![]() |
|
عصام ضاهر |
تمر علينا في هذه الأيام ذكرى اعتماد الأمم المتحدة الإعلانَ العالمي لحقوق الإنسان؛ ففي 10 ديسمبر 1948م اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأصدرته، وإليك بعضًا مما نصَّت عليه مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:
- تنص المادة الثانية على: لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء، وفضلاً عما تقدم فلن يكون هناك أي تمييز أساسه الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي لبلد أو البقعة التي ينتمي إليها الفرد، سواء كان هذا البلد أو تلك البقعة مستقلاًّ أو تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أو كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود.
- تنص المادة الثالثة على: لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه.
- تنص المادة الخامسة على: لا يُعرَّض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة.
فأين ذلك مما يجري ويحدث الآن في غزة وفلسطين المحتلة على مرأى ومسمع من العالم؟! أية حقوق ، ومواثيق تتحدثون عنها؟! وهل أعاد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حقوقَ الشعب الفلسطيني المسلوبة؟ وأرضه المغتصبة؟ ومقدساته التي انتهكت؟ وكرامته التي ديست؟!
اكتبوا ما شئتم!، وأعلنوا متى شئتم!، وتخلوا عن الفلسطينيين وقتما شئتم!، فسينطق التاريخ يومًا بذلك، وحينما ينطق لن يرحم ضعفنا أو ذلنا، ولن يغفر لنا تقصيرنا في رفع الحصار عن المستضعفين في غزة، ولن يكتب عنا إلا الذل والهوان والضعف والخذلان.
وسيكتب التاريخ يومًا عنا أننا استمتعنا بالحياة وخذلناهم، وتلذذنا بشهواتنا ونسيناهم، وسيكتب عنا يوًا أننا جلسنا أمام شاشات التلفاز ورأينا الأطفال الجوعى والنساء الثكلى، والعجائز المرضى، ولم نفعل لهم شيئًا سوى مصمصة الشفاه وإطلاق الآهات.
وسيكتب عنا يومًا أننا جلسنا مع الأعداء نتفاوض على دماء الشرفاء والشهداء من أهل فلسطين المكلومة.
وسيكتب عنا يومًا أننا رأينا حصار المسلمين في فلسطين الجريحة، ولم نحرِّك ساكنًا أو نقدم لهم ولو حتى القليل من أجلهم.
ويرحم الله القائد المسلم الهمام المعتصم بالله، الذي جهَّز الجيوش، وأعدَّ العدة، وأخذ الأهبة لقتال من لطم امرأة مسلمة فصرخت بأعلى صوتها "وامعتصماه"، فكتب إليه المعتصم بالله الرسالة التالية:
"من عبد الله المعتصم بالله إلى كلب الروم.. أرسلها إليَّ وإلا سأرسل إليك جيشًا أولُه عندك وآخرُه عندي".
الرسالة قليلة المبنى ولكنها عظيمة المعنى.
ما أحوجنا اليوم إلى حاكم مثل المعتصم بالله!، الذي هبَّ لنجدة امرأة مسلمة استغاثت به، فما بالنا إذا كان الذي يستغيث بنا آلاف مؤلفة من الأطفال والنساء والعجائز من إخواننا المحاصرين بجوار بيت المقدس؟!
متى تغضب؟!
يا كل مسلم حر أبيٍّ في العالم: متى تغضب وتصحو من غفلتك وتستيقظ من رقدتك وتهب من ثباتك؟! أما زالت رائحة الموت المنتشرة في غزة غير كافية لتوقظ فيك ما تبقَّى من نخوة المسلم وعزة الحر؟! أما زالت صرخات الثكالى وآهات الجرحى والمصابين غير كافية لأن تحرِّك فيك ما تبقَّى من مشاعر الأخوة والدين والعقيدة؟! أما زال صراخ الأطفال الجوعى ودعواتهم وتوسلات العجائز واستغاثتهم غير كافية لأن تحييَ فيك ما قد مات من الكرامة والمروءة؟!
يا تلاميذ غزة
علِّمونا
بعض ما عندكم
فنحن نسينا
علِّمونا
بأن نكون رجالاً
فلدينا الرجال
صاروا عجينًا (1)
أما زالت أعداد الأسرى والمعتقلين من أهل فلسطين المحتلة غير كافية لأن تفجِّر غضبك وتبعث رجولتك؟!
