لي ذكريات عديدة مع مطار القاهرة الدولي؛ حيث بدأت علاقتي معه منذ شبابي الباكر؛ حيث سافرت لأول مرة بالطائرة عام 1979م إلى ماليزيا مع كل زيارة للمطار، أو- كما أتندر مع زوجتي- لسيدي صاحب المقام "المطار".
أطوف بأروقته وأتأمل التجديدات فيه وأصلِّي ركعتين أو أكثر في المصلى الجميل بالدور العلوي الثاني بعد أن كنت أحشر نفسي تحت "بير السلم" في مصلًّى لا يليق بمقام المطار، ثم أرشف بعض القهوة أو الشاي في مكتب مدير الجوازات أو ضابط الوردية، أو أحيانًا- أصبحت نادرة- في مكتب ضابط أمن الدولة، وأقفل راجعًا إلى بيتي مع ابني أو صديق تكرَّم بتوصيلي وانتظاري، أو السائق من مكتب الإخوان لتنتظرني زوجتي الحبيبة بابتسامة ضاحكة ماكرة قائلة: "ألم أقل لك: لن يسمحوا لك بالسفر؟!"، متسائلةً: "هل أُعِدُّ لك طعامًا بديلاً عن طعام الطائرة؟ أم تكتفي- كالعادة- بثمرات من الخضروات والفاكهة؟".
كانت آخر زيارة للمطار- والتي لم تدم إلا ساعة واحدة تقريبًا- السبت 21/11/2008م بغرض المشاركة في المؤتمر الدولي حول حق العودة للشعب الفلسطيني الذي انعقد في دمشق يومَي الأحد والإثنين بحضور حوالي 15 ألف شخصية من كافة بلاد العالم.
ذهبت آملاً في السفر؛ فقد كنت أمثِّل نقابة أطباء مصر التي أشغل موقع أمين الصندوق فيها، وتركت للسيد النقيب مهمة الاتصال لتذليل صعوبات المطار، وكلَّفت الشئون القانونية بإبلاغ رسمي لوزارة الداخلية وجهاز أمن الدولة والإدارة العامة للجوازات ومدير أمن المطار ومدير الجوازات بصورة رسمية، آملاً أن يؤديَ ذلك إلى سلوك جديد يتمثَّل في احترام الدستور والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
الجديد الذي طرأ صدورُ حكمٍ من المحكمة الإدارية العليا بعدم أحقية وزير الداخلية في إصدار قرارات المنع من السفر، وأن ذلك يُعَد انتهاكًا للدستور والقانون الذي يقرِّر الحريات الأساسية للمواطنين، ومنها حرية التنقل والسفر، ولا يُمنَح حق تقييد هذا الحق إلا للقضاء المصري أو النائب العام الذي يجب أن يسبِّب القرار؛ حتى يمكن التظلُّم منه، وقد صدر الحكم لصالح أحد المتهمين الجنائيين؛ مما يعطيه قوةً إضافيةً بالنسبة للسياسيين الذين يتم منعهم بالمزاج السياسي أو الرضا العلوي.
عندما حضر اللواء إسماعيل مرزوق "ليساند العميد" مجدي السماني في إقناع الصديقين النائبين "د. محمد البلتاجي ود. حازم فاروق"- اللذين صمَّما على عمل محضرٍ بالحالة ومرافقتنا أنا والصديق الممنوع مثلي من السفر النائب السابق د. جمال حشمت- بالسفر ليُمثِّلا مصر في المؤتمر ويتركا الأمر له للتصرف فيه وإكرامنا قبل توصيلنا إلى باب الصالة في أمن وأمان.. سألته بعد حوارٍ غير مُجْدٍ ومُرهق: "أمامك حكمٌ من أعلى محكمة إدارية بعدم أحقية وزير الداخلية في المنع من السفر ووضع قوائم بأسماء الممنوعين، فهل يمكنك احترام هذا الحكم النهائي؟ أم أنك ستسمع كلام الوزير وتنفِّذ التعليمات؟!".
فرد فورًا دون تلقم ولا تردد: "أنفذ تعليمات الكمبيوتر"، ولم يذكر "الوزير"، ضحكنا وسط إلحاح مندوب شركة مصر للطيران على النائبين الحاليين بضرورة التوجه إلى الطائرة التي على وشك الإقلاع، فشكرتُ الإخوان على جهدهم الذي يجب أن يكون تحت قبة البرلمان وليس مجرد حوارات في أروقة المطار مع المديرين التنفيذيين الذين لا يملكون من أمرهم شيئًا؛ حيث يراقبهم من خارج المكتب مندوبو الأمن القومي وأمن الدولة الذين يتحركون من وراء ستار الجوازات.
كانت تلك هي المرة الأولى التي أزور فيها المطار منذ 18/8/2007م؛ حيث كنت مسافرًا مشرفًا على رحلة نقابية ترفيهية إلى تركيا، فسافر الأطباء ومرافقوهم وعدتُ حسيرًا على أسبوع كنت أُمنِّي النفس فيه بالسياحة والمتعة بعيدًا عن هموم السياسة والنقابة والمشاكل الحياتية لأجد دعوةً إلى الغداء عند الأستاذ نبيل مقبل صهر الفنان عادل إمام، فذهبتُ بعد أن ذهب الأولاد مع أمهم إلى مدينة 6 أكتوبر، على أمل أن ألحق بهم بعد الغداء.
