رغم كل محاولات التجميل التي تقوم بها الأطراف جميعها دون استثناء للموقف المصري، ورغم الحفاظ على شعرة معاوية مع الشقيقة الكبرى، ورغم كل المرونة والتفهم من قبل أهلنا في غزة، إلا أن الحقيقة المرة ذات الوجه الواحد هي أن مَن يتحمل مسئولية المعاناة في قطاع غزة هي مصر الرسمية، وأن مَن يُنفِّذ حكم الإعدام الذي أصدرته عصابات الاحتلال هي مصر الرسمية، ومَن يقتل أبناء الشعب الفلسطيني اليوم في غزة هي مصر الرسمية، نقولها والألم والأسف يعتصر قلوبنا لهذا الموقف البعيد تمامًا عن نبض الشارع المصري العظيم.

 

كنت قد آليت على نفسي ومنذ زمن أن لا أكتب أو أتطرق لأي موقفٍ عربي كبُر أم صغر، فهَمُّنا كبير وكبير، والعصابة التي دمرتنا وتدمرنا أولى بالوقوف في وجهها، لكن ما يحدث اليوم ليس شأنًا عربيًّا داخليًّا لنصمت ونتجاوز، إنه جريمة ضد أهلنا المحاصرين في غزة، يدفعون ثمنها دمًا ونارًا، ليس شأنهم وحدهم بل بات مصيبتنا في أشقائنا، لم يعد السكوت ممكنًا ونحن نعد ضحايا الحصار، لا مجال للصمت ومستقبل طلبتنا يدمر، لا يمكن غض الطرف ونحن نقتل بأيدٍ عربية.

 

الشعب المصري البطل وقف ويقف بكل ما أُوتي من قوةٍ مع القضية الفلسطينية ونضال شعبنا، وضحى ويضحي بالغالي والنفيس نصرة للشعب الفلسطيني، ورفض ويرفض محاولات التطبيع الجارية منذ ثلاثة عقود، وحاول ويحاول بكل الوسائل أن يخترق الحصار الداخلي المفروض عليه لمنعه من الوصول لغزة، في ذات الوقت تستبسل الحكومة المصرية وتتفنن في قتل شعبنا داخل وخارج غزة، وتحت ذرائع مختلفة سقطت بعد التصريحات الأخيرة الواضحة لوزير الخارجية المصري والتي اعترف فيها بحصار غزة دعمًا لطرف فلسطيني ضد طرف آخر، أي سجن وتجويع مليون ونصف المليون فلسطيني من البشر والناس "كرمال" عيون عبّاس، المساهم الأول في حصار غزة.

 

مواقف رسمية غير مبررة، مخزية أحيانًا، ومخجلة أحيانًا أخرى، وترقى لدرجة الجرائم في أغلب الأحيان، إذلال مبرمج ومزمن زادت وتيرته، اعتداء على كل شيء، مرضى وطلبة وجرحى وأرامل وعجائز، فقدان حتى لأبسط قواعد الآدمية، تعامل فظ لا نراه مع أعداء الأمة وهم يدخلون بلا تأشيرات لأرض الكنانة، اعتقالات لمَن يحاول كسر الحصار، إغلاق لجزء من أرض مصر أمام المصريين في مخالفة دستورية واضحة، وغيرها من الأمور التي يندى لها الجبين.

 

ليس كلامَ إنشاءٍ ولا حديثًا في الهواء! المواقف كثيرة لكنها تزداد تعنتًا وإجرامًا، وليتها توقفت عند حدود التهديدات العنترية الأبوغيطية، بل تجاوزتها لأفعال تتصاعد وتيرتها، ونرصد بعضها وآخرها هنا.

 

* 2/4/2008م منعت السلطات المصرية وفدًا برلمانيًّا أوروبيًّا، من "الحملة الأوروبية لرفع الحصار عن غزة" من الوصول إلى مدينة رفح المصرية، بعد وصول الوفد إلى العريش الواقعة في شمالي سيناء، وكان الوفد المكوّن من أربعين نائبًا برلمانيًّا أوروبيًّا، قد وصل يوم الإثنين (31/3) إلى العريش، عندما أمرته السلطات المصرية بالتوقف ومنعته من إكمال رحلة تضامنية إلى رفح المصرية، ويقوم الوفد بتلك الرحلة للإعراب عن تضامنه مع المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة تحت الحصار الخانق المفروض عليهم.