أخي في الله.. أخبرني متى تغضبْ؟!
إذا انتهكت محارمنا
إذا نُسفت معالمنا ولم تغضبْ
إذا قُتلت شهامتنا إذا ديست كرامتنا
إذا قامت قيامتنا ولم تغضبْ
فأخبرني متى تغضبْ؟
إذا نُهبت مواردنا إذا نكبت معاهدنا
إذا هُدمت مساجدنا وظل المسجد الأقصى
وظلت قدسنا تُغصبْ
ولم تغضبْ
فأخبرني متى تغضبْ؟
عدوي أو عدوك يهتك الأعراض
يعبث في دمي لعبًا
وأنت تراقب الملعبْ
إذا لله، للحرمات، للإسلام لم تغضبْ
فأخبرني متى تغضبْ؟! (2)
ماذا يمكن أن تقدم لهم؟
يسأل الكثير من المسلمين؛ ماذا يمكن أن نقدم لهم؟ وما عسانا أن نفعل بشأنهم؟ وأي جرم نتحمل تجاههم؟ فكما يقول البعض منا "ما باليد حيلة"!.
ولكني أخبرك أن ما باليد حيلة فعلاً، بل هي مجموعة من الحيل، وكثير مما يمكن أن نقدمه لهم في مثل هذه المصائب المتوالية والنوازل المتعاقبة.
وإليك بعضًا مما يمكن أن ندعمهم به:
1- الدعاء: ذلك السلاح الذي يفتك بالأعداء والطواغيت، فلا نغفل عنه في جميع أوقاتنا لا سيما أوقات الإجابة، فمتى صدق العزم وسلم القصد واستجمعت الإرادة هانت كل الصعاب وتفتحت كل الأبواب المغلقة.
ولقد سمعت من الداعية عمرو خالد أنه عندما كان في الحرم سمع أحد المسلمين- وقد كان من فلسطين- وهو يمسك بأستار الكعبة ويقول: "اللهم نشكو إليك إخواننا المسلمين نسونا حتى في دعائهم".
2- المقاطعة لمنتجات القتلة والمجرمين: وهناك الكثير من مواقع شبكة الإنترنت منشور عليها تلك البضائع والمنتجات.
3- متابعة أخبارهم ومحادثة الناس فيها: وذلك من باب تحديث النفس بالجهاد.. عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن لم يصبح ويمسي ناصحًا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم" (3).
4- تخصيص مبلغ من المال لهم من راتبك الشهري ولو حتى القليل.
5- تربية الأبناء على حب الجهاد في سبيل الله والدفاع عن مقدسات المسلمين في كل مكان.
6- ممارسة الرياضة، وإعداد النفس للجهاد.. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من مات ولم يَغْزُ ولم يحدِّث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق" (4).
7- أرسل ولو على الأقل خمس رسائل إلى أصحابك أسبوعيًّا؛ تذكِّرهم فيها بفضل المسجد الأقصى وأهميته، وحثهم على التبرع له ومساندة القضية الفلسطينية.
8- التحدث مع فرد على الأقل يوميًّا عن القضية، وتوعية الناس بها، والواجب على المسلمين تجاه المسجد الأقصى.
9- وضع "حصَّالة" منزلية باسم "حصَّالة الأقصى"، ولنتذكَّر قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: "ما نقص مال من صدقة" (5)، أو "حصَّالة" خاصة للأطفال باسم حصَّالة "صندوق طفل الأقصى".
رسالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم
احذر من أن تخذل أهل فلسطين، أو أي مسلم يستغيث بك أو يطلب نصرتك؛ لأن ذلك له عقاب أليم، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بن سَهْلِ بن حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أُذِلَّ عِنْدَهُ مُؤْمِنٌ وَلَمْ يَنْصُرْهُ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَنْصُرَهُ أَذَلَّهُ اللهُ عَلَى رُءوسِ الأَشْهَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (6).
-------
حواشٍ:
1- أبيات من قصيدة لنزار قباني.
2- أبيات من قصيدة بعنوان "رسالة من حراس المسجد الأقصى " للشاعر د. عبد الغني بن أحمد التميمي.
3- المعجم الأوسط للطبراني.
4- رواه مسلم.
5- المعجم الأوسط للطبراني.
6- المعجم الكبير للطبراني .
--------
