في هذه الأيام العصيبة التي تعيشها أمتنا بسبب ما يحدث على أرض غزة من أحداث عظام وأهوال جِسام والتي تشيب لها رؤوس الولدان، تتميز المواقف، وتتحدد المعالم، ويُخَنْدِقُ كلٌّ منا نفسَه في المعسكر الذي يريد، معسكر الحق أم معسكر الباطل، معسكر النفاق أم معسكر الإيمان، معسكر العزة والكرامة أم معسكر المذلة والمهانة، فالمواقف والأحداث، والمحن والفتن هي التي تظهر المعادن ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: من الآية 3)، وقال سبحانه في موضع آخر ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11)﴾ (العنكبوت)، وقد سبق الآيتان ذِكْرٌ لوقوع فتن حيث تميزت المواقف بعدها وصار الناس على فريقين ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلالَةُ إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)﴾ (الأعراف).

 

وَقْفَةٌ لازمة

لما كانت الفتن تعصف بنا من كل ناحية والمحن تحيط بنا من كل جانب، يوقد أوار هذه وتلك كفرةٌ حاقدون، ويُذكي جذوتَها منافقون متربّصون أججوا النار فاشتدّت ضراوتها، والتبست كثير من الحقائق، واختلطت كثير من المفاهيم، واختلّت الموازين، وبات الحليم حيرانًا والعاقل متلعثمًا والشجاع مترددًا. ولا غرابة في ذلك فهذا شأن الفتن إذا نزلت، وصفها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله: (تبدأ في مدارج خفية، وتؤول إلى فظاعة جلية، فتزيغ قلوب بعد استقامة، وتضلّ رجال بعد سلامة، وتختلف الأهواء عند هجومها، وتلتبس الآراء عند نجومها، من أشرف له قصمته، ومن سار فيها حطمته، تغيض فيها الحكمة، وتنطق فيها الظلمة، وتكْلِم منارَ الدين، وتنقض عقد اليقين، تهرب منها الأكياس، وتدبّرها الأرجاس، مرعادٌ مبراق، كاشفة عن ساق، تقطَّع فيها الأرحام، ويفارَق عليها الإسلام). نعم والله إنها لفجيعة وكارثة أن تختلف الأمة في مثل هذه القضية، إزاء هذا العدوان الغاشم الحاقد على أهلنا المسلمين في غزة، وما سبَّبه من محنٍ وكوارث.

 

ولذا فالواجب العاجل على كل مسلم ومسلمة، على كل عاقل راشد، على العلماء والمتعلمين، على الدعاة والمدعُوِّين، القريب من ربه والبعيد عن نوره أن يراجعوا أنفسهم، لأن هذا هو الوقت الذي يتميز فيه الإيمان الصحيح من عدمه، وذلك قبل أن يأتي يوم لا تنفع فيه المراجعة ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52)﴾ (غافر).

 

نعم من الواجب مراجعة النفس لأنه إزاء هذه الإبادة للمسلمين المجاهدين، وللنساء والأطفال، وهدم المنازل على رؤوس من فيها ودور العبادة على المصلين فيها و.. و.. و.. أقول إزاء هذا كله تجد من المسلمين من لا زال واقفًا أمامه يفكر ويتساءل: ماذا يحدث؟!! وتجد بعض الدعاة مترددين في الحديث عن القضية، ومن يقْنُتْ منهم- وهم قلة- يقنت مرة أو مرتين على استحياء.. الله ِأكبر ما هذا؟ وفي أي زمان نحن؟. بل قد تجد البعض لا يبالي بما يحدث، وإن حدث ووقعت عيناه بطريق الخطأ على مجزرة من المجازر اليومية لإخوانه في غزة فيمر الحدث عليهم وكأنهم لمباراة كرة قدم يشاهدون، أو لأخبار النشرة الجوية يتابعون. وفي المقابل تجد آخرين تحجرت الدموع في عيونهم من كثرة اشتباكها بخدودهم، وتتقطع نياط قلوبهم أو تكاد لهول ما يَرَوْن.

 

فعندما يرى المرء هذه المواقف المتباينة من أناس دينهم واحد وقبلتهم واحدة من قضية تتعلق بقتال يهود لمسلمين، كان لا بد من العودة لأصول ديننا ومصادر شرعتنا حتى يتميز الخبيث من الطيب، ويختار كل واحد الطريق الذي يسلكه، ولكن يكون ذلك بعد وضوح البرهان وكمال البيان. حيث إن هناك آيات في سورة المائدة حين تتأملها تشعرك بالخوف على نفسك، حيث إن الله تعالى تَوعَّد أناسًا، خاطبهم بنداء الإيماء، بالعذاب الأليم، أتدرون لماذا؟ تأمل الآيات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)﴾ (التوبة).

