العالم يعيش على أعصابه بسبب الأزمة المالية العالمية التي تحوَّلت إلى أزمة اقتصادية لحقت بالاقتصاد الحقيقي، وأزمة الشركات الثلاث الكبرى لصناعة السيارات تهدد بتسريح 4 ملايين عامل أمريكي لينضموا إلى مليونين آخرين، والعدوى تنتشر في بقية أنحاء الدنيا، ولا شك أنه ليس في حاجةٍ إلى حرب جديدة بين قوتين نوويتين كالهند وباكستان بينهما عداوات ومرارات وحروب متتالية؛ كانت الخسارة غالبًا تلحق بباكستان فيها.
لذلك هرع القادة الأمريكيون: رايس ونيجروبونتي وجيتس وغيرهم، إلى دلهي وإسلام أباد ليضغطوا بكل الطرق على باكستان كي تستجيب للابتزاز الهندي والمطالب التي لا تتوقف.
قبل تفجيرات مومباي المأساوية التي ما زال يلفها الغموض ولم تتم محاكمة عادلة علنية لمن تبقَّى من منفِّذيها المجرمين، كان الرئيس الباكستاني الجديد آصف زرداي صرَّح تصريحات خطيرة حول العلاقات الهندية الباكستانية، وأثار عليه ضجة شديدة بسبب تخليه عن قضية كشمير التي تُعَد بالنسبة لمسلمي شبه القارة الهندية كقضية فلسطين بالنسبة للعرب.
هذا الرئيس الباكستاني يثير الكثير من الجدل حول شخصيته وتاريخه والاتهامات الخطيرة التي يتداولها عنه الباكستانيون، ولا يحظى بثقة الشعب هناك، والنخب السياسية نفسها تتشكك في كيفية وصوله إلى سدة الرئاسة في بلد إسلامي نووي؛ حيث وصل إلى الحكم على جثة زوجته بي نظير بوتو بسبب اغتيالها الدامي، مرورًا أيضًا على جثث أخرى كثيرة، كشقيقها الذي يُتهم بقتله، والسمعة المالية للرئيس ليست فوق مستوى الشبهات، بل هي مثار التعليقات والنكات.
التطورات الأخيرة في باكستان كلها برعاية أمريكية؛ فخروج الجنرال برويز مشرف ووصول بي نظير إلى البلاد، ومنع نواز شريف في البداية، ثم السماح له بالمشاركة وتهيئة الأجواء لتحالف سياسي بين خصمين لدودين من الأحزاب العلمانية (الشعب والرابطة الإسلامية) وقطع الطريق على الأحزاب الإسلامية التي فقدت معظم مقاعدها في مجلس الشيوخ والنواب ومجالس الأقاليم بسبب انقسامها وتفرقها وبسبب مقاطعة أكبرها (الجماعة الإسلامية) للانتخابات.. لماذا كل ذلك الترتيب الذي كادت انفجارات مومباي أن تفسده تمامًا؟ أم جاءت لتسرِّع بمخطط جديد؟!
باكستان هي الحليف الأقوى لأمريكا وأوروبا وحلف الأطلنطي في الحرب المزعومة ضد الإرهاب، والتي تحوَّلت إلى أكبر مأساة عالمية بعد الأزمة الخانقة بالاقتصاد الأمريكي العالمي.
حلف الأطلنطي يغرق في وُحُول أفغانستان، كما غرق التحالف الأمريكي البريطاني في العراق، وطالبان تسيطر على أكثر من 70% من الأراضي، والمفاوضات السرية معها بدأت لخروج آخر مشرِّف من أفغانستان، كما تم توقيع الاتفاقية الأمنية مع العراق لتحقيق نفس الهدف: إنهاء معقول لوهم الحرب على الإرهاب التي تسبَّبت في إثارة موجة من العنف العشوائي في كافة أنحاء العالم؛ من بالي بإندونيسيا إلى لندن ومدريد، مرورًا بآسيا وإفريقيا، ولم تَنْجُ إلا الأمريكتان؛ مما يدعو إلى ضرورة البحث الجاد حول هذه الحرب التي بدأت بما سمَّاه الإعلام الجهادي (!!) "غزوتي واشنطن ونيويورك" ولم تُجْرَ أية محاكمة عادلة حتى الآن لمرتكبيها، وحتى محاكمة شيخ محمد المتهم بأنه العقل المدبِّر تكاد تنتهي قبل أن تبدأ باعتراف غريبٍ وطلبٍ للحكم بالإعدام وورطةٍ أصابت القضاة والعسكريين والمراقبين والجميع بصدمة وذهول وتساؤل: كيف الخروج من هذه المحكمة؟
ستبقى أحداث 11 سبتمبر 2001م لغزًا مثيرًا كبقية الألغاز التي تلف تاريخ العالم، خاصةً في العصر الحديث، كاغتيال الأرشيدوق النمساوي في سراييفو الذي أشعل الحرب العالمية الأولى، وإنهاء الخلافة والسلطنة العثمانية وغيرها.
