د. حامد ربيع (أبريل 1925- سبتمبر 1989) عالم سياسة وإستراتيجية عربي حصل على 5 رسائل دكتوراه؛ اثنتان من باريس، وثلاث من روما، وست دبلومات في تخصصات مختلفة، وقام بالتدريس في عدة جامعات عربية وأوروبية وأمريكية، وتعدَّدت أعماله السياسية ومساهماته الفكرية والثقافية، فكان أبرزها: استشراف المستقبل على أسس علمية، ومؤلفات كثيرة في مجالات الدراسات العربية والدراسات "الإسرائيلية"، والدعاية والحرب النفسية، وغيرها.
حرب فكرية
تحدَّث الدكتور ربيع في عددٍ من مؤلفاته التي قام بالقراءة فيها كتاب: "قراءة في علماء الاستراتيجيا"، عن الدور الثقافي لدولة الاحتلال "إسرائيل" قائلاً إنه: لا يقصد بهذا الدور وظيفة تقوم بها أجهزة الإعلام المعتادة، وإنما هو في حقيقته حرب فكرية تقوم على التشويه الثابت لكل ما هو عربي، وإحدى أدوات ذلك هو تقديم التراث العربي في علاقة مناقشة فكرية دائمة مع التراث الغربي عامة واليهودي بصفة خاصة، بحيث يمثل أحدهما نموذجًا للتخلف والتعصب، وقد تجمعت في مسالكه جميع مساوئ الوجود الإنساني، أما ثانيهما (المشروع الغربي) فهو تعبير عن التقدم والرقي والانطلاق والحق في القيادة.
ويتمثل الدور الثقافي لدولة الاحتلال- أو ما يسميه ربيع التعامل النفسي- في منطلقين يكمل كلٌّ منهما الآخر: تنظيف الطابع القومي اليهودي من جانب، وتشويه الطابع العربي من جانب آخر، وفي كلا التطبيقين فإن التنظيف أو التشويه لا يقتصر على السلوك الفردي للمواطن، وإنما تتسع لتشمل التاريخ، وهذا يفسِّر عدة ظواهر؛ منها: جعل الأدب أداة من أدوات الصراع، وجعل إعادة كتابة التاريخ أحد منطلقات الوظيفة الثقافية.
فلم تقف الصهيونية من الحضارة العربية الإسلامية موقف التقييم بإبراز النواحي الإيجابية والأخرى السلبية فقط، بل تعدت ذلك إلى تقديم تلك الثقافة على أنها ثقافة متخلّفة.
التسميم السياسي
وتوجد ثلاث أدوات للتعامل النفسي مع العالم العربي:
تتجه أولاها إلى المجتمع العربي وتتأسس على خلق قناعة لديه بالسمو العنصري؛ مما يؤدي إلى العزلة بين المجتمعات العربية، وقد كان الحديث عن أية دولة عربية كجزء من الأمة، فإذا بنا فجأة نجد أحاديث عن المجتمع المصري الفرعوني والمجتمع السوري الفينيقي والمجتمع المغربي الأمازيغي، وإذا بلغة جديدة أساسها الارتباط بالتاريخ القديم وتخطِّي المرحلة الإسلامية.
وعزلة المجتمع كانت المقدمة للأداة الثانية، وتتمثل في تعميق الهوة بين الحاكم والمحكوم بما يعني اهتزاز التماسك القومي، ثم يكمل تلك الأداة الثالثة، والتي لم تنفَّذ إلا بإنشاء دولة "إسرائيل"، وما زالت مستمرة حتى الآن، وهى: التسميم السياسي الذي يقوم على مراحل ثلاث:
1- مرحلة خلق الفُرقة والقناعة بالولاء الطائفي: وفى ظل هذه المرحلة يفرض عدم الثقة في الإطار السياسي الذي يرتبط به المواطن، مثل: الإخلال بالأمن واختلاق الخيانات.
2- مرحلة التعامل مع الطبقات المختارة: حيث تتجه إلى المفاصل فتضعفها، وبالتالي تسعى إلى خلق حالة من الترهل في الحقيقة المعنوية للجسد القومي، وأهم أدوات الترهل: الدعوى العقائدية، وحرب المعلومات، والحرب الأيديولوجية التي تعد من أكثر الأدوات خبثًا، فمثلاً تقوم جهات خارجية لها علاقة بالكيان الصهيوني بدعم تيار فكري معين وبعض رموزه؛ مما يؤدي إلى خلق البلبلة الفكرية.
3- مرحلة الإغراق الجماهيري: وهي مرحلة الصراع المباشر على المستوى الجماعي بعد أن أضحى جسد المجتمع مترهلاً والمفاصل فقدت قدرتها على التماسك، وهنا يصبح تفتيت الوحدة الوطنية أمرًا سهل المنال.
