مصر التي أعطت طوال تاريخها من دماء أبنائها وأرواحهم دفاعًا عن العروبة والإسلام.. مصر التي قدمت أعظم التضحيات دفاعًا عن فلسطين أرض العروبة والإسلام وذودًا عن أهلها وترابها ومقدساتها.
مصر.. الدولة العربية الكبرى بعمقها التاريخي والنضالي، أو الشقيقة الكبرى كما يحلو للبعض أن يسميها، تنكَّرت لمبادئها وأخلَّت بواجبها والتزاماتها التاريخية والقومية والشرعية تجاه أمتها العربية، وخاصةً في فلسطين، وتحوَّلت من قوةٍ ودعمٍ لأمتها ونصرةٍ لقضاياها؛ إلى أداة للقهر والظلم والبغي، فتحاصرهم في غزة، وتشارك عدوَّنا وعدوَّهم في تجويعهم وإذلالهم، ومحاولة تركعيهم؛ بل تمتنع عن مداواة جروحهم وعلاج مرضاهم ومواساة ثكلاهم، وترتكب في حقهم مثلما يفعل بهم الكيان الصهيوني، سواءً بسواء.. جرائم ضد الإنسانية يعاقب عليها القانون الدولي الذي يمنع صور العقاب الجماعي والإبادة الجماعية بكافة أشكالها.
الشقيقة مصر الآن- ومن خلال رؤية وسلوك النظام الذي يحكمها- أصبحت وبكل أسف إحدى أدوات الضغط على أهلنا في غزة لإفشال مشروع المقاومة الذي ثبت باليقين أنه الخيار الوحيد لمواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي؛ الذي اتضحت أهدافه الدنيئة الطامعة في ثرواتها ومقدَّراتها، بل بات يستهدف حاضرها ومستقبلها.
كما أن مصر الشقيقة الكبرى مَنَعت بعصا الشرطة الغليظة كل قوافل الإغاثة؛ التي حاول الشرفاء من هذا الشعب العظيم تسييرها إلى رفح ومنه إلى غزة؛ لتلبية نداءات الاستغاثة لأهلنا المحصورين هناك، وقامت بسحلهم حتى اضطرت اللجنة الشعبية لكسر الحصار إلى الطعن على هذا القرار الظالم أمام محكمة القضاء الإداري؛ التي أصدرت حكمًا تاريخيًّا يضاف إلى أمجادها بوقف قرار الحكومة بمنع قوافل الإغاثة، فضربت به الحكومة الرشيدة التي تتمتَّع بقدر كبير من التناحة والبلادة عرض الحائط، بل وامتنعت عن تنفيذه وطعنت عليه أمام المحكمة الإدارية العليا؛ لعلها تجد مخرجًا بصدور قرار المحكمة برفض تنفيذ الحكم الذي أزال العار عن شعب مصر الذي ألصقته به حكومته.. عار ذل مشاركة اليهود في إبادة شعبنا في غزة الصابرة المناضلة.
ويا ليتها اكتفت بذلك؛ بل شنَّت حملةً من الاعتقالات بشكل شبه يومي، طالت العشرات من الإخوان المسلمين المناصرين لكسر الحصار عن غزة والمساندين للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأولها الحق في المقاومة.
كما أنني لا أعرف سببًا لاعتقال الدكتور جمال عبد السلام رئيس لجنة الإغاثة الإنسانية بنقابة الأطباء، إلا أن الرجل حاول أن يؤدي واجبه ودوره في إغاثة أهلنا المحاصرين في غزة، ولا تستحيي بعد ذلك أجهزة الأمن من توجيه الاتهامات الباطلة والمضحكة له، بل والمثيرة للسخرية بتكوين خلية تابعة لحماس!! على الرغم من أننا لم ننتهِ بعدُ من الضحك على النكتة "البايخة" السابقة باتهام الدكتور عبد الحي الفرماوي أستاذ التفسير بكلية أصول الدين بالأزهر بصناعة طائرات بدون طيار لتوصيلها لحماس لتضرب بها الكيان الصهيوني، حتى إن أحد البسطاء من الناس سألني حين علم بهذا الاتهام مستفسرًا: هل يوجد قسم لصناعة تلك الطائرات بكلية أصول الدين!! إلا أنني أمام المثل القائل "شرّ البلية ما يضحك" انخرطت في الضحك، وقلت له اسأل مباحث أمن الدولة.. هم أدرى!!.
