بدماء شهدائكِ.. وأشلاء أبنائكِ.. وجراح أطفالكِ.. ودموع نسائكِ.. أنتِ أطهر وأعز..
لكِ الله يا غزة.. فقد باعك القريب قبل البعيد، وتصارحوا وتوافقوا وتعاهدوا على الخيانة.. خيانة أوثق العهود.. عهود وثَّقها الله في كتابه العظيم! لكن أنَّى لهم؛ فالخائنون دائمًا ما يذهبون إلى مزبلة التاريخ ويبقى الشرفاء.

 

لكِ الله يا غزة.. وأنا أُشاهد أبناءك ورجالك أشلاءً ممزقةً فوق بعضها البعض متراميةً مُقطعة؛ كأن شجرةً تساقطت أوراقها فوق بعضها، إلا أن أوراقكِ يا غزة لم تكن صفراء؛ بل كانت خضراء مزهرة زاهية في ريعان الشباب.

 

لكِ الله يا غزة.. فلم أصدق ما كُنت أرى.. أدهشتني المشاهد، وصعقتني المناظر، لم يعد في ميزان الإنسانية مثقال ذرة من خردل، ولم يعد في القلوب نقطة من رحمة، فصبَّ الأغبياء وبال غبائهم وحقدهم على أجسادِ بنوكِ الغضَة اللينة.

 

لكِ الله يا غزة.. فقد دفع أطفالك الصغار.. وأبناؤك الرضَّع.. ونساؤك الحرائر.. وشبابك الأطهار.. دفعوا ضريبة الثبات والصمود على ثوابت الأُمة؛ بل لقد دفعوا ضريبة الثبات والصمود والدفاع عن أُمة محمد!!.

 

تلك الأمة التي صُمَّت آذانها؛ فلم تعد تسمع صُراخ شهدائك وأنَّات جراحكِ؛ عَمِيَت أعينها فلم تعد تُحرِّك قلوبها ما تراه من مشاهد دموية تتقطع من أجلها قلوب الإنسانية.. عَمِيت أبصارها وصُمَّت آذانها؛ فطبيعي أن تُخرس ألسنتهم ويسكتوا سكوت الجيفة الميتة؛ دون حراك أو كلام؛ في غيِّهم صامتون؛ وفي صمتهم غارقون، وفي الإثم مُشاركون، وأمام ربهم يوم القيامة حتمًا مسئولون (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24)) (الصافات).

 

لكِ الله يا غزة.. وقد باعك أبناء العز بن عبد السلام شرَّ بيعة؛ باعك الذين ورثوا العلم عن الأنبياء؛ فلم يتحدث جلهم، وشاركوا النائمين في نومهم، بل وشاركوا في خنقك بصمتهم.

أيا الله.. أيا الله!!.

 

فيا من ورثتم عن أنبياء الله أطهر العلم.. يا من رُزِقتم العلم عن الله.. يا من تحكمون بكتاب الله وسنة رسوله، وتحفظون النصوص.. يا من تبنون علمكم وقولكم على كلام الله وسنة نبيه.. أين أنتم اليوم من كلام ربكم وسنة نبيكم؟! أين أنتم من دفاعكم عن المستضعفين في الأرض والمظلومين؟ أين أنتم من حُرمات الله التي تُنتهَك؟

 

ألا تجدون في كلام الله ما تستعينون به على الظالمين وتردُّون به أي مشاعر للخوف تتبادر إليكم؟ يا علماءنا.. مم تخافون؟ الأرزاق على الرزاق رب العالمين، وقد تكفَّل الله بها (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) (هود).

 

يا علماءنا.. أخطاء غيركم قد تُغفر، أما صمتكم أنتم وعدم جهركم بكلمة الحق في وجوه الحُكام  وفي وجه شعوبكم فهي خطيئة لن تُغفر؛ على الأقل من بني البشر.. أو على الأقل.. ممن حِيكت ضدهم هذه الجريمة.

 

يا أحفاد العز بن عبد السلام.. ويا إخوان ابن تيمية ويا تلاميذ أبي حنيفة وابن حنبل.. يا مُحبي محمد عبده ورشيد رضا وابن عبد الوهاب.. ألم تقرءوا عن نبيكم أنه قال: "حُرمة دم المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة".

