بعد أن هدأت أصوات الطبول وزغاريد الأفراح التي دقَّتها الأيدي وأطلقتها الألسنة في شتى بقاع العالم- ومنه عالمنا العربي والإسلامي بالطبع- ابتهاجًا بنجاح أوباما، وبعد أن تصوَّر كل فريق في العالم أن أوباما قد جاء ليحقق آماله وطموحاته، وبعيدًا عن مشاعر الحب والكره التي لا تصلح في مجال السياسة؛ يمكننا أن نضع النقاط على الحروف من خلال هذه النظرة الواقعية ودون مبالغة:

 

أولاً: نجاح أوباما هو في حقيقته هزيمة منكرة لمشروع بوش والمحافظين الجدد قبل أن يكون انبهارًا بمشروع قادم من خلال الديمقراطيين، وهذه الهزيمة لبوش وحزبه هي هزيمة خارجية وهزيمة داخلية:

 

فعلى المستوى الخارجي:

(أ) فشل ذريع في مشروع احتلال أفغانستان، وأفشل منه الاحتلال العسكري للعراق، ولقد أصبحت أمريكا في ورطة أشدّ من ورطة فيتنام.

 

(ب) وفشل في إدارة السياسة الخارجية مع روسيا والاتحاد الأوروبي وفي القضايا الساخنة؛ مثل قضية فلسطين، مع فشل في تحديد إطار واضح للعلاقة مع الأصدقاء التقليدين لأمريكا في العالم العربي.

 

وعلى الصعيد الداخلي في أمريكا:

أزمة اقتصادية طاحنة كانت هي (القشة) التي قصمت ظهر الجمهوريين؛ إنها ليست قشةً بل (كومة) من المشكلات الاقتصادية: البطالة وانهيار البنوك والمؤسسات والبورصة.. إلخ.

 

ثانيًا: لم يختر الشعب الأمريكي أوباما لأنه شعب عظيم ومثالي وتغلب على عنصريته القديمة فاختار رجلاً أسود، ولقد آلمني قول إبراهيم عيسى: "إن أمريكا أثبتت أنها أمة عظيمة"، فببساطة أين كانت هذه الأمة العظيمة حينما أذاقت السود ألوانًا فظيعةً من الاضطهاد والتمييز العنصري طيلة قرون من الزمان؟!

 

وماذا نقول عن أمتنا الإسلامية التي ألغت هذه الفروق منذ أربعة عشر قرنًا، وأعلنت المساواة، ورفعت (بِلالاً) العبد الحبشي فوق ظهر الكعبة ليعلن كلمة التوحيد؟ ولماذا نسينا قول النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة وهو الفاتح المنتصر: "يا معشر قريش.. إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعاظمها بالآباء؛ كلكم لآدم وآدم من تراب، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى".

 

ثالثًا: إن مشروع بوش الخارجي للسيطرة على العالم قد أفشلته قوى المقاومة الإسلامية في أفغانستان والعراق- بكل الصراحة والوضوح- وإن أنكر المنكرون، برغم ضعف إمكانات هذه المقاومة المادية، لكن بفضل قواها الإيمانية والروحية.

 

هذه هي القوى الكامنة في الأمة الإسلامية التي استعصت على كل مجرمي التاريخ أمثال هولاكو، وريتشارد قلب الأسد، وشارون، وبوش، وغيرهم.. لقد ذهبوا جميعًا وبقيت الأمة ضعيفةً في قواها المادية.. نعم! لكنها عظيمة بعقيدتها وشريعتها وجهاد أبنائها.

 

رابعًا: إن أوباما لن يكون المنقذ لنا، ولن يكون الرئيس الذي يعيد الحقوق الضائعة للفلسطينيين، ويحرر أرض العراق.

 

إن صمود العراق هو الذي سيجبره ويجبر أي أحد مكانه على الانسحاب وصمود حماس والمقاومة في فلسطين (الجهاد وكتائب الأقصى وغيرهم) من المجاهدين الصادقين هو الذي سوف يجبر الكيان الصهيوني على رد الحقوق، كما أُجبِرَ من قبل على الانسحاب من غزة ومن قبلها لبنان ومن قبلها سيناء المصرية.

 

خامسًا: هناك فروق منهجية بين الديمقراطيين والمحافظين الجدد، فالديمقراطيون يتبعون سياسة (الاحتواء) مع خصومهم، بينما بوش ينتهج سياسة المصادمة الغبية الغاشمة.

 

إذن قد يكون أوباما أقرب إلى سياسة الحوار لكن:

- حواره هذا هدفه تحقيق مصلحة أمريكا والكيان الصهيوني أولاً ولا يجب أن نخدع أنفسنا.

 

- وقبولنا بسياسة الحوار يجب أن يكون من منطلق مصالحنا القومية ومصالح أمتنا العربية والإسلامية، نحن لا نرفض الحوار، لكن من خلال الاستفادة من كل عناصر القوة فينا ومنها قوة المقاومة، ومن خلال أيضًا البحث عن مساحات الاتفاق والمصالح المشتركة التي لا تضر كلا الطرفين.

 

سادسًَا: علينا البعد تمامًا عن مسألة الأحلام المتفائلة بالحلول السحرية على أيدي المُخَلِّص أوباما.

 

إن أحلامنا تحققها جهودنا وقوتنا الذاتية، وذلك بـ:

- أن نبني مجتمع المبادئ وأن نؤمن بقيم الحرية والعدالة.

- وأن ننتهج سياسة الانتخابات النزيهة والتبادل السلمي للسلطة لتجديد شباب الأمة واختيار الأفضل لتولي شئونها.

- وأن نبني اقتصادنا بعيدًا عن أذرع الفساد الضاربة أطنابها في ثنايا المجتمع.

- وأن نحترم قيم العمل وأهمية الوقت وتقدير العلم والعلماء وبناء قاعدة علمية صناعية زراعية قوية وحديثة.

فهل نحن مستعدون؟!