يُدرك حكام مصر على مرِّ العصور بأن مصرَ هي المركز الحضاري والسياسي للعالم العربي، وتكون أحيانًا المركز الاقتصادي والتجاري والمالي والثقافي، ولكن هذه الصفات الأربع تختلف من عصرٍ إلى آخر، ولكن الذي لا خلافَ عليه هو أن مصرَ مركز العالم العربي ومنطلق التفاعلات فيه، وإذا صلحت مصر واستقام عودها صلُح بها كل العالم العربي، وإذا تم تخدير مصر فقدت القدرةَ على التمييز بين الصديق والعدو، وبين أبناء الأسرة العربية وبين الغرباء.

 

ولا بد أن أعترفُ بأنني من الجيل أو النخبة التي لا تعرف الالتفاف حول هذه الحقيقة، وتنادي على الأشياء بأسمائها الحقيقية، ولا تعرف للحقيقة إلا طريقًا واحدًا، وهذه النظرة هي التي حسمت عندي الكثير من السفاسف القولية والفكرية حول هوية مصر، فمصر في إيجازٍ دولة عربية إسلامية إفريقية، مزاجها السياسي معتدل تكره التطرف في كل شيء، وتحب الجميع ويحبها الجميع.

 

أما مقولات القومية والقطرية وما بينهما فقد حسمها هذا المعتقد منذ البداية، وهو أنني أرحب بالتنوع الثقافي في الحديقة العربية، ولكن الانتماء النهائي ينبع من أمةٍ عربيةٍ واحدةٍ حضارتها الإسلام وأديانها متعددة، وحبذا لو كانت الديمقراطية طريقة حياة وأسلوبًا للعيش.

 

يترتب على ذلك أن كل ضعفٍ للمركز يؤدي بالطبيعة إلى افتراسِ الأطراف، وكل انتقاصٍ أو مأساة طبيعية أو سياسية لأي عضو في الأسرة العربية يُؤثِّر مباشرةً على محطة المركز التي تضبط إيقاع الأطراف شاءوا أم أبوا؛ ولذلك فإنني أُميِّز دائمًا بين الدور المصري في الإقليم وبين التأثير المصري في الإقليم، فالدور عمل متعمد منسق، وأما التأثير فهو أثر من آثار الإرتباط الجسدي والنفسي بين الجسد ومركزه؛ ولذلك فإن الدور دائمًا دور إيجابي، وعندما يطلق البعض على بعض المواقف المصرية السلبية بمقياس المصالح العربية أنه دور أشعر بالإشفاق على هذا النفر الذي يحتاج إلى الكثيرِ من العلم حتى يدرك ما يقول.

 

ولذلك فإنني أوجه رسالةً إلى كلِّ الأنظمة والشعوب والمواطنين العرب بأن يكونوا كما وصف القرآن الكريم العلاقة بين المؤمنيين، وبينهم وبين الكفار في قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: من الآية 29).. وهذه الرحمة لها أسباب ومنافع؛ لأن المستفيد الأول الوحيد من عدم الرحمة هو المتربص بهذه الأمة، وقد تكاثروا بأفعال الجهال من أبنائها.

 

هذا مدخل طبيعي لكي أتناول قضية تتعلق بمصر في هذه المرحلة وسوريا، فقد لاحظت أن بعض الأقلام فيما يُسمَّى خطأً بالصحف القومية، ويقصد بها الصحف الحكومية التي يعمل فيها موظفون ينتمون إلى نقابة الصحافة، ولا يقدرون هذه الحقائق التي أشرت إليها، قد انبرى لمهاجمة سوريا ورموزها.