 

* 11/8/2008م حسام زكي‏ المتحدث باسم وزارة الخارجية‏‏ يعلن أن معبر رفح الحدودي سيتم فتحه بشكلٍ نهائي ومنتظم‏ عندما تسيطر الأجهزة الأمنية التابعة لمحمود عبّاس على الجانب الفلسطيني به بشكل كامل‏ وفقًا للاتفاقيات الدولية المنظمة لعمل المعبر، كما انتقد توجيه اللوم لمصر، وقال إن لغزة معابر أخرى غير معبر رفح!، سبحان الله يطالب الاحتلال بفتح المعابر ويغلقها هو رسميًّا ويُحاصر مليون ونصف المليون فلسطيني دعمًا لعبّاس؟‏.‏

 

* اعتقلت أجهزة الأمن المصرية يوم 11/9/2008، 7 من نشطاء حملة فك الحصار عن غزة؛ منهم 3 فتيات وصلوا إلى مدينة العريش المصرية، بعد احتجاز قوات الأمن قافلتهم عند بوابات الإسماعيلية، واختيارهم استكمال الوصول إلى معبر رفح الحدودي بطريقتهم الخاصة.

 

* 28/10/2008 أدانت "الحملة الأوروبية لرفع الحصار عن غزة" بشدة قرار السلطات المصرية رفض السماح للوفد البرلماني الدولي، الذي يضم العشرات من النواب العرب والأجانب، من دخول قطاع غزة عبر معبر رفح الحدودي الفاصل بين مصر وقطاع غزة في بدايات الشهر المقبل (تشرين ثاني/ نوفمبر)، معتبرةً ذلك مشاركة في الحصار، واستهجن رئيس الوفد البرلماني الدولي اللورد نظير أحمد بشدة رفض السلطات المصرية فتح معبر رفح أمام الوفد ليقوم بزيارة غزة، وقال في تصريح صحفي له: "نستغرب وندين بشدة قرار مصر برفض دخولنا إلى قطاع غزة، رغم أن الهدف من هذه الزيارة هو إنساني"، وأضاف اللورد أحمد: "نعتقد أن من حق النواب الدوليين أن يطلعوا على الأوضاع المأساوية في قطاع غزة، وكنا ننتظر من مصر التي تدعي مساعدتها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة رفض حصاره؛ بفتح معبر رفح أمام الوفد للاطلاع على الأوضاع المأساوية هناك".

 

للأسف الشديد وبعد هذا المنع وصل بتاريخ 3/11/2008 ثمانية نواب من الذين منعتهم مصر إلى غزة عبر معبر بيت حانون/ إيريز، أي أن مصر تمنع والاحتلال يسمح!

 

وبعدها بأيام وتحديدًا يوم 8/11/2008 وصلت مجموعة أخرى تضم 12 برلمانيًّا أوربيًّا إلى غزة عن طريق البحر، فالحمد لله أن جعل لغزة بحرًا بعد أن أوصدت مصر البر!

 

* منعت الشرطة المصرية يوم 6/10/2008 محاولة ناشطين مصريين، بينهم أعضاء في جماعة الإخوان، كسر حصار غزة المتواصل منذ 16 شهرًا بتسيير قافلة تحمل إمدادات إلى القطاع عبر الحدود المصرية، ولم تتمكن أي من شاحنات القافلة من عبور قناة السويس التي تفصل شبه جزيرة سيناء عن بقية الأراضي المصرية.

 

* الأربعاء 22/10/2008 اعتقلت الشرطة المصرية 32 عضوًا من جماعة الإخوان المسلمين؛ بتهمة احتجاجهم على الحصار الصهيوني  لقطاع غزة، وانضمامهم لجماعة محظورة، بحسب مصادر متطابقة، وأفادت مصادر في الجماعة بأن "الأعضاء المعتقلين شاركوا في قافلة  مناهضة لحصار غزة يوم 6/10/2008.

 

* في ذات اليوم تم إلقاء القبض على المدون محمد خيري صاحب مدونة "جر شكل"، بالإضافة لـ43 آخرين على مستوى المحافظات المصرية من الذين كانوا شاركوا في قافله فك الحصار وألقي القبض عليهم مرة أخرى.

 

* على كثرة التصريحات الحاقدة التي أطلقها أبو الغيط وزير الخارجية المصري، أصبح من الصعب حصرها، لكن أخطرها ما صرح به يوم 11/11/2008 حيث اعترف أن مصر تغلق معبر رفح لأسباب سياسية بحتة، ولغرض معاقبة طرف فلسطيني، مرتهنًا مليون ونصف المليون فلسطيني، ومسقطًا الحجج الواهية السابقة حول الاتفاقات والأمن القومي وغيرها، حيث هدد أبو الغيط  في لقاء مع الإعلامية لميس الحديدي مقدمة برنامج "اتكلم" على القناة الأولى بالتلفزيون المصري كل من يحاول عبور المعابر المصرية, قائلاً: "اللي يهد سور على الحدود المصرية سيلقي جزاءه".