 

أصناف الناس أمام الأحداث

 الناس أمام أحداث غزة واحد من أربعة:

1- الناصر:

وهم الذين يقومون بواجب النصرة ويتحملون التّبِِعات، يضحون بأموالهم ومستعدون للتضحية بأنفسهم، ويقومون بتذكير الظَّلَمة من حكامهم- وما أكثرهم- وهم يعلمون سلفًا ما يمكن أن يدفعوا من ثمن من وراء هذا، كما أنهم يقومون بإيقاظ النائمين وتنبيه الغافلين من قومهم.

 

وهؤلاء هم أشرف القوم شعارهم: إننا مع الحق ما حيينا، وإننا ضد الباطل مهما عانينا، وفي طريق الإصلاح ماضون مهما لاقينا. وهذه المقومات في أرض الواقع تتمثل ولا شك في دعوتنا المباركة ومن سار في ركبهم من أحرار الأمة وشرفائها.

 

دوافعهم:

إن الذي يدفع هذا الفريق من الناس للقيام بهذا الدور هو:

1- القيام بالواجب الشرعي:

والذي تقتضيه نصرة المسلم لأخيه المسلم، وهي قضية لا تحتاج لبرهان ولا دليل، فقط فليسأل الناس جميعًا أنفسهم هذا السؤال: متى يكون الجهاد فرض عين؟ والذي فيه تخرج الزوجة بدون إذن زوجها، والولد بدون إذن أبيه؟! فإن لم يكن الآن فمتى؟!!

وإن لم يكن هذا واجبًا شرعيًّا تقتضيه أخوة الإيمان فكيف تتحقق هذه الآيات في واقعنا إن لم يكن زمانها الآن؟!!!

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية 10 ).

 

وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: من الآية 71).

 

وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)﴾ (الأنبياء)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)﴾ (المؤمنون)،
وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: من الآية 2).

 

وكذلك هذه الأحاديث:

صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" صحيح البخاري (2266)، ومسلم (4684).

 

وقال: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى " صحيح مسلم (4685).

 

وقال: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ وَمَن كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَن فَرَّجَ عَن مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِن كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَن سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" صحيح البخاري (2262)، ومسلم (4677).

 

2- القيام بالواجب الوطني:

حيث إن المعتدِي هم اليهود، وما أدراك ما اليهود وتاريخهم الأسود معنا، هل نسينا مذبحة بحر البقر؟ هل نسينا ما فعلوه بأسرانا؟ هل؟ هل؟ هل؟..... كما أنهم على حدودنا، وقهر غزة- لا قدر الله- يعني ببساطة أن تتبعها غزة أخرى، أقصد سيناء وما بعدها، خاصة في ظل اتفاقية الخزي والعار التي جردت سيناء من السلاح، وما خبر مدينة سرقسطة عنا ببعيد!! وساعتها سنقول: أُكِلْتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض.

 

3- القيام بالواجب الإنساني:

إن الذي يرى ما يحدث لأهلنا وإخواننا المسلمين المجاهدين على أرض غزة الحبيبة ولا ينخلع قلبه، وتضطرب أوصاله، فإن قلتُ بأن قلبه حجَر أظلم الحجر، وإن وصفتُه بالقسوة وجب علَيَّ الاعتذار للقسوة، بل يمكن القول بأنه إنسان فقد إنسانيته.

 

جزاؤهم:

عن جابر وأبي أيوب الأنصاري قالا‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ما من امرئ يخذل مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته،‏ وما من امرئ ينصر مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته‏"‏‏‏ أبو داود‏،‏ والطبراني
- وعن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من نصر أخاه بالغيب وهو يستطيع نصره نصره الله في الدنيا والآخرة‏"‏‏،‏ رواه البزار، ورواه الطبراني‏.

 

2- المتخاذل:

وهو الذي يسمع ما يسمع ويرى ما يرى، ثم هو بعد ذلك لا يحرك ساكنًا، وهؤلاء متعاطفون مع إخوانهم ولا يرْضَوْن عن ما يحدث لهم، ولكن لا يعدو الأمر عندهم مصًّا للشفاه أو ضربًا لكف على أخرى.

 

وهذا، بكل أسى، هو حال الكثير من أبناء جلدتنا.

وهؤلاء توهموا مجموعة من الأسباب ظنُّوها مانعة لهم من القيام بواجب النصرة، وهم يوهمون أنفسهم بأنها تعفيهم من المسئولية الشرعية والحساب بين يدي الله الكبير المتعال.

