أستاذي الكريم: ...............................
الكاتب بصحيفة: ..............................
تحية طيبة..
تستمر دولة الاحتلال الصهيوني في انتهاك حرمة الأرض والمقدسات وكرامة الإنسان في فلسطين من خلال مخططات الحصار المُحكَم في القدس وقطاع غزة، والتي أدت إلى آثار كارثية على مختلف مناحي الحياة في قطاعات: التعليم والصحة، والبيئة والزراعة، والاقتصاد والتجارة، والصناعة والإنشاءات والمقاولات، وغيرها.
إن هذا الحصار الذي يواكبه تقطيع الأرض والاستيطان العنصري لا يهدف إلى إسقاط حركات مقاومة وطنية وإسلامية تناضل من أجل الحق في تقرير المصير أو حتى تكرار تجربة حصار العراق وتدمير البنية التحتية وإعادة هذا الشعب عقودًا إلى الوراء وحسب، وإنما تسعى أيضًا إلى إظهار حكوماتنا بمظهر المتخاذل تجاه نصرة شعب أعزل، وقياس رد فعل الشعب العربي والمسلم، وخصوصًا نخبته المثقفة وأنتم في طليعتها ومقدار تجاوبها تجاه حصار مليون ونصف المليون إنسان.
إن الحرب النفسية الصهيونية المتزامنة مع الحصار وتقطيع الأوصال لا تسعى إلى وقوع هزيمة نفسية للشعب الفلسطيني فقط، وإنما غايتها أيضًا تسميم دولنا وشعوبنا؛ مما يؤدي إلى وقوع الفتن وهزِّ الاستقرار السياسي والثقافي والسلام الاجتماعي في عالمنا العربي والإسلامي كله.
فلسفة عنصرية
إن من المسلمات أن الكيان الصهيوني هي العدو الأول للأمن القومي المصري والنظام القومي والأمن القومي العربي؛ نظرًا لأن تأسيسه لم يكن لاعتباراتٍ دينيةٍ أو اقتصاديةٍ، وإنما لكونه سيقدم دورًا إستراتيجيًّا يؤمِّن السيطرة الغربية على العالم العربي والإسلامي.
ومن المفارقة أن هذا الكيان نجح ليس فقط في تصوير نفسه بأنه واحةٌ للديمقراطية في صحراء "الشرق الأوسط"، وتشويه المقاومة الوطنية والإسلامية والقوى المتعاطفة معها، وإنما أيضًا في اختراق الدوائر المتعاطفة مع القضايا العربية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ثم في تحقيق اختراق واضح للنظام العربي منذ مؤتمر مدريد واتفاقات أوسلو من خلال التطبيع السري والعلني مع العديد من الدول العربية تحت شعارات "ثقافة السلام" و"التنمية".
وقد تحقَّقت هذه النجاحات دون تحقيق الحدود الدنيا من الحقوق الفلسطينية المشروعة شرعًا وقانونًا، ودون أي تغيير في الفلسفة العنصرية الصهيونية، والتي نستطيع أن نوجز أبعادها من حيث التصور والمدركات في أمور ثلاثة:
أولاً: فلسفة سياسية قائمة على مناهج ثلاثة:
- الأول: الدولة النقية من اليهود فقط.
- الثاني: حق الاستئصال العضوي والمعنوي لجميع العناصر التي لا تتفق ولا تتجانس مع نقاء هذه الدولة، وهذا (الحق) يستمد مصادره من مفهومين مختلفين؛ هما: العنف لتحقيق بناء الدولة، ثم حق (الشعب المختار) في تحطيم واستئصال من لا ينتمي إلى ذلك الشعب، وهذا (الحق) يؤسس للسياسة الصهيونية في تحطيم إرادة المقاومة الفلسطينية، واستئصال الشعب الفلسطيني، سواء بالإبادة أو بالإذابة من خلال الزواج المختلط، أو تشجيع الهجرة أو بحجة حماية (الشعب المختار).
- الثالث: حق عودة اليهود إلى فلسطين المحتلة، وبمجرد دخول اليهودي فيها يكتسب الجنسية "الإسرائيلية".
