أعتقد أن الكثير كتب وسيكتب في المستقبل عن الرئيس الراحل ياسر عرفات.. البعض سيمدحه، والبعض الآخر سيعارض سياسته في إدارة الصراع الفلسطيني الصهيوني، وسيختلف معه فيها، ولكن ومع مرور الذكرى الرابعة لاغتياله يبقى عرفات أحد الشخصيات المهمة في تاريخ الشعب الفلسطيني، واغتياله شكَّل ضربةً ليس لحركة فتح؛ بل لجميع الفصائل والأحزاب الفلسطينية؛ بما فيها حركة حماس؛ لأن عرفات كان يدرك طبيعة المعادلة الفلسطينية، بل معرفة المناخات التي تسيطر على الشعب الفلسطيني، إضافةً إلى معرفته بكل الشخصيات الفلسطينية ذات التأثير المهم على الأرض "الصالح منها والطالح".
ودائمًا مع اقتراب ذكرى رحيل ياسر عرفات يعود السؤال الأهم دائمًا إلى الواجهة، والذي يريد الشعب إجابةً عنه.. كيف اغتيل ياسر عرفات؟ ومن المسئول عن تلك الخيانة؟!
مهرجان التأبين... فرصة للكذب
قبل أيام في إقطاعية رام الله أقيم مهرجان التأبين الرابع لرحيل عرفات.. بعض وجوه السلطة المألوفة كانت موجودة، والبعض اختفى في الكواليس، ولم يكلف نفسه عناء الحضور؛ ربما الموضوع لا يهمه كثيرًا.. ليس لشيء سوى ممارسة الخداع والتضليل، في مناسبة يعتبرونها فرصةً لا تعوَّض؛ للظهور بزي الوفاء الكاذب أمام الملأ وعلى وسائل الإعلام.
تحدث من تحدث في المهرجان الذي كرَّسته السلطة لمهاجمة حماس في ظل الحرب الإعلامية المتواصلة بين الطرفين؛ البعض تحدث عن تاريخ الرئيس ورؤيته السياسية، وسجلّه النضالي، ودوره في خدمة القضية الفلسطينية، واستحضروا كل كلمات المديح والرثاء المحضرة للخطب الرنانة" أمر جيد".
السيد عباس عاد إلى لغته المعهودة الغير توافقية والتصعيدية "هذا أمر معروف، خاصةً بعد زيارة رايس للمنظقة" لتكريس التوتر على الساحة الفلسطينية.. تكلموا عن كل شيء عدا شيء واحد وهو الأهم بمثل هذا اليوم.. ملف اغتيال ياسر عرفات الذي ما زال سرًّا.. هل هذا مصادفة أم تعميم سلطوي؟
"يقتلون القتيل ويمشون بجنازته"
مع الذكرى الرابعة لاغتيال عرفات كان من المفروض أن يتم الحديث عن ملف اغتيال ياسر عرفات، وسبب وفاته، ومن هي الأيدي السوداء التي تقف وراء ذلك الموت السر..
أعتقد أن هذا الملف قد أُلغي تماماً وإلى الأبد من أولويات إقطاعية رام الله، وتم تعميم ذلك على جميع المتحدثين والمتكلمين والناطقين الإعلاميين بقرار عباسي سلطوي..
أعتقد أن هناك" رؤوسًا كبيرةً وأسماءً لامعةً" من سلطة رام الله تقف وراء ذلك الاغتيال، لا يوجد غير هذا السبب وراء إصرار سلطة عباس على رفض فتح الملف، يعود إلى ذاكرتي حديث طبيب عرفات الخاص، الدكتور أشرف الكردي؛ الذي قال في موضوع اغتيال عرفات: "لقد دسّوا له الفيروس المسبِّب للإيدز في السمّ ليشوِّهوا سمعته، وكي لا يترحَّم الشعب الفلسطيني عليه، وإن أبو مازن تلقَّى تعليماتٍ بعدم اصطحابي معه إلى باريس ورفض تحليل دم الرئيس في أوروبا الشرقية".
وقال لي: "يا أشرف.. صرنا دافنينه"، ورفض إحالة الأمر إلى المدعي العام وتشريح الجثة لمعرفة سبب الوفاة..! وقد رفض المقربون من الرئيس الذين رافقوه تزويدي بنتائج التحليلات الطبية.
لا أعتقد أن الكردي لديه مصلحة في الكذب، وبالتالي هذا الكلام الخطير يعطينا انطباعًا عن دور المقرَّبين الكبار من عرفات ودورهم في اغتياله أو المشاركة بهذه الجريمة عبر تستُّرهم على الجناة.
أعتقد أن من يهمه سيرة عرفات وذكراه كان يجب أن يطالب بفتح ملف اغتياله، ويكذِّب الرواية الفرنسية التي تشوِّه الرئيس وتقول إنه مصاب بالإيدز، والتي لم تلقَ تعليقًا أو تكذيبًا من أيٍّ من وجوه السلطة.
أما حديث السيد ناصر القدوة، والذي لم يقُلْ غير أن عرفات مات مسمومًا، فهذه مأساة.. كلام القدوة غير كافٍ، ربما نسي أنه المسئول الأول عن الكشف عن الجناة القتلة؛ بحكم قرابته من عرفات، ومعرفته الكبيرة بكل الأجواء التي كانت تحيط به.
كنا نتوقع أن يفجِّر القدوة هذا الملف، ويكشف بعض الاسماء المتورطة باغتيال عرفات.. ليس في مهرجان التأبين؛ بل قبل ذلك، حتى لا نراهم يرقصون على ذكرى عرفات وجثته أمام هذا الشعب بوقاحة، ولكن وما دام هذا الموضوع قيد النسيان؛ فسيبقى القتلة يرقصون على جثة ياسر عرفات، ويتبجَّحون بعشقهم للوطن، وأنهم حماة المشروع الوطني.
مهرجان للرقص
ليس هذا وحسب.. بل إن الأكثر خجلاً وعارًا على إقطاعية رام الله ما حدث خلال مهرجان التأبين.. لا أذكر منذ متى أصبحنا نرقص ونفرح ونضحك عاليًا في ذكرى شهدائنا وفي مناسبات تأبينهم.. هل أصبحت ذكرى الرحيل تغرينا بالرقص والفرح؟ أين احترام الشهداء ووقارهم بعيوننا؟ كيف يمكن لقادة إقطاعية رام الله أن يمارسوا ذلك العهر دون خجل من صور الشهداء وقاماتهم وكأنهم في حفل موسيقي، وليس في تأبين رئيسهم؟ لا يمكن أن أفسر ما كان من رقص وفرح عند البعض من قادة رام الله؛ سوى بالخيانة لقامة ياسر عرفات، وسعادة برحيله.
رأينا صائب عريقات والطيب عبد الرحيم يتألقون فرحًا وهم يرقصون في ساحات المقاطعة يتمايلون يمينًا وشمالاً.. وهنا أسأل: هل هكذا يكون تأبين الرئيس؟ هل يستعيضون عن مقتله بالرقص؟ هل استعاضوا عن لغتهم الثورية برقصة" ثورية"؟ أين هم من الانتقام لدماء ياسر عرفات؟ أين محمود عباس من دماء صديقه وهو في أحضان رايس وليفني؟ وأين ضباط الأجهزة الأمنية من دماء قائدهم، وهم ينسِّقون ويتعاملون ليل نهار مع قتلة رئيسهم ورمزهم وأبناء شعبهم؟ وأين أبناء فتح من الصمت على قادتهم؟ أين هم من دماء عرفات؟!
-------
* الضفة المحتلة.