 

ومن هذه الأسباب:

 ا-الخوف من التعرض للأذى:

وأقول له بما أنك في أيام ذكرى الهجرة فأذكرك بموقف سيدنا على ومبيته على فراش رسول الله، مع علمه بما يعنيه ذلك، لو فكر كما نفكر وخاف على نفسه ما فعل ما فعل وسجل التاريخ موقفه، وأقول له وما يضيرك أن تُؤْذى في سبيل الله وهل انتصر الدين إلا بمواقف وتضحيات الرجال؟!! وكما يقولون الحر يموت مرة والجبان يموت ألف مرة.

 

وأعيذك بالله أن تضع نفسك في صف هؤلاء الذين قال فيهم ربنا سبحانه: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجًَا أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)﴾ (التوبة)،أو ممن قال فيهم ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)﴾ (المنافقون).

 

ب- قلة الحيلة:

فيقولون وماذا نفعل، ثم تراه يُحَوْقِلُ، ويقول لك "ربنا معهم"، في حين أنه يرى أمامه نماذج مشرقة مضيئة لرجال يضحون بأوقاتهم وأموالهم ويجاهدون بألسنتهم في سبيل نصرة القضية، ويخرجون إلى الشارع لرفع أصواتهم ليُذَكِّروا حكامهم، ويوقظونهم من نومهم، ويُفِيقُونهم من غفلتهم، وهم على يقين بأن ذلك قد يكلفهم كثيرًا ولكن لا ضير فهو في سبيل الله. كما أنهم يهدفون أيضًا لرفع معنويات إخوانهم وإشعارهم أن لهم إخوانًا يؤيدونهم ويدعون لهم ووَدُّوا لو كانوا معهم. أقول إن هذا المتخاذل يرى أمامه هذه النماذج فلا عذر له بالتخلي عن النصرة.

 

وأود هنا أن أذكره أن المسلم أَبِيٌّ يرفض المذلة ويستعصي على القيود، ويهجر المستحيل.

 

وتِأمل هذه الآية ويا ليتك تقرأ مناسبة نزولها:

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)﴾ (النساء)، أريدك أن تتأمل مصير من اعتذر بقلة الحيلة وعدم الاستطاعة.

 

ج- شبهات واهية يسمعونها:

وهذه الشبهات تأتي من المُخَذِّلين والمتآمرين على المشروع الإسلامي بصفة عامة فضلاً عن المجاهدين، ومن هذه الشبهات "حماس هي السبب"، "أتريدون لبلدنا أن تدخل في حروب"، "أتريدون للفلسطينيين أن يتركوا غزة ويأتوا لسيناء إذا فتحنا لهم المعبر؟"... و.. و.. وأقول لك ببساطة وبعيدًا عن الجدل العقيم، والدخول في سجالات كلامية جوفاء والتي تتولى كِبْرها الصحف الصفراء كصحيفة (الأهرام) وغيرها، أو التليفزيون الرسمي "المتصهيوأمريكي" الذي يتراقص على أشلاء الضحايا، ويذيع برامجه المعتادة وكأن شيئًا لا يحدث. المهم نقول ببساطة إن هذه الحجج يمكن الضحك بها على الصبية في الشوارع وهم يلعبون الكرة. إن مئات الفلسطينيين الآن يقفون على المعبر ينتظرون دخول غزة متحدين القصف البري والبحري والجوي، فكيف يُقال بأنهم سيتركونها؟!!

 

كما أنه لم يقل أحد بأن المعبر يُترَكُ هكذا بلا رقيب ولا حسيب. أما بالنسبة لدخول حرب فلم يطلب أحد ذلك، أما بخصوص إلقاء التهمة على حماس وأنها هي السبب فهذه أرذل السخافات وأحقرها: وأُشَبِّهُ ذلك بوالد مثلاً يحذر ابنه من اللعب بالقرب من البحر خشية الغرق، فلما حدث ما لم يُحْمَد عقباه، واستغاث الابن بأبيه. ماذا سيفعل الأب حينها؟ أيلوم ابنه على عدم استماعه لنصحه أم....؟! أترك لكم الإجابة. هذا إن افترضنا جدلاً أن "حماس" هي السبب.

 

المهم أن المُتَخَاذِلُ يسمع كثيرًا من هذه الحجج فتثبط عزيمته، ولكن مع معرفة الواجب الشرعي للنصرة تتلاشى كل هذه الحجج الواهية المُتَهَرِّئة.