المؤامرة على باكستان ليست وليدة اللحظة، بل هي قائمة منذ أعلنت امتلاك النووية (أول دولة إسلامية تمتلك هذا السلاح الخطير المحرَّم)، والمؤامرة أقدم من ذلك منذ انفصال باكستان عن الهند في موقف تاريخي لم يَحْظَ حتى الآن بتحليل موضوعي يجيب على التساؤل الحائر: هل كان من الأفضل لمسلمي الهند البقاء في ظل دولة واحدة مع الهندوس والسيخ؟ أم أن إنشاء باكستان (أرض الأحلام) كان هو الخيار الأفضل؟
التجربة الباكستانية مؤلمة منذ بدايتها؛ فما زالت المذابح التي تعرَّض لها المهاجرون من كافة أنحاء شبه القارة الهندية أثناء فرارهم بجلدهم ماثلةً في الأذهان، وما زالت آثار الانفصال باقيةً، وقد تمخَّضت عن 3 حروب خاسرة: انفصال بنجلاديش عن الوطن الأم، والسباق النووي الذي دعمه الجيش والمخابرات والدول العربية البترولية، وقضية كشمير الدامية التي لم تحترم فيها قرارات الأمم المتحدة مثل فلسطين بالتمام، والصراع المرير بين نخبة سياسية متفرنجة ومتغربة يقودها الشيعة من محمد علي جناح إلى بوتو وزرداي، ومعهم السنة الذين يشكلون 70% أو أكثر من السكان.
تزداد المرارة إذا قارنت بين ما وصلت إليه الهند وما باتت عليه باكستان في المجال السياسي والحريات العامة أو في القدرات العسكرية أو في المجال الاقتصادي، وها هي الهند استفادت في الحرب الباردة من التحالف مع الاتحاد السوفيتي، ثم اتجهت غربًا مع بزوغ الحرب على الإرهاب لتعقد تحالفًا جديدًا يولد ببطء مع أمريكا يتوِّجُه التعاون النووي والتعاون في مجال تكنولوجيا المعلومات، بينما تغرق باكستان في خلافات العسكرية مع الساسة، ثم خلافات الساسة بعضهم مع بعض، ولا تخرج من أزمة حتى تغرق في أخرى، وأرضها وسماؤها وبحرها مستباحٌ للقوات الأمريكية التي تقتل بصورة مستمرة عشرات من المدنيين في قصفٍ للمناطق الحدودية في وزيرستان، وبعض ذلك القصف تم أثناء الحملات الانتخابية لصالح المرشح الجمهوري ماكين الذي خسر بجدارة.
ما حدث في مومباي مُدانٌ بكل المقاييس الشرعية والخلقية والإنسانية والقانونية، ومصلحة المسلمين وباكستان لا يمكن أن تقبل مثل ذلك الجرم الإرهابي، ويثير الكثير من الأسئلة حول البواعث والأهداف؟ هل هو صرف الانتباه عن حصار غزة؟ أم هو إدانة جديدة للإسلام والمسلمين؟ أم هو حصار للحركات الإسلامية في باكستان التي تتبنَّى قضيتي كشمير وأفغانستان؟ أم هو لمزيدٍ من خلط الأوراق بين المقاومة المشروعة والعنف الإجرامي؟ وهل سيتم استخدام شباب مخلص تائه لتحقيق أهداف استخباراتية؟
قالوا في عالم الإجرام والجريمة: ابحث عن المستفيد!!، والمستفيد الأكبر من جرائم مومباي وما شاكلها هم أعداء الإسلام وخصوم المسلمين والغرب الذي لم يتورَّع عن ارتكاب أشنع المذابح من قبل لتحقيق أهدافه، وما جريمة إبادة الهنود الحمر بأمريكا عنا ببعيد.
لن نرى حربًا جديدة في شبه القارة الهندية على الغالب؛ فالعالم لا يستطيع تحمل حرب نووية، ولكننا في الغالب سنرى استسلام باكستان للشروط الهندية والدولية والغربية، ويمكننا أن نرى في المستقبل الوسيط تقسيم باكستان نفسها!.