 

فيا سادتنا العُلماء.. لقد انتُهكت حُرمات أكثر من مائتي مُسلم وحُرج ما يزيد على خمسمائة، وقصفوا بيتًا من بيوت الله.. فماذا بعد ذلك؟ لقد قضوا على النفس والعِرض والنسل ويُحاربون الدين؛ فماذا بقي من الكُليات حتى تصمتوا!!.

 

لقد دفع أساتذتكم الثمن يوم أن دفعوه من سابق الزمن.. دفعه ابن حنبل حين عُذِّب حين قال كلمة الحق ورفض أن يُغيّر رأيه أو يُبدله في قضية خلق القُرآن الشهيرة.. دفعه أبو حنيفة حين سُجن أيضًا؛ لأنه رفض أن يتولى القضاء حتى لا يؤثر ذلك على صدق فتواه وثبات موقفه ووضوح أقواله وحرية رأيه، وقيل إنه سُجن بسبب اعتراضه على سياسة الخليفة آنذاك، ومات أبو حنيفة في السجن.

 

عُذب الإمام مالك، وضُرب بالسياط حتى خُلع كتفه بسبب جهره بالحق؛ حين سُئل عن طلاق المُكره فقال باطل، وقيس على هذه حُكم البيعة (البيعة للخليفة تحت الإكراه) فعُذِّب حتى خُلع كتفه، وقُتل الكواكبي رحمه الله مسمومًا- مات بالسم- بسبب فضيحته للظالمين وصُراخه في الأُمة لتستيقظ وتعود من جديد، وحثه على تجميع وتوحيد العلماء، ودبّ روح الجهاد في الأمة للخلاص والريادة.

 

فاستحيوا يا سادتي العُلماء.. اتقوا ربكم.. واعقدوا عزمكم.. واصرخوا في وجه الحُكام، وقولوا لهم: آن الأوان أن تنتهي المهزلة الحقيرة.. انزلوا إلى الشوارع وقولوا كلمة الحق في وجه الظالمين.. عودوا إلى دوركم الذي تركتموه منذ زمن وتخلَّيتم عنه كثيرًا.. حركوا شعوبكم، وأيقظوها من النوم والسبات الذي ضُرب عليها.. وقولوا لنا: ما حُكم الصمت؟ وما حُكم الحصار والإغلاق؟ وما حُكم ترك الأبرياء يموتون؟ وما حُكم التواطؤ في قتل الأطفال وترك المرضى يصرخون؟ ما حُكم فقد السيادة السياسية للأُمة وضياع هيبة المُسلمين بل ضياع هيبة أُمة الإسلام؟ إننا نسألكم عن أمورٍ باتت معلومةً من الدين بالضرورة ! فبالله عليكم متى تتحركون وتنطقون؟! فلا تجعلوا المصيبة مصيبتين.

 

أما أنتِ يا غزة.. فصبر جميل.. صبرٌ جميل.. إن تخاذل عنك الجبناء.. فالله خير معين ورفيق.. إذا كان الله معك يا غزة فمن عليك؟ وإذا كان الله على بني الصهاينة الخنازير المجرمين السفاحين.. إذا كان الله عليهم فمن معهم؟ ومن هُم؟ اثبتي.. واصبري.. وصابري.. (إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) (الحج)، (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) (الأنفال)؛ (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)) (الأنفال)، اصبري يا غزة فالفجر نوره على وشك البزوغ.. من جراحك يا حُرة سيسرج سراج النور.. ومن مسك العبير ستترعرع الزهور.. من بين الجراح.. نقول النصر لاح.. والفجر لاح.. الليل سيولّي.. حتمًا.. قريبًا.. ولن يعود ثانيةً.. وسيجيء دورك يا صلاح.. يا صلاح هذه الأمة.. وسفينة الإسلام.. سفينة الحرية.. سفينة الإنسانية.. سفينة العدالة والحق والقوة.. سفينة العدل والحقوق.. سفينة النهضة والريادة والوحدة والائتلاف.. سفينة الإسلام.. قادمة.. قاااااادمة.. لا ولن تبالي بالرياح.. صبرًا إن العاقبة للصابرين المُجاهدين.. الصامدين الأحرار أصحاب الحق.. والله المستعان.