لماذا تصر الحكومة- وهي تعلم خطأها وخطيئتها- على استئناف الحكم؟! ولماذا سارع حواريوها بتفسير الحكم على أنه ورقة ضغط في يد الحكومة حتى تُحسِّن شروط التعاقد؟!
ولماذا أصرت الحكومة في البداية على إنكار وجود صفقة أصلاً، ورفضت أن تُظهر العقد، فلما أصرت القوى الوطنية على كشفها تناقضت أقوال وزرائها؛ فمن قائلٍ إن العقد موقع بين شركتين خاصتين؛ إحداهما مصرية والأخرى "إسرائيلية" ولا شأن للحكومة بالغاز، وكان الرد على ذلك أنه عذر أقبح من الذنب؛ حيث إنه من المعلوم بالضرورة أن الثروة الطبيعية في أي بلد ملك للدولة؛ فإن الدولة هي التي تتعاقد مع أطراف وطنية- أي داخلية- أو أجنبية.
فهل تستولي الشركة الخاصة المصرية على الغاز مباشرةً؟! ولماذا تمنح كل هذا الامتياز المخصص للدولة؟! وألا يثير ذلك شبهة خطيرة ويقدح في الصفقة كلها؟! ولمَّا انكشف ذلك تمامًا وطلب النواب المستقلون بمجلس الشعب مناقشة هذه الصفقة الغريبة؛ تهرَّب الوزراء المختصون، بل ظهر من يعترف ببيع الغاز بأسعار أقل من سعر التكلفة؛ لأن مصر ملتزمة بذلك في اتفاقية السلام!! ولما كانت الاتفاقية المنشورة تخلو تمامًا من مثل هذا النص فإن ذلك معناه أنه إصرار على الخداع الذي دأبت الحكومة عليه، أو أن هناك نصوصًا سرية، رغم إصرار الحكومة منذ عام 1979م على أن كل الوثائق منشورة في الكتاب الأبيض الذي أصدرته وزارة الخارجية.
فما هو السبب في هذا الارتباك؟! وألا تعلم الحكومة المصرية أن المصادر الصهيونية تجد متعةً في فضح كل تعامل معها، وأن الكيان الصهيوني يعلم أنها حكومة الظلام التي تتآمر على الشعب في سابقةٍ لم تحدث في تاريخ مصر؟!
الآن وقد قرَّر الحكم أن قرار التعاقد كان خطأً وأُلغي هذا القرار، وتعلم الحكومة أنها تعاقدت مع الكيان الصهيوني، ومكنته وهو الذي يتربص بمصر في كل موقع من سد حوالي 20% من احتياجاته من الغاز الذي يضيء للمغتصبين، وتنكره على أصحاب الأرض في غزة.
فمن حيث المبدأ.. هذه الحكومة تساند الكيان الصهيوني وعداءه لمصر، وهي الحكومة التي قبلت مد الكيان بهذا الغاز بأسعار رمزية، وتتحمل الخزينة المصرية دعم سعر الغاز للمواطن الصهيوني، رغم أن نفس الحكومة تتفنَّن في إيذاء المصريين ورفع الدعم عن خبزهم.
إن بيع الغاز للكيان الصهيوني وبهذه الأسعار وإصرار الحكومة على ذلك رغم انكشاف الصفقة، فضيحةٌ تحتاج إلى محاكمة جنائية لأطرافها؛ ولهذا السبب تستَّروا عليها وارتجفت قلوبهم لكشفها.
ونظرًا لأن الحكومة لا تخشى هذا الشعب المسالم، فكان أولى بها أن تستر نفسها بهذا الحكم، وأن تُخليَ مسئوليتها، وكفى ما قدمته للكيان الصهيوني، ولكن الحكومة أبت إلا أن تصر على جرمها، فتسعى إلي إلغاء الحكم واستمرار تزويد الكيان بالغاز، وبهذا السعر وبأقل من أسعار العقود الأخرى، فما هو المقابل الذي يقدمه الكيان لهذه الحكومة المتحالفة معه؟!
بصرف النظر عن مصير الحكم في القضاء المصري، فإن الأهم هو هذا الموقف الغريب من جانب الحكومة، فكيف تدَّعي بعد ذلك الوطنية؟! وكيف يسمح أعضاء هيئة قضايا الدولة لضمائرهم بأن يساندوا هذا الباطل ضد مصالح الشعب المصري؟!
إنني أطالب بمحاكمة المسئول عن هذه الصفقة الفاضحة التي قدَّمتها مصر هديةً للكيان الصهيوني في عيده الستين، وهي تصر على استمرارها ضد رغبة كل الشعب المصري، فهل تعمل هذه الحكومة التي فقدت مصداقيتها تمامًا وانقلبت علي مصالح الشعب من تلقاء نفسها؟! وما هو موقف الرئيس مبارك؟! ولماذا لا يُقيل الحكومات العابثة؟! ولماذا لا يُقيل الوزراء الذين ثبت فشلهم ولم يعد الشعب يطيق النظر إليهم أو الاستماع إلى تصريحاتهم التي ملَّها وتمنَّى عليهم أن يسكتوا؟! وإذا كانت الحكومة تصر على هذا الموقف الغريب، فماذا تفعل القوى الوطنية؟! وبأية لغة تفهم الحكومة مطالب الشعب المصري الذي أصبح يشعر بالغربة الكاملة تُجاهها؟!
على جميع القوى الوطنية أن تُواصل نضالها المشروع ضد حكومةٍ فقدت مصداقيتها، وتعمل خارج دائرة الشرعية الحقيقية؛ لأن رضا الشعب هو المصدر الوحيد للشرعية بعد أن فسد البرلمان، وخضع لمخططات الحكومة لخدمة الكيان الصهيوني؛ مما يدفع هذا الشعب إلى البحث عن صيغةٍ لخدمة مصالحه التي تم التفريط فيها بشكل علني.