 

وأضاف أن الإشكالية القانونية التي يقع بها البعض إن حماس استولت على قطاع غزة بقوة السلاح, وبالتالي فتح الحدود معها يعني الاعتراف بشرعيتها!

 

* حتى الجرحى لم يسلموا وفي سابقة لا أخلاقية جديدة، 20/11/2008 أقدم جهاز أمن الدولة المصري على اعتقال مدير مكتب كتلة التغيير والإصلاح في شمال قطاع غزة حسام الرملاوي ونحو عشرة من جرحى الانتفاضة بينهم طفلة صغيرة لا تتجاوز الأربع سنوات، بعد مداهمتهم لشقتهم السكنية في القاهرة، ودون توجيه أي تهمة إليهم.

 

 * اليوم21/11/2008م وفي تكرار للمواقف السابقة، مصر الرسمية تمنع وفدًا برلمانيًّا أمريكيًّا من الوصول لغزة، والوفد البرلماني الأمريكي موجود حاليًا في القاهرة منذ يوم أمس ويحاول الوصول إلى قطاع غزة إلا أن السلطات المصرية منعته من ذلك، فهل يا ترى يهدد الوفد أمن مصر القومي أو يحمل أسلحة؟

 

أمثلة سريعة سقناها لتوضيح مَن يقتل شعبنا في غزة؛ وذلك لا يعفي إطلاقًا الاحتلال المجرم من مسئولية ما يجري، لكنه تساوق ومستهمة وشراكة مطلقة في هذه الجريمة، تضع مصر الرسمية في موقع لا يسمح لها باحتضان حوار أو غيره، لأن مواقفها بحد ذاتها تحتاج لحوار للتراجع عنها.

 

ليتهم اعتبرونا سلاحف بحرية يرصدون لها الملايين لإنقاذها، في وقت يمنعون فيه من يريد إنقاذ شعبنا، حتى عندما يتقاعسون بل يتآمرون لقتل شعبنا، يمنعون الغير من تأدية الواجب الإنساني، لكنهم يحاولون تجميل صورتهم مع غير الآدميين، في محاولة سخيفة للظهور بالمظهر الحضاري، فهل يعقل أن مَن يحاصر ويقتل شعبًا بأكمله يلتفت لكائنات أخرى؟، اقرأوا هذا الخبر الذي نشر بالأمس 20/11/2008م وقارنوا بين المواقف: "خصص مجلس الوحدة الاقتصادية العربية التابع لجامعة الدول العربية 50 مليون دولار لتربية السلاحف، حيث قام المجلس بتخصيص قطعة أرض على مساحة 8000 متر مربع على ساحل البحر المتوسط بمنطقة أراضي الجمعيات بالعريش؛ وذلك لإقامة مشروع لتربية وإكثار السلاحف البحرية بتكاليف قدرها 50 مليون دولار.

 

وقد أكد اللواء محمد عبد الفضيل شوشة محافظ شمال سيناء أن هذا المشروع يهدف إلى الحفاظ على السلاحف البحرية في البحر المتوسط والمهددة بالانقراض، وأشار شوشة إلى أن المشروع هو الأول من نوعه في مصر، وقد جاء بمبادرة من الدكتور أحمد جويلي الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية التابع لجامعة الدول العربية"، فهل إنقاذ السلاحف وصرف الملايين عليها أولى من إنقاذ غزة وأهلها التي تقع على بعد أقل من 50 كيلو مترًا من منطقة المشروع المقترح؟

 

ثم يحدثونك عن الأمن القومي! وقد تحديناهم جميعًا بلا استثناء أن يأتوا بحادثة واحدة هدد أو اعتدى فيها فلسطيني واحد على أمن مصر العزيزة على قلوبنا جميعًا، والتي نحرص على أمنها أكثر من أي أمن آخر، تحديناهم أن يشرحوا كيف يهدد أمن مصر إذا كان معبر رفح فلسطينيًّا مصريًّا خالصًا، ولا يصبح أمنها مهددًا إذا تواجد جنود الاحتلال على المعبر؟ أي مفارقة غريبة تلك؟ كيف يهدد أمن مصر وقد دخلوها أهل غزة آمنين بمئات الألوف ولم تسجل حادثة سرقة أو اعتداء واحدة، وغادروا بإرادتهم وعادوا لقطاعهم المحاصر بعد أن صدقوا الوعود بأن مصر لن تسمح بتجويع غزة؟ ما هو التهديد القومي لمصر إن هي سمحت بايصال الغذاء والكساء بعد أن تشبعه تفتيشًا وتدقيقًا وتمحيصًا؟