 

عاقبتهم:

إن التخاذُل جرَّ على المسلمين الذلة والعار، وقد حاربه الإسلام حربًا شعواء، ولعن من يقبعون في ظلاله الداكنة الزريَّة:

 

قال صلى الله عليه وسلم: "لا يقفن أحدكم موقفًا يقتل فيه رجل ظلمًا فإن اللعنة تنزل على كل من حضر حين لم يدفعوا عنه، ولا يقفن أحدكم موقفًا يضرب فيه رجل ظلمًا فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه". المعجم الكبير للطبراني.

 

وقال "من أذلّ عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر على أن ينصره أذلّه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة" رواه أحمد.

 

وقال: "مَن خذل أخاه في موطنٍ وهو يقدر على نصرته خذله الله على رؤوس الأشهاد يوم القيامة" [6] أخرجه أحمد.

 

وفيما يرويه الرسول الكريم عن رب العزة: "وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله أو آجله، ولأنتقمن ممن رأى مظلومًا فقدر أن ينصره فلم يفعل" رواه الطبراني في الأوسط (12134) والبزار.

 

وهكذا، فإن الدفاع عن إخواننا في غزة فريضة إسلامية، خاصة في عالم يسوده الاستكبار، وتمارس دول وحكومات وجماعات بشرية وأفراد الظلم على الآخرين، فالدفاع عن المظلومين يصبح رقمًا مهمًّا في معادلة المشروع الحضاري الإسلامي.

 

3- المُخَذِِّل:

وهم الذين يقومون بتعويق وتثبيط المجاهدين ومن يسعون لنصرتهم من المسلمين، وهؤلاء في الحقيقة أكتفي بذكر ما قاله القراّن في شأن أمثالهم:

 

﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19)﴾ (الأحزاب).

 

وقول الله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ (آل عمران: من الآية 168)،
وقول الله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73)﴾ (النساء).

 

فبين الله أن هؤلاء:

1- يفرون من المواجهة ويعملون على تخذيل الغير.

2- بخلاء بأموالهم على المجاهدين وبأنفسهم ولا يحبون الخير لرجال الحق والموقف.

3- ترتعد فرائصهم وتدور أعينهم عند حلول الشدائد.

4- الشماتة بالمؤمنين المجاهدين.

أما عن عاقبتهم ومآلهم:

فيكفي ما قاله ربنا سبحانه وهو يفضح حالهم: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (الأحزاب: من الآية 19).

4- المتآمر:

وهؤلاء هم أقبح القوم وأرذلهم، وهم المشاركون عمليًّا في حصار غزة وغلق معابرها بحجج مدحوضة أكل عليها الزمان وشرب، وكذلك المبررون لليهود الغاصبين جرائمهم والداعمين لهم ماديًّا كان أم معنويًّا. وكذلك الذين يلمزون ويغمزون المجاهدين من أهل غزة، والقامعين والمعوقين لناصريهم من الشعوب.

 

وهؤلاء لا يستحقون ذكرًا ولا تعليقًا، ويكفي أنهم وضعوا أنفسهم في سلة واحدة مع أعداء الأمة من اليهود والنصارى.

 

ومصيرهم:

﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (النساء: من الآية 140) إلا أن يتوبوا إلى الله.

 

وبعد..

لم أُرِد فيما سبق أن أَحكم على أحد أو أُصَنِّفَه فهذه ليست قضيتنا ولم تعلمنا دعوتنا ذلك، فنحن دعاة لا قضاة، ولكن أردت أن أضع النقاط فوق الحروف، حتى لا يقف إنسان مسلم وهو يشهد هذه المحرقة والإبادة لإخوانه المسلمين مترددًا في نصرتهم ودعمهم بالمال وبما يستطيع، والمجاهرة بذلك مهما كان الثمن. وأردت أن يعرف كل واحد منا أين يقف بالضبط من هذه المحرقة البشعة والمجزرة المروعة خاصة بعد الاجتياح البري لقطاع غزة من قبل عصابات إجرامية أَلَِفَت الرقص على دماء المسلمين وأشلائهم، وغدا سيلقى كل إنسان ربه فيجزيه بما عمل، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281)﴾ (البقرة).

 

فيا أيها المتردد في نصرة إخوانك في غزة داعيًا كنت أم مَدعُوًّا، رجلاً كنت أم امرأة، ولدًا كنت أم والدًا، هل أدركت أن السكوت لا ينفع وأن الساكت في مثل هذه الحالة متخاذل ومصيره كما قد تبين فماذا أنت فاعل؟!! وأين ستقف؟!!

 

﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)﴾ (آل عمران).

﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (52)﴾ (إبراهيم).

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)﴾ (ق).

ألهمنا الله رشدنا ووفقنا لنصرة إخواننا أهل غزة، اللهم آمين.