أيها السادة.. أصحاب المعالي والفخامة والسمو.. ليتكم سكتُّم.

نرجوكم.. كفانا فقد تعبنا، نرجوكم.. كفانا فقد سئمنا، نرجوكم.. كفانا فنحن نعاني من التخمة من بياناتكم وشجبكم واستنكاراتكم وتصريحاتكم واسترضائكم البيت الأبيض؛ قِبلتَكم من دون الله.. ليتكم سكتُّم.. ليتكم ما نطقتم.. ليتكم صمتم.

 

كالعادة سوف تندِّدون بالعدوان الهمجي على غزة، وتحمِّلون حماس والفصائل الفلسطينية مسئولية ما حدث.. لأنهم لم يستجيبوا لنصائحكم بالتهدئة.. أن يركعوا ذلك أفضل.. أن يستسلموا ويسلِّموا ويركنوا للخنوع والذل والهوان؛ حتى ترضى عنكم "إسرائيل" فترضى برضاها أمريكا فتسكن عروشكم المرتجَّة، وتهدئ نفوسكم المرتعشة، ولا مانع من أن يركب نوابكم بمجلس الشعب الموجة فيصولوا ويجولوا ويهاجموا الوحشية الصهيونية، ثم يمتص الدكتور فتحي سرور غضبة نواب الإخوان والمستقلين فيسمح لهم بالتنفيس عن غضبهم.. عن حزنهم.. عن آلامهم، معلنًا عن إعلائه لحق الصراخ في جلسة المجلس.

 

ولا مانع من فتح معبر رفح الآن، والذي أغلق من قبل في وجوه المحاصَرين، ولكن لاستقبال الجرحى والمصابين فقط، ولا مانع الآن من إدخال بعض المؤن والأغذية وقد كنتم من قبل تقطعون شرايين الحياة عن غزة وتردمون الأنفاق على رءوسهم!.

 

أما أصحاب الأعمدة في الصحف القومية فسوف يَكيلون التهم لحماس التي أصبحت أخطر على أمن مصر من الصهاينة!! ويحمِّلونها المسئولية عن المجازر، فلماذا لم تَسْتَجِبْ لنصائح مصر وتحذيراتها بالسكوت عن جرائم "إسرائيل" ضدهم وحصارهم وتجويعهم ومحاولة تركعيهم؟!

 

لماذا يصممون على حق المقاومة وحق الدفاع عن أنفسهم وعن أرضهم وديارهم وعن كرامتهم، بل عن كرامة الأمة العربية والإسلامية جمعاء؟! لماذا لم يرضوا ويقبلوا بالدنيَّة في دينهم ويدخلوا في مفاوضات الوهم والضحك على الذقون المُسمَّاة مفاوضات السلام، وما هي إلا مفاوضات الاستسلام التي لن ولم نَجْنِ من ورائها إلا السراب؟!

 

ولا مانع من إطلاق تصريحات من قِبل القادة العرب المغاوير الأشاوس؛ فيدعو أحدهم إلى عقد مؤتمر "للنقمة" العربية المُسمَّاة بـ"القمة العربية" تجاوزًا، فيجتمعون وتلتف حولهم عدسات وكاميرات التصوير وهم يصرخون من حناجرهم مستنكرين قتلهم ويُتْمِ أولادهم؛ على الرغم من أن "إسرائيل" كانت تحاصرهم وتقتلهم كل يوم لأكثر من عام ونصف العام، فلم يحرِّك ذلك فيهم ساكنًا، بل شاركوها الحصار والتجويع والتركيع، بل أمدوا الصهاينة بالغاز الأقل سعرًا على مستوى العالم لتضاء مصابيح الشوارع والبيوت في حيفا وتل أبيب، في الوقت الذي عاش فيه الطفل الفلسطيني والطالب الفلسطيني على أنوار الشموع؛ لا يجدون من يمدهم بالعون والمدد إلا الله سبحانه وتعالى والمخلصين من أبناء هذه الأمة المكلومة والمبتلاة بأمثال هؤلاء الحكام.

 

ثم إنكم سوف تُصدرون بعض القرارات بتفعيل قرار القمة السابق؛ بكسر الحصار وإنشاء صندوق لدعم المحاصَرين، وبناء المنازل التي هُدمت على رءوس أصحابها، ثم لن تجد تلك القرارات أي صدى لتنفيذها أو الالتزام بها لتتحوَّل قرارات قمتكم إلى نوع من الهزل فتبيت لا تساوي الورق الذي كتبت عليه، وخاصةً أن موعد القمة تحدَّد يوم الجمعة القادم؛ أي بعد بداية العدوان بأسبوع تقريبًا، ومن ثم ستكون "إسرائيل" قد أنهت مهمتها القذرة في سحق أهلنا في غزة بآلة الحرب الجهنمية في حرب غير متكافئة.

 

أما أمريكا دولة الظلم والبغي والعدوان فاعتبرت حماس مسئولة عما حدث، وسوف ترفع الفيتو في وجه من يحاول إدانة "إسرائيل" في مجلس الأمن مثلما فعلت في حرب لبنان تمامًا؛ ليستمر العدوان الإجرامي على أهلنا وشعبنا في غزة حتى ينتهيَ الصهاينة من إتمام محرقتهم ومذابحهم وجرائمهم المخالفة لكل القوانين والأعراف والمعاهدات الدولية التي لم نشهد لها مثيلاً في العصر الحديث إلا في حرب لبنان، وليُقدَّم الدم الفلسطيني الزكي الطاهر قربانًا للناخب الصهيوني قبل الانتخابات "الإسرائيلية" في فبراير القادم.

 

أما السيد أحمد أبو الغيط وزير الخارجية- سامحه الله- في لقائه المخزي مع داعرة السياسة "الإسرائيلية" تسيبي ليفني الذي ملأ الدنيا ضجيجًا من قبل بتصريحات عنترية من نوع "اللي ح يقرب من الحدود ح اقطع رجله"؛ طبعًا يقصد "الفلسطينيين الغلابة المحاصرين مش الإسرائيليين"؛ فقد تمنَّى على السيدة ليفني ألا تهاجم غزة هجومًا شاملاً!! يعني لا مانع من هجوم محدود، وهو يحمل في طياته تصريحًا لقتل الفلسطينيين وموافقة ضمنية على الهجوم؛ حيث تعمَّدت زيارة القاهرة وتدنيس أرضها قبل الهجوم بساعات قليلة؛ لتعطيَ انطباعًا بموافقة القاهرة على الهجوم لتعطيَ درسًا متكررًا عن الخبث والانتهازية السياسية.

 

وأنا أطالب كافة القوى السياسية بألا تكتفيَ فقط بإدانة العدوان وإطلاق الشعارات وتنظيم المظاهرات والاحتجاجات، ولكن آن الأوان ألا يهدأ لنا بال حتى يندحر العدوان وينكسر الحصار الظالم على أهلنا في غزة.

 

أما السادة أصحاب المعالي والفخامة والسموّ؛ الذين ما إن وقع العدوان حتى هتفوا بكل قوتهم: "حي على الشجب والاستنكار"؛ فإن مُصابنا الأعظم والله فيكم أنتم، من ضعفكم وذُلِّكم والخزي والعار الذي ورَّثتموه لشعوبكم، فيا ليتكم سكتم خيرًا لنا ولكم.