ثانيًا: ممارسة واقعية أساسها التمييز بين مراتب ثلاث للمواطنين:
المواطن من الدرجة الأولى، وهو اليهودي الأوروبي، ثم المواطن من الدرجة الثانية، وهو اليهودي من أصل شرقي وعربي، ثم المواطن من الدرجة الثالثة، وهو العربي المسلم أو المسيحي، والذي يحمل الجنسية "الإسرائيلية".
ثالثًا: رفض استقبال أي يهودي لا يتفق مع هذه الفلسفة من بعض الفرق التي ترفض الكيان الذي أنشأته الحركة الصهيونية، وكذلك من اليهود السود الذين تعكس معاملتهم نوعًا من التعصب العنصري.
الإنسان لم يعض الكلب!!
لقد تلقَّفت دولة الاحتلال الصهيوني بعض الاجتهادات الاستشراقية، وصاغت منها ما يُعرف بنظرية المجتمعات الفسيفسائية أو مجتمعات "الموزاييك"، التي تذهب إلى أن "الشرق الأوسط" هو عبارة عن مجموعات دينية وطائفية وعرقية ولغوية ولا يربط بينها جميعًا أي رابط وطني أو قومي أو ديني، وأن إضفاء السياج الوطني والقومي هو بدعة أو اختلاق، وطارئ، وبالتالي فإن التداعي المنطقي هو خلق دول أو دويلات تضم كلٌّ منها أغلبية من إحدى الطوائف أو الجماعات اللغوية- العرقية.
وفي هذا السياق يسعى هذا الكيان إلى إحداث الفتنة بين الحاكم والمحكوم من جهة وبين الطوائف والقوى الفكرية المختلفة من جهةٍ أخرى عن طريق خلق الفُرقة والقناعة بالولاء الطائفي، والإخلال بالأمن واختلاق الخيانات، وخلق البلبلة الفكرية، واستثمارُ حصار غزة يخدم كل هذه الأمور مرةً واحدةً!.
وبناءً عليه فإن الدفاع عن ذلك الشعب المحاصر المظلوم يجعلنا ندافع عن أنفسنا وأوطاننا وهويتنا، ويجمعنا جميعًا رغم اختلافاتنا في الرأي السياسي والعقيدة والفكر في عمل جماعي موحَّد من أجل قضية عادلة.
إن الناس كافةً يتحدثون في منتدياتهم ومجالسهم وحواراتهم عن قضية فلسطين وحصار أهلنا في قطاع غزة، وغالبًا ما يكون السؤال: ما العمل؟ وبالتالي فإنهم ينتظرون منكم أن تضيئوا لهم الدرب وتُنيروا من أجلهم الطريق.
إننا ندعوكم يا أصحاب الأقلام الحرة، والنفوس الأبية، والغيرة العربية إلى أن تعبِّروا عن الرفض لهذا القهر والظلم، فتكتبوا في مقالاتكم وأعمدتكم، وتُطلقوا حملاتٍ وروابط للإعلاميين والمثقَّفين من أجل العدل ومواجهة القصف النفسي والإعلامي وهذا الكذب المفضوح الذي يؤكد أن الإنسان قد عضَّ الكلب، ويتجاوز الحقيقة أن الكلب دائمًا هو الذي يعض الإنسان!.
رمز الصراع وبوابة الانتصار
ونشد بأيدينا على أيديكم لكتابة المقالات وأعمدة الرأي عن كل ما يجري على أرض فلسطين وفي قطاع غزة مع دعم كتاباتكم بالأرقام والأدلة التي تكشف واقع الظلم وحجم معاناة المظلومين، وأن تتصدَّوا للإعلام الغربي والصهيوني ردًّا على شبهاته وأباطيله، بتقارير تكشف الحقائق وحملات إعلامية تُسلِّط الضوء على الآثار الإنسانية الكارثية للحصار، وفعاليات تربط الأجيال بقضيةٍ أقل ما توصف به أنها: رمز الصراع وبوابة العزة والانتصار والاستقرار.
وختامًا.. إن عملكم على فتح أوسع المساحات الإعلامية في الصحف وعلى مواقع الإنترنت من أجل نصرة شعبٍ محاصَر ومقدساتٍ تغتصب؛ إنما ينعكس إيجابًا على وطننا ومجتمعنا من خلال تكريس قيم الحب والعدل والخير والحوار والعزة، ووأد مقولات الإحباط والتشاحن والهزيمة والانكسار.
ولكم مني خالص المحبة والتقدير
----------
* صحفي وباحث.