كل متحامل على المجاهدين أما ردعك صوت القذف، وصورة الدم، والقتل الجماعي، أما زلت متشككًا؟
الحرب مستمرة، والتاريخ تُعاد كتابته من هناك.. اللهم نصرك الذي وعدت، ولا حول ولا قوة إلا بك.