 

وقد تساءلتُ: أي مصلحةٍ تخدم هذه الأقلام؟، وأنا واثقٌ أن حكمة الرئيس مبارك وإدراكه العميق لهذه الحقائق قبلنا تأبى عليه أن تصدر حكومته توجيهات أو إيماءات أو تلميحات لهذا النفر، حتى ينطلق بنشر السم في جذور العلاقة الإستراتيجية الخاصة بين مصر وسوريا، تلك العلاقة هي التي رشَّحت سوريا لأول تجربةٍ وحدوية مع مصر،  وأظن أنه يصعب على أي قطرٍ عربي أن يتخيل أن تأتي الإساءة إليه من مصر، خاصةً إذا لم يكن لها سبب ظاهر، فما هي المصلحة التي يخدمها هذا الهجوم، وما هو الذنب الذي ارتكبته سوريا، وما هي الإساءة التي ألحقتها بمصر، حتى تنطلق هذه القطعان تمزق ذات الثوب المقدس بين البلدين، وهذه اللحمة التاريخية بين الشعبين؟.

 

إنني أصارح السادة القُرَّاء بحقيقةٍ لا أظنُّ أنها تحتاج إلى تأكيد، ولكنها تحتاج فقط إلى تذكير، وهي أنني كمصري لا أحب مطلقًا أن تُذكَر مصر بسوء من أي بلدٍ عربي أو غير عربي، وكنت دائمًا أطالب بأن الخلافات العربية خلافات في وجهات النظر وحساب المصالح الضيقة؛ ولذا لا يجب أن تسمم مناخ العلاقات بين الشعوب، ولعلى بذلك أسترجع حديث الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "لا يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه".

 

ومعنى ذلك أن هذا النفر من القطيع، الذين فهموا خطأً أنهم بذلك يحسنون صنعًا بالحاكم أو الشعب، لا يُعبِّرون إلا عن أنفسهم، ولكنهم يمكن أن يستمطروا اللعنات على مصر من الإعلام الآخر؛ ولذلك فسوريا بالنسبة لنا قلعة الصمود في وجه المشروع الصهيوني، وقلعة المقاومة لهذا المشروع، وهي التي حملت الراية، ويسرها كثيرًا أن تعود الراية إلى ساريها الحقيقي وراعيها الأصلي وصاحبها التاريخي وهو القلب.

 

وإنني أرجو ألا يكون هؤلاء، الذين يسيئون إلينا جميعًا وإلى قامةِ مصر، كهذا الفريق الذي يتحدث عنه القرآن الكريم، والذي دعا الله أن ينزع الحقد من قلبه والغل من فؤاده للذين آمنوا، ولا أظن أن هذا القطيع يحسب نفسه بين المؤمنين.

 

وإنه ليسوؤني أن تضم الصحف القومية في مصر هذه الأقلام غير الواعية، والتي تظن أنها تحسن صنعًا بمصر ونظامها، وهي في الحقيقة تُسيء للنظام، ولهذا الوطن العظيم، وإنني أحلم بأن أرى صحافة عربية محترمة عندما يتعلق الأمر بأي خلافاتٍ بين الأسرة العربية، وأن تناقش هذه الخلافات حتى تعلم الشعوب أن الصحافة تنتمي إلى الوطن وليس إلى نظام قد يكون محدود الأفق، ولكنه يتلبس الوطن بأكمله، وأنا أخشى أن يصدق علينا ما حذَّرنا منه القرآن الكريم في قوله تعالى.. ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: من الآية 25)، وأنا أخشى أن تصيب الفتنة التى يشعلها هذا القطيع كل أبناء هذا الوطن.

 

إنني أربأ بالصحافة المصرية أن تستخدم في نشر السم الذي يصيب جزءًا من الجسد المصرى، فنحن القاتل والقتيل، كما قالت الخنساء في رثاء أخيها الذي قتله زوجها.

 

وأخيرًا فإن المسئولية الوطنية للكاتب يجب أن تسمو فوق نوازعه الشريرة، وليعلم أن الخلافات السياسية، حتى لو وجدت لا يجوز أن تعود إلى الجاهلية العربية الأولى التي انحدرت إلى المساس بالرموز والأشخاص.