ولكي تكتمل صورة المأساة والأوضاع التي نعيشها والتي تستخدم فيها الحكومة كافة الوسائل لإلهاء الناس؛ فقد تعجَّبت حين طالعت صفحة الحوادث منذ أيام، والتي نشرت خبر وفاة أحد الموطنين في بني سويف بالسكتة القلبية، لا حزنًا على أوضاعنا المتردية في مصر، ولا كمدًا على أوضاع أهلنا في غزة أو في العراق أو الصومال، ولكن لأن فريقًا رياضيًّا في دورة كأس العالم باليابان أحرز الهدف الرابع في مرمى الأهلي!!، وهو مؤشرٌ خطيرٌ يوضح مدى البون الشاسع بين خطورة ما نعيشه من أوضاع وغفلة الناس عن المخاطر المحدقة بالأمة وتفاعلهم السلبي مع تلك الأحداث وغياب فقه الأولويات الذي ينبغي أن نجدول عليه اهتماماتنا.
وحتى تكتمل المأساة أيضًا طالعتنا الصحف بصورة محزنة للشيخ سيد طنطاوي شيخ الأزهر؛ يصافح فيها بحرارة وابتسامة بعرض وجهه وفي أحد المؤتمرات المشبوهة رئيسَ الكيان الصهيوني شيمون بيريز سفاح مذبحة قانا في لبنان ورئيس دولة مغتصبة لأرض الرباط فلسطين، وتحتل قواته القدس الشريف، وتحاصر وتقتل النساء والأطفال والشيوخ في الضفة وغزة ليل نهار، ثم يسخر من الشرفاء الذين انتقدوا هذا الموقف المخزي بتصريحات لا ينبغي أن تصدر من رجل من المفروض أنه يمثل مؤسسةً إسلاميةً عريقةً، فيقول إنه لا يعرف أن غزه محاصرة!!! حتى شككْت أن الشيخ قد يكون أصيب بمرض الزهايمر شفاه الله، ومن ثم أرجو أن يقوم الزميل عصام سلطان المحامي- الذي يعِدُّ الآن دعوى لعزل الشيخ لافتقاده شروط الصلاحية لهذا المنصب الكبير- أن يضيف طلبًا جديدًا لدعواه بإحالة فضيلته للطب الشرعي لإثبات عدم إصابته بهذا المرض اللعين.
إننا على يقين بأن الله سبحانه وتعالى ناصرُ من ينصره، وأن الحصار الظالم على أهلنا في غزة سوف ينكسر ويندحر، وما عليهم إلا أن يصبروا، وكما قال أسلافنا العظام: إنما النصر صبر ساعة، وإن هذا الصبر والثبات البطولي يؤرِّق جفون أصحاب الهالات والقامات من العرب الرسميِّين المنبطحين والمطبِّعين والموالين للصهاينة، والذين باعوا القضية بعدما شبعوا من المتاجرة بها، وعلى رأسهم السلطة في رام الله وبعض قيادات فتح؛ الذين يتشاركون مع اليهود في إلهاء الشعب الفلسطيني بالحديث عن مفاوضات السراب المسمَّاة بمفاوضات السلام.
إن كسر الحصار الظالم عن شعبنا في غزة قبل أن يكون مسئولية أصحاب الفخامة والسموِّ من حكام هذا الزمان هي بذات القدر مسئولية الشعوب وكل الشرفاء في العالم، فلا ينبغي أن نخذل شعبًا أصبح الآن هو خط الدفاع الأول عن الأمة العربية ضد الهجمة الصهيونية الأمريكية، وبالذات مصر التي تعتبر المقاومة في غزة خيارًا إستراتيجيًّا لا ينبغي لها أن تفرِّط فيه.
إنني أشعر وكأنني أكتب مرثيةً عن الشقيقة الكبرى التي تخلَّت عن أشقائها وهم في أمسِّ الحاجة إليها وإلى أن تمدّ لهم يد العون والمساعدة؛ بعد أن أدار العالم أجمع ظهرَه لهم، ولم يبقَ لهم إلا الله ثم المخلصون من أبناء هذه الأمة التي أرجو أن يصمدوا ويثبتوا دفاعًا عن حق هؤلاء المجاهدين المرابطين الذين تمسَّكوا بخيار المقاومة كخيارٍ وحيدٍ لاستعادة الحقوق المشروعة لشعبنا المرابط في فلسطين.