والأداة المباشرة في هذه المرحلة هي الدعاية التي توسع من زراعة القيم الدخيلة، فإذا بها قيم كلية وتُضَخَّم فإذا بها قيم عليا، وهكذا تنخفض قيم الأمة إلى مرتبة ثانوية، ويساند هذه العملية بعض العناصر الجانبية، مثل: صناعة العملاء، وتدعيم مراكز بحثية، وشراء وتطويع الفئات المختارة، ثم توجيه النظم الإعلامية من خلال البرامج المعدة لهذا مسبقًا.
وأخيرًا خلق حالة الذعر الجماعي؛ حيث تلعب الإشاعة دورًا مهمًّا، وحيث يصير رفع الأسعار أو التحكم في بعض السلع الأساسية- مثلاً بالإغراق ثم بالمنع- عناصر حاسمة في بلبلة الإرادة القومية، وإضعاف المقاومة الجماعية.
مفهوم الدعاية
كلمة (الدعاية) تقابل بالإنجليزية اصطلاح (propaganda) الذي يعود استعماله إلى العام 1633 عندما أنشأ أحد الباباوات الكاثوليك إدارة باسم (Congregation of propaganda) تتشكَّل من بعض كبار الأساقفة، ودورها هو تنظيم وتخطيط المهام الخارجية للكنيسة الكاثوليكية.
ومنذ ذلك الوقت اختلط مفهوم الدعاية بالدعوة؛ فالدعوة تعني الإعلان عن عقيدة، وتخاطب العقل على أساس تقديم الحقيقة، كما أنها خطاب يقوم على الصراحة، ويرفض الكذب والتلاعب، ومنطقها المناقشة التي قد تؤدي إلى الاقتناع؛ حيث تُقرَع الحجة بالحجة بحرية كاملة دون أية غشاوة في عناصر التجاوب المنطقي.
أما الدعاية فتعني السعي إلى تكتيل القوى العاطفية والمصالح الفردية في اتجاه واحد، بما يؤدي إلى الاقتناع بفكرة أو بمبدأ ما كان يصل إليه الفرد، لو ترك لمنطقه الذاتي يتطور بتلقائية دون أي ضغوط أو توجيه، أي إنها تقوم على أساس التلاعب بالعواطف، بهدف الحصول على الاقتناع، أو الوصول إلى موقف ما كان من الممكن أن يصل إليه الفرد بمنطقه العادي وبتعبير آخر: إذا كانت الدعوة تساعد على الكشف عن الحقيقة، فإن الدعاية تقود إلى تشويه هذه الحقيقة بأسلوب أو بآخر.
وسائل الدعاية
وفي الوقت الذي تبرر الدعاية الصهيونية ممارسات الاحتلال، وتشويه الطابع الإسلامي بكل نقيصة، فإنها تتجه إلى تنظيف الطابع الصهيوني أو اليهودي، وعمل صورة إيجابية عن اليهود والصهاينة في فلسطين المحتلة، وتستعمل في هذا الإطار عدة وسائل؛ منها:
- الأسلوب النفسي: فتلجأ إلى التأثير بإثارة انفعالات معينة، مثل: القلق من خلال الحديث عن التهديد الإسلامي وخطورته على العالم، والإحباط من أن الأجهزة الأمريكية لا تساعد الدولة الصهيونية بالقدر الكافي.
- أسلوب التكرار: مثل وصف العرب بالمتخلفين والنازيين، والمقاومة الفلسطينية بالإرهاب، ووصف "إسرائيل" بأنها ديمقراطية، وجزء من الحضارة الغربية وهي (داود) الذي يقابل (جالوت).
- التحويل من أفكار مقبولة إلى العكس: مثل تحويل الصفات الإسلامية إلى نقائضها؛ فالعربي المتسامح هو عربي سلبي خضع للسلطة المستبدة، والمسلمون المتسامحون هم الذين يقومون باضطهاد الأقليات.
- الشخصية البارزة: وتقوم تلك الدعاية بتلميع بعض الشخصيات في الإعلام.
- أسلوب الربط بين الأسماء: أي باستعمال أوصاف معينة بشكل يخلق مشاعر معينة لدى الجمهور المستقبل، مثل: ربط اليهود بالمذابح النازية، وربط الانتقادات الموجَّهة إلى الدولة الصهيونية بما يسمونه (معاداة السامية).
وختامًا.. فإن د. حامد ربيع أراد أن ينبه على الحقيقة التالية: إن القول إن "إسرائيل" ليست إلا بلدًا صغيرًا لا يمكن أن يشكِّل خطرًا على العالم العربي والإسلامي بالعدد الكبير لسكانه؛ فإنه قول يكفي لإهماله أن نتذكر كيف حكمت إنجلترا في القرن الماضي- وهي الجزيرة الصغيرة- إمبراطوريةً لا تغرب عنها الشمس، وأثَّرت تأثيرًا بالغًا في التوجه الثقافي للدول الخاضعة لها.
-----
* باحث.