د حلمي محمد القاعود

المفارقات على الساحة الفلسطينية عجيبة لا تنتهي، ومع أن الاختلافات في الرأي والتصورات يمكن أن تكون مكسبًا كبيرًا في تحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية إلا أن البعض في السلطة الفلسطينية يصر على تحويل هذه الاختلافات إلى خلافات جدية وجذرية؛ تهدم كل شيء وتبدِّد كل شيء في سبيل مصالح نفعية صغيرة لا تقدِّم ولا تؤخِّر، مهما تصوَّر أصحابها أنهم كسبوا وغنموا.
سلطة رام الله تنسِّق مع العدو الغازي اليهودي الغاصب، وتعتقل المقاومين والمعارضين، وتقدم من يريده العدوُّ إلى سجونه ومحاكماته الظالمة، ولا تجد في ذلك حرجًا أو غضاضةً، وفي الوقت نفسه تطارد الإسلام في الضفة الغربية وتلاحق الدعاة وتغلق الجمعيات الخيرية الإسلامية، وأحيانًا تعطي نفسها الحق في قتل من تشاء أو اعتقاله دون مسوِّغ قانوني.
ومع أن هذه الممارسات تصبُّ في صالح العدو الغاصب، إلا أنها لم تحمِ سكان مدينة الخليل الذين هجم عليهم الغزاة في قطعان شريرة شرسة تضرب وتقذف بالطوب وتصيب من تشاء وتقتل من تشاء أيضًا وتحتل الدور والبنايات التي يسكنها العرب المسلمون قهرًا وغصبًا وعدوانًا، ولم تتحرك السلطة الفلسطينية الموالية للعدو ولو بالكلام؛ في حين اهتز أصحاب الضمير في العالم لما يفعله الغزاة اليهود الأشرار، بل إن المنظمات الصهيونية التي تدَّعي الدفاع عن حقوق الإنسان وصفت ممارسات العدوّ في الضفة الغربية بالعنصرية، وأنها تذكِّر بنظام الفصل العنصري (الأبارتايد) الذي كان سائدًا في جنوب إفريقيا قبل تحريرها.
لقد قالت الجمعية الصهيونية للحقوق المدنية في تقرير لها (7/12/2008): "إن المستوطنات اليهودية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة أوجدت حالةً من التميز والفصل المؤسساتي".
وأضاف التقرير أن التمييز ملموس على مستوى الخدمات والميزانيات والحصول على الموارد الطبيعية بين المجموعتين (العربية واليهودية) على الأراضي نفسها، ويشكّل انتهاكًا واضحًا لمبدأ المساواة؛ الأمر الذي يذكّر في كثير من جوانبه وأساليبه بنظام الفصل العنصري الذي كان مطبَّقًا في جنوب إفريقيا، وأكدت المنظمة أن التمييز في جنوب إفريقيا كان قائمًا على العِرق، في حين أنه في الأراضي المحتلة قائمٌ على العنصر القومي.
كما أكدت الجمعية أن سكان الضفة- وعددهم مليونان وثلاثمائة ألف نسمة- يخضعون للقانون العسكري الصهيوني، في حين أن المغتصبين وعددهم مائتان وخمسون ألفًا يخضعون للقانون المدني الصهيوني.
وأشار التقرير إلى تطبيقات هذه السياسة على الأرض؛ حيث يتمتَّع الصهاينة بشبكة طرق حديثة مخصصة لسياراتهم، بينما يجبَر الفلسطينيون على اجتياز طرقات خطرة، فضلاً عن قيود صارمة على الفلسطينيين بالنسبة للبناء في تجمعاتهم، ورفض تحديث البنية الأساسية والمرافق، وبعدئذٍ توجد طرق مغلقة عديدة وأكثر من ستمائة حاجز عسكري يديرها الغزاة الصهاينة وتعرقل حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتعوق نقل المرضى والطواقم الطبية العاملة في المستشفيات، وتتسبَّب أيضًا في نقص الأدوية والتجهيزات الطبية.
من جهة ثانية أعرب التقرير عن أسفه إزاء حصار الغزاة لغزة منذ يونيه 2007م، وقالت الجمعية إن سياسة الحصار قضت تقريبًا على الاقتصاد في غزة، وباتت البطالة والفقر منتشرَيْن على نطاق واسع؛ مما أدى إلى انهيار البلديات المحلية التي تناضل من أجل تأمين الحد الأدنى من خدمات الماء والنظافة والطرق والصرف الصحي وغيرها.
لقد أوردت معظم ما جاء في التقرير الصهيوني لحقوق الإنسان نتيجة أعمال العنف التي مارستها قطعان المغتصبين في الخليل طوال الأسبوع الأول من ديسمبر 2008م؛ حيث أصابوا عددًا كبيرًا من الفلسطينيين نتيجة استخدام الرصاص وأتلفوا أشجار الزيتون، ورشقوا المنازل بالحجارة وأحرقوا منزلين وخمس عشرة سيارة؛ مما أدى ببعض الصحف الصهيونية إلى إدانة أعمال المغتصبين ووصفها بالعار، كما وصفت الهجوم على منزل فلسطيني بالفتنة الحقيقية، وذهبت "معاريف" إلى وصف قطعان المغتصبين بالإرهابيين اليهود (القدس العربي 5/12/2008م).