 

لكن أحرار مصر ممن امتزجت دماؤهم الزكية مع دماء إخوانهم في فلسطين، شرفاء مصر الذين رفضوا ويرفضون محاولات تدجينهم عبر تطبيع رسمي مبرمج، ما زالوا على عهدهم، يحاولون الكرة تلو الكرة دون كلل أو ملل، يطرقون كل باب حتى باب القضاء، وقد حققوا اختراقات قانونية تاريخية نصرة لأهلهم في فلسطين، وانتزعوا أحكامًا قضائيةً هامةً في الأيام الأخيرة نذكر منها التالي:

 

في ذات اليوم الذي أقر واعترف فيه أبو الغيط بمسئولية مصر عن حصار قطاع غزة وقتل أهله أي في يوم 11/11/2008: قررت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة المصري وقف تنفيذ قرار الحكومة بمنع الحملة الشعبية لكسر حصار غزة، وذلك في دعوى قضائية أقامها 25 من النشطاء السياسيين ونواب البرلمان بعد قيام الحكومة بمنع قافلتين شعبيتين تحملان مواد إغاثية من الوصول إلى معبر رفح. ووصف جمال تاج الدين، عضو مجلس نقابة المحامين السابق، الحكم بأنه "تاريخي" وأكد رفض الشعب المصري مشاركة حكومته في حصار غزة، مطالبًا الحكومة بتنفيذ القرار والسماح لقوافل الإغاثة بالوصول إلى غزة.

 

الثلاثاء 18/11/2008 محكمة القضاء الإداري أصدرت حكمًا بوقف تصدير الغاز المصري إلى "إسرائيل"، أثناء نظرها دعوى قضائية أقامها عدد من المواطنين، بينهم بعض المحامين، مدعين أن بيع الغاز المصري يتم بأسعار تقل عن الأسعار العالمية وقيمتها السوقية، واستندت الدعوى إلى أن قرار تصدير الغاز إلى "إسرائيل" تم بناء على اتفاق بين إحدى الشركات الخاصة، المملوكة لأحد رجال الأعمال مع الحكومة "الإسرائيلية"، ولم تحصل الحكومة المصرية على موافقة البرلمان، على اعتبار أن الغاز الطبيعي من ممتلكات الشعب، وكان مساعد وزير الخارجية السابق السفير إبراهيم يسري قد أقام الدعوى ضد وزير البترول سامح فهمي، مطالبًا فيها بإلغاء قرار الوزير رقم 100 لسنة 2004 والخاص بتصدير حصة من المواد البترولية في مصر إلى "إسرائيل" بسعر منخفض، وانضم إليه 80 شخصًا في الدعوى من منظمات المجتمع المدني وأعضاء مجلس الشعب، الذين استقبلوا الحكم بفرحة عارمة، فيما شهدت المحاكمة إجراءات أمنية مشددة حيث أحاطت سيارات الأمن المركزي بمقر مجلس الدولة قبل بداية الجلسة بساعة- للتذكير فإن تصدير الغاز لقطاع غزة متوقف تمامًا واليوم توقفت معظم مخابز القطاع عن العمل وتعيش غزة في ظلام بعد انقطاع التيار الكهربائي عن معظم المناطق!

 

هذا هو الشعب المصري البطل العظيم الذي نعرفه، الشعب الذي نحبه ويحبنا، الشعب الذي لم يتأخر أو يتوان يومًا عن القيام بواجبه تجاه إخوانه، وهذه هي المواقف الرسمية لمصر التي تقتل شعبًا رفض ويرفض الانصياع لإرادة المحتل وأذنابه وعملائه، مصر الرسمية البعيدة عن نبض الشارع والتي ارتضت أن تمارس دور الجلاد لتنفيذ مجزرة الاحتلال بحق شعبنا.

 

اليوم نقولها وبوضوح  إن من يرفض الانصياع والتركيع أمام محاولات التجويع لن تعجزه الوسيلة عن كسر الحصار والانفجار في وجه الجميع دون استثناء.

-------------

DrHamami@Hotmail.com