ظننت حسَنًا في النظام المصري عندما استدعى وزيرةَ الكيان الصهيوني المحتلّ إلى القاهرة يوم الخميس الماضي ومن قبلها محمود أبو عباس، بل قلت إن ما يفعله النظام المصري يصبُّ في مصلحة فلسطين المحتلة، وفي القلب منها حماس، وزاد حسن ظني بدعوة مصر الفصائل المقاومة إلى الحضور للحوار واستماع وجهة النظر، كلٍّ على حدة.
ولم أشكُّ لحظةً واحدةً؛ بل لم أودُّ أن أُسيءَ الظن حتى رأينا جميعًا ما حدث يوم السبت من هجومٍ منظَّمٍ وغاراتٍ متواليةٍ على غزة الأبية وما خلَّفته من دمار وهذا العدد الضخم في الشهداء والجرحى.
وتتوالى التصريحات من هنا وهناك؛ لتؤكد أن ما أسفرت عنه اجتماعات ليفني بالرئيس المصري إنما فحواها منع الكيان المغتصب من أي هجومٍ، وأن مصر تمسك بزمام الأمور.. إلى آخر الترَّهات التي رأينا دماءها على أرض الشهداء!.
أمام الصمت المصري المؤلم والمميت- وبفرض حسن الظن المفترض في بداية حديثي- يجب على النظام المصري رئيسًا وحكومةً أن يُدافع عن نفسه من ناحيتين:
الأولى: ما قوله ورد فعله السياسي والعسكري الذي يتناسب مع ثقله ووزنه في المنطقة تجاه العدوان الصهيوني فيما اتُّفِقَ عليه يوم الخميس الماضي وما سبَّبه له من حرجٍ سياسي وشعبي وعربي وعالمي؛ يصل إلى حدِّ الإهانة الشخصية للداعي للقاء يوم الخميس المفضوح.
الثانية: ما الدور المنتظر من النظام المصري لاستعادة كرامته وردِّ الإهانة البالغة التي طالته من الكيان الصهيوني؟ وماذا سيقدم للمقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني ردًّا على ما حدث؟ أم سيكتفي بإرسال بعض سيارات الإسعاف والمعونات الغذائية والطبية الضعيفة، ويقف موقف الثكلى المكلومة التي لا حول ولا قوةَ لها؟ هل سيستمر الحصار بعد اليوم أم تفتح الحدود على مصراعيها ولا حاجةَ لنا بعد اليوم للأنفاق؟!
أما إذا تحدثنا تجاه ما ينبغي فعله حال صدق التصريحات التي سمعناها كتأكيدات المسئولين المصريين بعدم الهجوم الصهيوني، وأن حوارَ الخميس هدفه الترتيب لدمار غزة ومَن فيها بمثل ما شاهدناه في محرقة السبت، وأن دور مصر في المنطقة يختزل في حصار غزة، والوقوف مع الكيان الصهيوني ضد حماس، ولو على حسابِ المصلحة الفلسطينية والعربية.. فهذا كثير، ويجب أن نتوقف عنده كثيرًا.
إنَّ ما يحدث على المستوى المصري خيانةٌ بكل المقاييس للقضية العربية الأولى في جميع أجندات الشعوب والأنظمة..
إن ما يحدث هو مخالفةٌ وتعدٍّ صارخٌ لكل القوانين والاتفاقات الدولية بعامة والعربية منها بخاصة..
إن ما يحدث هو خرقٌ للدستور المصري في كل بنوده؛ بالتخلي عن واجباته وأبسط حقوقه..
إن ما يحدث هو خسةٌ ودناءة لا نعرفها في قاموس القيم والأعراف العربية..
إن ما يحدث هو فقدان لشرعية النظام؛ توجب إعفاءَه من تولِّي منصبه..
يجب على وطننا مصر- شعبًا- أن يُجبر النظام على احترام أحكام القضاء ضد تصدير الغاز وإلغاء الاحتفال بمولد أبو حصيرة المزعوم، وتنفيذ الحكم الصادر بإلغاء الحصار على غزة وفتح المعابر، وطرد السفير الصهيوني، بل ودحر الاحتلال.
ماذا تنتظرون يا عرب.. بل أجيبونا عما في جعبتكم؟ ماذا تريدون للقضية الفلسطينية؟ ماذا أنتم فاعلون؟ أين جيوشكم ونفطكم وأموالكم يا عرب؟ أين إرادتكم السياسة؟ أين أصواتكم في المحافل الدولية؟ بل أين كرامتكم وعزتكم؟!
على أيديكم أُهدر الدم العربي.. بل وأصبح الدم الفلسطيني لأول مرةٍ في التاريخ الحديث بعد إعلان الميثاق العالمي لحقوق الإنسان يقود سباق الانتخابات القذرة الصهيونية لأنجس جنسٍ بشري على أقدس وأطهر بقعة في الأرض.
يا أموات العرب من الأحياء.. متى تفيقون أو ترحلون؟! ولا أملك إلا التذكرة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)﴾ (الحج).
-----------