أظن أن هناك اتفاقًا عامًّا على فقدان السلطة لمصداقيتها الواجبة في مصر، ويدخل في هذا الاتفاق العام طوائف السلطة نفسها، ولعل المقارنة بين ثقةِ الشعب في السلطة ومصداقية أعمالها ووعودها منذ عقدين على الأقل وبين الموقف الراهن تظهر أن انهيار المصداقية حقيقة واقعة لا سبيلَ إلى إنكارها؛ مما يترتب عليه مخاطر هائلة للشعب والسلطة معًا ما لم تتم دراسة هذه الظاهرة والإسراع إلى تداركها.

 

فقد ترتَّب على التدهور السريع المنظم في مستوياتِ المصريين في أدائهم وسلوكهم لفت النظر إلى أسباب هذا التدهور؛ حدث ذلك في التعليم والاقتصاد والثقافة وقيم المجتمع والبيئة والفن وكافة مظاهر الحياة، فقد كثُر عدد الجامعات ولكن مستوى الخريجين في تدهور مستمر ولم يحاول أحد من المتخصصين وضع سياسة تعليمية ناجحة تحقق الأهداف المطلوبة رغم كثرة عدد المتخصصين القادرين، ولكن الجميعَ أصبح يُسلِّم بأن هناك أيدي خفيةً تعمل بانتظامٍ على تردي التعليم، وحتى إذا تولَّى أحد المتخصصين العارفين بالعلة والداء منصبًا مؤثرًا في غفلة من الزمن، فإنه يُؤثِّر الصمت المريب ويُشارك في المؤامرةِ على هذا الوطن.

 

ولم يسلم قطاع في التعليم من هذه الظاهرة خاصةً التعليم الطبي الذي يترتب على انهياره وتدني مستواه انهيار الخدمات الطبية حتى فقدت مصر مكانها كمقصدٍ للسياحة العلاجية، وحلَّت الفهلوة والنصب على العملاء المصريين والعرب محل التخصص والصدق والجدية.

 

يحدث ذلك كله رغم أن جيل الأربعينيات من كبار الأطباء لا يزال حيًّا، كما أن في مصر عددًا من العباقرة الذين تخصصوا في تخريب التعليم إما جهلاً أو عمدًا أو حقدًا على هذا الشعب، ويسعون بشكلٍ مستمر إلى سدِّ الطرق أمام علماء مصر في الخارج والداخل الذين يتطوعون بتقديم برنامج العلاج، والأمثلة لا تُحصى، وكان سياسة الحكومة هي التخريب المنظم ويُوهمون الناس أنهم يُحسنون صنعًا.

 

وإذا عدنا إلى السلطة وأدائها الذي تسببت في تدهور مصر في كل القطاعات، وجدنا الأمثلة التي يضيق عنها المقام. تكفي الإشارة إلى أمثلةٍ من القمة والقاع لتدرك هذه الحقيقة الغريبة التي لا بد أن تنال حظها من الدراسة الجادة عند خلصاء المصريين، حتى استقرَّ الاعتقاد في ضوء تفاقم الظاهرة أن هناك مخططًا فعلاً أتى على الأخضر واليابس في مصر، ولو فتحنا الباب للسادة القراء لتقديم أمثلة- كلٌّ في مجاله- ثم عكفنا على دراسة الظاهرة من خلال هذه الأمثلة التى لا يمكن حصرها بقلمٍ واحدٍ لكان ذلك في ظني هو بداية تسجيل الظاهرة ليسهل بعد ذلك وضع برنامج العلاج.

 

فسائق الجيش أو الشرطة أو النقل العام أو الحكومة نموذج في سوء القيادة وانتهاك القانون، والسبب المباشر هو أن وزيره وحكومته قدوة في انتهاك الدستور الذي أُقسم الوزير ورئيس الوزراء والنواب على احترامه، وهو قسم سيلقون الحساب على حنثه أمام الله.