وبعد حضور الاجتماع الدوري الشهري لمجلس النقابة العامة للأطباء وتركوا معي "شنطة" خضار ولوازم البقاء في 6 أكتوبر لمدة أسبوع بديلاً عن إستانبول فكانت المفاجأة في إلقاء القبض على جميع المدعوِّين والقبض على شنطة الخضار عندما صمَّم رئيس النيابة على تفتيش السيارة، وضحك عندما وجد "الشنطة" وتركها لآخذها معي إلى النيابة ثم السجن في زيارةٍ طالت لمدة 50 يومًا كي تكون عونًا لنا في الأيام الأولى.
بدأت قصتي مع المطار عام 1981م عندما صحبت المغفور له المرشد السابق الأستاذ مصطفى مشهور في رحلة دعوية إلى باريس وفرنسا، وكنت قبلها بأيام في اللقاء الشهير الذي جمع قيادات الدعوة الإسلامية برئاسة المغفور له مرشد الإخوان المسلمين الأستاذ عمر التلمساني مع اللواء نبوي إسماعيل لبذل جهود تهدئة للمسلمين بخصوص أحداث الزاوية الحمراء، وعندما فتشت الجمارك في سلوك غير طبيعي "شنطتي" قبل السفر إذا ببيانٍ صادرٍ عن الإخوان بخصوص الأحداث موجود، فاحتجزتنا الشرطة وبدأت الاتصالات المكثَّفة حتى وصلنا إلى مكتب مدير المطار في أدوار علوية ليتصل مباشرةً بمكتب الوزير وأنا أحاوره وأناقشه حول الأحداث ودور الإخوان في إيجاد حلول لمنع اتساع نطاق الاشتباكات التي سقط فيها قتلى وتم حرق عشرات المنازل والمحال التجارية، وكنت حاضرًا في المؤتمر الشعبي الكبير الذي نظَّمه المسلمون في مسجد الهداية وأشرف عليه الشيخ حافظ سلامة، وتحدَّثتُ فيه باسم الشباب المسلم في الجامعات المصرية، وكان السفر في اليوم التالي للقاء الوزير مباشرةً أخيرًا سمحوا لنا بالسفر بعد تعطيل الطائرة أكثر من ساعة، ولم أسمع خلالها كلمة عتاب أو لوم من الأستاذ مصطفى رحمة الله.
من يومها صارت لي ذكريات مع المطار تحتاج إلى كتابٍ إذا سمحت الذاكرة بتذكُّرها؛ من ترقب السفر للتفتيش، إلى ترقب الوصول للتفتيش، إلى المنع المزاجي مرةً ومرةً، إلى المنع التام حاليًّا؛ قد يأتي وقت لأسطِّرها للفائدة عندما تزول الغُمَّة.
لم تتوقف مضايقات ونوادر المطار حتى أثناء فترة نيابتي عن الأمة كعضوٍ بمجلس الشعب في الفترة من 1987- 1990م؛ فقد اضطررتُ في إحدى المرات إلى ترك جواز سفري لدى الجمارك بسبب إصرارهم على تفتيش أوراقي بعد الانتهاء من التفتيش المعتاد للملابس والأجهزة بحثًا عما يستحق دفع رسوم جمركية، فاعترضتُ غاضبًا وأخذت حقائبي منصرفًا وهم يجرون ورائي، ولم يتمكَّن أحد من منعي من الخروج أو القبض عليَّ بسبب الحصانة التي لم تُجْدِ إلا ذلك فقط، وصرختُ غاضبًا: "ستضطرون إلى إحضار الجواز مرغمين إلى مكتب رئيس المجلس، ولن أتسلم الجواز إلا منه شخصيًّا" وهو ما حدث بعد ذلك بالفعل.
كان للمرحوم زكي بدر قصته معي اتخذتْ منه طابعًا شخصيًّا بسبب إحراجي المستمر له تحت قبة البرلمان؛ مما دفعه إلى الأمر بضربي أثناء سفري إلى السويس لحضور احتفال بالإسراء والمعراج بدعوةٍ من النائب المرحوم عبد العظيم المغربي، وإنزالي عنوةً من الأتوبيس لأعود إلى القاهرة، وكانت قصةً؛ قد تأتي تفاصيلها بعد حين.
تذكِّرني مواقف المطار المتعددة بحال السجين المحروم من الحرية الذي لم يفارقني منذ ولجتُ مبنى المخابرات العربية عام 1979م أثناء خدمتي بالقوات المسلحة قبل إنهائها بقرارٍ قبل أيام من انفصالها الطبيعي، ثم حلولي ضيفًا مستمرًّا على حوالي 11 سجنًا من سجون مصر المحروسة؛ فأنت لا تستطيع التمتع بحرية الحركة والتنقل والسفر وأنت سجين، وها أنا أيضًا لا أستطيع ممارسة حرية التحرك والسفر والتنقل الآمن دون مضايقاتٍ إلا بأذنٍ من مأمور السجن الكبير السيد وزير الداخلية أو نائبه في جهاز أمن الدولة الذي ما زال مصرًّا على تحدي الدستور والقانون وأحكام القضاء في أعلى صورة حكم من المحكمة الإدارية العليا.
وصدق الله العظيم: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ (الأعراف: من الآية 146).