لماذا لا يهتم الباحثون المسلمون في علوم السياسة بدراسة التجربة الباكستانية في إطار واسع لدراسة التجارب الإسلامية في العصر الحديث في البلاد المختلفة: باكستان، السعودية، إيران، السودان، أفغانستان.
خضعت الحكومة الباكستانية بالفعل للضغوط، واستجابت للابتزازات، فاعتقلت العشرات من جماعة الدعوة ومؤسسها حافظ سعيد، وبالمناسبة هي ليست لها علاقة بالدعوة والتبليغ المعروفة والمشهورة، والتي لا تتدخل في السياسة مطلقًا، فضلاً عن ممارسة العنف، وفي الحقيقة إن خريطة الحركات والجماعات الإسلامية في باكستان متنوعة ومتعددة لدرجة عالية جدًّا، وتشمل حركات عديدة؛ من يشتغل منها بالعمل السياسي اتفق في الانتخابات الأخيرة على تشكيل مجلس العمل الموحَّد الذي شكَّل المعارضة الرئيسية للحزب الموالي لبرويز مشرف، وشنَّت القوات الأمنية حملةً على الجناح العسكري للجماعة المعروف باسم "عسكر طيبة"؛ تؤكد الحكومة أنها لن تسلم أيًّا من مواطنيها إلى الهند، وأنها لم تسلم حتى الآن أي أدلة على تورط باكستان في الهجمات، وأن عسكر طيبة أصبحت محظورة.
الهند لجأت إلى الأمم المتحدة لإعلان باكستان دولة إرهابية، وهذا يحمل تهديدًا بإلغاء البرنامج النووي والأسلحة النووية الباكستانية، فلا يمكن أن يقبل المجتمع الدولي المنحاز أصلاً ضد كل ما هو إسلامي بأن تكون بحوزة دولة موسومة بالإرهاب أية أسلحة نووية.
القضية معقَّدة، وفي ظل الحرب على الإرهاب فإن أوروبا وأمريكا النازفة بشدة الآن في أفغانستان تحتاج إلى باكستان واستخباراتها وجيشها وحكومتها، إلا أن الاتهامات كانت تأتي من كرزاي في أفغانستان ضد باكستان، والتي وصلت إلى حد اتهامها بإيواء قادة تنظيم القاعدة، وعلى رأسهم أسامة بن لادن وأيمن الظواهري.
الهند تواصل استفزازاتها، وها هي تخرق المجال الجوي لباكستان، وباكستان تستنفر سلاحها الجوي وتخشى الانزلاق إلى مواجهة حربية ستكون هي الخاسرة فيها، والغرب يريد تأمين القوة النووية الباكستانية.
هل يمكن الاستفادة من دروس التاريخ؟
الأخطاء نفسها تتكرر، والعرب والمسلمون لا يقرءون تاريخهم ولا تاريخ العالم من حولهم، وبالتالي تنضب ذاكرتها شيئًا فشيئًا، ولا نلمس أية استفادة من أخطائهم التي علمنا الله ضرورة الرجوع إليها ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (آل عمران: من الآية 165)، ومن أخطاء غيرهم ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ (الحشر: من الآية 2).
الأمم المتحدة وفي إطار الحرب على الإرهاب وضعت 4 من قادة جماعة الدعوة وعسكر طيبة على قوائم الإرهابيين.
اعترافات الناجي الوحيد من التفجيرات خطيرة، وتداعياتها أخطر، وكما تعرضت السعودية لابتزاز خطير بعد أحداث 11 سبتمبر فإن باكستان تخضع الآن لنفس الابتزاز.
فواصل سريعة
* عزاء واجب للأستاذ جمعة أمين:
انتقلت إلى رحمة الله تعالى زوجة الأخ الكبير جمعة أمين بعد معاناةٍ طويلةٍ مع المرض.. أسأل الله تعالى أن يجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، وأن يجزيَها عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء؛ فقد كانت نِعْم الزوجة ونِعْم الأم ونِعْم المربِّية.
خالص العزاء إلى الأستاذ جمعة أمين، وغفر الله للفقيدة الغالية.
* هل تتم محاكمة رامسفيلد؟:
هل يكون رامسفيلد وأعوانه هم كبش الفداء للسياسة الأمريكية العدوانية والجرائم المخربة في أبو غريب وجوانتانامو وغيرها؟ ومن يحاسب الآخرين على إجرامهم في حق الشعب الأمريكي نفسه؟! ومن يحاكم بوش وعصابة الحرب بقيادة ديك تشيني؟
* فرحة طارت ولم تتم:
مع عودتي من طابور المشي اليومي، ومع بزوغ شمس النهار السبت، لاحظت أن الكافيتريات مكتظة بالمشاهدين الذين يبحثون عن فرحة بفوز الأهلي على باتشوكا، وأثناء كتابة هذه السطور كان صوت الضجيج والصخب مع الهدفين الأوليين يصل إلى أسماعي، فأفرح لفرحة البسطاء الذين امتلأت حياتهم بالمشاكل والصعوبات، فخرجوا مبكِّرين ليبحثوا عن فرحة تملأ صدورهم.