 

يكفي أن يطلع السائق أو يسمع بأن حكومته تصرُّ على تصدير الغاز للكيان الصهيوني بأقل من سعر التكلفة وتحاول التستر على عقد التصدير؛ لأنها نعلم أن ذلك جريمة ثم تنتهك الدستور في سبيلِ هدفها، بل وتصرُّ على إجهاد القضاء الإداري ولإفساده حتى يتحقق لها ذلك، وهو عمل إن تم في أي بلد في العالم لكان سببًا في إسقاط الحكومة ومحاكمتها.

 

ومن السائق إلى كلِّ كوادر الوظيفة حين يرى الوزير قدوة في امتهان أحكام القضاء، بينما تطبق الأحكام على طبقة معينة من المواطنين، علمًا بأن رفض تنفيذ الحكم القضائي جنحة شخصية للوزير، فإن قناعةَ السائق وباقي الموظفين بأنه محصن في الوظيفة ضد الكفاءة والمحاسبة والعقاب تتأكد كل يوم.

 

وقد أصبح المواطن يُدرك أن الحكومةَ تسهر على الاستخافِ بعقول المصريين ويدل أداؤها على الفقدان الكامل للكفاءة، حتى صار يعتقد أن هذا المنصب يتطلب إعلانًا في الصحف عن فئةٍ معينةٍ ممن يفتقدون الكفاءة والنزاهة، فإذا كان المواطن قد فقد الثقة في برلمانه الذي تزور انتخاباته وفي حكومته التي تتشكل من فئة معينة تقفز إلى المنصب فتُسيء إليه ويكون فشلها أكبر مؤهلات بقائها في السلطة، وكلما تكشف الفساد وانقطاع الكفاءة في الوزير والوزراء كلما نال جائزة التميز، حتى صار المنصب سبة فيمن يليه حتى لو كان ظاهره نموذجًا في الطهارة والكفاءة.

 

وهذا صحيحٌ إلى أبعد حدٍّ والدليل على ذلك أنهم يعرفون مَن يُصلح للمنصب ومَن يسعى إليه مقابل حياته تمامًا مثلما يتولى أحدهم منصبًا رفيعًا في الحزب الوطني؛ مما أثار الحيرة لدى بين معرفتي التامة بنزاهة بعضهم وكفاءته وبين مسوغات توليه هذه المناصب.

 

إن الشعوبَ في البلاد المتحضرة تثق بكل ما هو حكومي في السلوك والخدمات والوعود مثلما تثق فيما هو غير حكومي لثقتها أن الحكومة تضمن جودة غيرها والتحضر كفيل بدفع الجميع إلى احترام قانون محترم، ولكننا في مصر أصبحنا نتمنى أن يكفَّ الوزراء عن التصريحات التي تظهر بؤس أصحابها وعدم احترامهم لأنفسهم، كما يضع الشعب يده على قلبه مع كلِّ تشريعٍ جديدٍ بعد أن هان هؤلاء على أنفسهم فهانوا على الناس.

 

وأخيرًا لا أظنُّ أن أحدًا في مصر يُجادل في أن الوطنيةَ والديمقراطيةَ قد تحوَّلت إلى العكسِ تمامًا مثلما كانت النظم الدكتاتورية الشيوعية تُسمِّي نفسها الديمقراطيات في شرقِ أوربا، ومثلما توصف بعض الدول الآن بالديمقراطية في العالم العربي وإفريقيا، وكفى ما ألحقوه بالوطنية الحقة والديمقراطية الحقة من سمعةٍ سيئةٍ لن يمحوها شطبها من قواميسهم حتى يُعاد الاعتبار للوطني الحق والديمقراطية التي تستحق صفتها واسمها.

 

تلك قضية عامة أطرحها للمناقشة المطولة لأن إصلاح حياتنا سوف يبدأ بهذا الحوار المجتمعي العام يدلي فيه الجميع برأيه ويمدنا بأمثلته لعل الله يفتح على مصرنا الحبيبة بما تستحق في قابل الأيام.