هذا يحدث في الضفة الغربية تحت سمع وبصر السلطة التي تملك آلاف الجنود المسلَّحين المدرَّبين الذين أسهمت خطة دايتون في إعدادهم دون أن تحرك ساكنًا، ولم يمضِ جندي فلسطيني واحد لإبعاد مغتصب واحد عن مواطن فلسطيني واحد.
كانت السلطة ورئيسها المحترم في شغل شاغل عن ذلك، وهذا الشغل هو الهجوم على حماس والمحاصرين في غزة واتهامهم بأنهم يُشبهون كفّار مكة الذين يحُولون بين المسلمين والإسلام؛ حيث أصر فخامة الرئيس الفلسطيني على إجراء الحج بالنسبة لأهل غزة بمعرفته وعن طريقه، وإلا فلا حجّ ولا عمرة! ولهذا لم يتمكن حجاج غزة من الذهاب إلى الأرض المقدسة، وذهب فخامة الرئيس وحده، وارتدى ملابس الإحرام وتوجَّه إلى مكة، تاركًا الخليل وأهلها في قبضة قطعان الغزاة المغتصبين، بل تاركًا الضفة كلها تحت رحمة جيش الاحتلال يعيث فيها فسادًا وتنكيلاً وملاحقةً وخطفًا، واكتفى هو بالدعاء على عرفات أن يثبت الله ملكه المتهاوي الذي لا وجود له إلا في مخيلة العدو الصهيوني الذي يخدمه.
ومن أسف أن مصر الكبيرة سلَّطت أبواقها على المحاصرين في غزة، وتجاهلت تمامًا ما يجري في الخليل، ولم تحتجّ أو تُصدر بيانًا يخيف العدو؛ عفوًا ينبّه العدو إلى أنه يرتكب أعمالاً مشينة، واكتفت بالمشاركة في اجتماعات مجلس الأمن الخائبة؛ الذي أصدر بيانًا غير ملزم يدين هجمات القطعان الغزاة المغتصبين!.
والأسوأ من ذلك كله أنها سلَّطت أبواقها المأجورة لتهجو حماس وتنال من مصداقيتها وجهادها، وها هو عنوان مقال خسيس في إحدى الصحف القومية الكبرى يزعم أن حماس أخطر من العدو الصهيوني يقول العنوان: (أفدح من الاحتلال- أم الخطايا الوطنية والدينية التي تسمى حماس)، ومضمون المقال تشهير رخيص بمن يبيعون أرواحهم في سبيل الله دفاعًا عن الأرض المقدسة؛ بعد أن استسلم الأشقاء للصليبية الدولية والصهيونية المجرمة، والغريب- الذي لم يعد غريبًا- أن الكاتب المأجور المتسلّق بالتقارير (إياها) والجاحد لمن عطفوا عليه، وهو بائس فقير شريد، لا يُبقي نقيصةً أو سيئةً إلا وألصقها بحماس ومن ينتمون إليها أو يدافعون عنها أو يؤيدونها، والعجيب أنه يرى موقفها الصلب من العدو النازي اليهودي الغاصب جمودًا وصلافةً واستغلالاً، والمضحك أنه يتهمها باختطاف الوطن والدين (وليس اليهود النازيون الغزاة!!)، فضلاً عن تحدي العرب، ورفض ما يسمى الحوار، وفقًا لشروط فخامة الرئيس عباس الذي وصف أهل غزة بكفار قريش!.
إن الأبواق التي تنال من كل من ينتمي إلى الإسلام الحقيقي فكرًا وسلوكًا وعقيدةً وعملاً؛ لن تسعد كثيرًا بإجرامها؛ لأن الله محيط من وراء من يستأجرونها ويستخدمونها، وسوف ينتصر الشعب الفلسطيني- إن شاء الله- بإسلامه وعقيدته وإصراره على القيام بفرض العين في مقاومة القتلة النازيين الغزاة، وكما أخرجهم من قلب غزة إلى تخومها سيخرجهم بإذنه تعالى إلى حيث بلادهم الأصلية لينعموا فيها بالأمان والسلام والذراع القصيرة!.
كتاب الحذاء
لم أستطع أن أكتب عن الحذاء الذي أطلقه الصحفي العراقي منتظر الزيدي ضد مجرم الحرب الأمريكي جورج بوش في مؤتمر صحفي ببغداد، لأنه يحتاج إلى كتاب، ويكفي أنه أظهر مشاعر الأمة موحدةً؛ بعد أن ظن المهزومون والخونة والمستقوون بالغرب الصليبي أنها ماتت!.
-------------------