يا خسارة..!! فرحة طارت مع فوز باتشوكا بـ4/2 رغم الأداء الجيد للأهلي في الشوط الأول.
لماذا لا ينشط المصريون يوميًّا للصلاة والتسبيح لله والعمل والإنتاج ليحقِّقوا الفرحة الحقيقية بإخراج مصر من مشاكلها؟!
* شيخ الأزهر والحفاظ على المؤسسة:
الأَوْلى بشيخ الأزهر الآن بعد التخبط الشديد في الأزمة التي لن تكون الأخيرة أن يراجع نفسه، وإذا لم يتقدَّم باستقالة للاستعفاء من منصبه فعليه أن يصمت تمامًا وأن يتخذ مستشارين سياسيين وإعلاميين، ولديه في مجمع البحوث منهم الكثير، مثل أ. د. أحمد كمال أبو المجد؛ لئلا يورِّط الأزهر في قضايا ليست بسيطةً.
* أثرياء العرب والمجاعة في غزة وإفريقيا:
خسر عدد من أكبر الأثرياء العرب وفق التقديرات الاقتصادية 25 مليار دولار في الأزمة المالية التي عصفت بالعالم.
غزة تتضور جوعًا ويلفها الظلام رغم إعلان الرئيس مبارك أن مصر لن تسمح بتجويع غزة، وإفريقيا تنذر بمجاعة قاسية.
لماذا لا يبادر هؤلاء إلى إنفاق بعض ثرواتهم التي قيل إنها وصلت إلى 200 مليار دولار لإنقاذ غزة والجوعى في العالم؟!
* عباس ولقاء وداع مع بوش:
لا أدري ماذا سيتبادل عباس مع بوش في اللقاء الوداعي نهاية هذا الأسبوع، إدارة بوش تغادر وهي متهمة بإهدار أموال الأمريكيين في إعمار العراق، والفضائح تنتشر من حولها استخباراتية ومالية وعسكرية.
لماذا يذهب عباس وهناك إدارة جديدة بدأت الجامعة العربية بالتوسل إليها ألا تنسى القضية الفلسطينية؟!
قفز إلى ذهني المثل الشعبي الشهير "اتلم المتعوس على خايب الرجا"، وبالمناسبة.. هل أصبح انفلات لسان عباس أشهر من انفلات لسان شيخ الأزهر، فجلب على نفس عداوة ليبيا وقطر والكويت والناشطين الأوروبيين عندما يتهم سفن كسر الحصار بأنها كذبة ودعاية فجة؟!
* صلوات المسيحيين في الكنائس:
مع ذهابي إلى طابور المشي اليومي عقب صلاة الفجر سعدت بمشهد عشرات المصلين من النصارى يخرجون من كنيسة العمرانية النشيطة أمس الأحد؛ عجائز وشيوخ وشباب وفتيات، بل وأطفال وأشبال في عمر الزهور.
جميلٌ أن يلتقي المتدينون في وقت واحد على عبادة الله الواحد والصلاة له ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: 6).
لفت انتباهي وجود محتشمات، خاصةً من العجائز، بينما كانت معظم الشابات متبرجات.
أعلم من قراءاتي أن المسيح والرسل أمروا بالحشمة والوقار، وأرجو أن يتزايد القَدْر المشترك بين المصريين المتدينين جميعًا في الخلق والسلوك والتعاون على الخير لبلدنا.
* عزاء للإنجيليين في المنيا:
حادث أليم ومحزن.. شباب وأسر في طريقهم إلى رحلةٍ نظَّمتها الكنيسة الإنجيلية في المنيا، فإذا بالإطار الأمامي للأتوبيس ينفجر وتنقلب الرحلة إلى مأساة ذهب ضحيتها حوالي 15 راكبًا,. تحوَّلت الرحلة الترفيهية إلي جنازة شعبية.
عزائي إلى أسر الضحايا الأبرياء، رزقهم الله الصبر وعوضهم خيرًا.
* حكمة لابن عطاء الله السكندري:
لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدار؛ فإنها ما أبرزت إلا ما هو مستحقٌّ وصفُها وواجبٌ نعتُها.